الحج رحلة الإيمان والبراءة من ” جزيرة التثليث الشيطاني” (الحلقة الثانية)

الحج رحلة الإيمان والبراءة من جزيرة التثليث الشيطاني (الحلقة الثانية)
يعيد النصّ قراءة الحج بوصفه رحلة إيمانية ورسالية تتجاوز الطقوس الشكلية، لتصبح إعلانًا للتوحيد والبراءة من الطغيان، وتحرير الإنسان من الأنانية والفوارق، وبعثًا لقيم العدالة والحرية ونصرة المظلوم...

اعتاد المسلمون سنويا القيام بأداء ” مناسك الحج” ، و القيام بواجباتهم من منطلقات دينية و مفاهيم روتينية و ممارسات تقليدية في إطار احكام ثابتة لا تتغير السلوكيات خلالها إلا في إطارها الزمني دون ان تترك أثرا ملموسا في نتائجها أو تأتي بثمارها على شكل إنجازات على ارض الواقع و في اوضاع الأمة الإسلامية ، أو في حياة المسلمين .

عندما يؤذن المؤذن في الناس بان ” موسم الحج” قد اقترب و ان عليكم التحرك و الانطلاق من مواقعكم الثابتة  إلى الهدف الأكبر ، و القيام بعمل إبراهيمي تتم من خلالها البراءة  من “المشركين ” و تحطيم أصنامهم التي تعبد من دون الله و تقيد حركة الإنسان باتجاه التحرر من أغلال هبل و عزى و اخيرا ” بعل” الشيطان الأكبر ، فان ” الحج” يتحول إلى ” ساحة ” نزال مع كل شيء  يحول دون الانطلاق و دون التحرك نحو محاربة تلك الشيطان و أولياءهم .

مفهوم ” الحج” يتوسع عندما يستوعب المسلمون ان هذا ” المنسك” جزء من منظومة العمل الاجتماعي و السياسي و الفكري و الجهادي ، آلياتها لا تختصر في مجموعة ” أعمال” شكلية لا تقود الى التغيير و إلى الثورة على الذات تمهيدا لإيجاد نهضة إسلامية تلامس واقع المسلمين و حياتهم و تؤسّس لمرحلة جديدة من العمل الجماعي في إطار المفاهيم الحقيقية لمعنى الحج و مناسكه الرسالية .

مناسك ” الحج” ليست فقط مجموعة أعمال ثابتة يقوم بها المسلمون في زمان محدد لتنتهي ثم تتجدد السنة التالية ليأتي بعدهم اخرون لاداء ذات الأعمال المطلوبة فريضة دون اي تغيير في مضامينها و ادراك محتواها و المفاهيم التي تلازم كل حج في كل عام و كل سنة على مر الزمان و التاريخ .

مفاهيم الحج تتجدد مع كل حول و سنة توجب فيها الفريضة ، المسلمون معنيون بفهم مضامينها و معرفة حقيقة واحدة ان الحج هو بلاغ للتحرك و الصيرورة الأبدية إلى الله و الخروج من شرنقة ” الأنا ” و الذات إلى بحر الناس و الجماهير و خلع لكل ما يميز بين الإنسان و أخيه ، وهدم لجميع  الفواصل الطبقية و القومية و الاجتماعية و السياسية و الذوبان في ” الخلق” باتجاه الخالق الذي يمثل ” البيت العتيق ” الذي حرره الله من سلطة الطغاة و الجبار وهو الكعبة رمز التوحيد و العبودية المطلقة له .

معرفة حقيقة الاسلام و مسيرة الانبياء منذ ان خلق الله آدم  ( ابو الانبياء ) إلى نبينا محمد ص لا تتيسر في الكتب لوحدها ، فهي تبقى ناقصة و غير مكتملة ، فيما الحج هو تجسيد حي و عملي لحضارة الانسان و الإسلام و فهم و ادراك لتاريخ  الاسلام  الصحيح ، استعادة صورة كاملة لمسيرة انبياء عظام صنعوا حضارة الانسان م قيم الحق و العدالة و الحرية من خلال ” المناسك” التي لكل واحد منها رمزية خاصة و ابعاد ايمانية و اجتماعية و سياسية .

الحج هو الإسلام ، فلسفته ان مفاهيمه و أبعاده غير محصورة لزمان ، فهي تتجدد كل سنة بأبعاد جديدة و مضامين لن تكون كسابقتها ، هذه الفلسفة هي التي أبقت هذا ” المنسك ” حضاريا بكل ما في الكلمة من معنى ، من هنا ايضا جاء مصداقه في عبارة ” قيام للناس “!

﴿ ۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[ سورة المائدة: 97]

الكعبة هي ” البيت العتيق” الذي حرره الله من سلطة الطغاة وهي الملاذ الامن و المنطلق لتحرير الإنسان من أغلال العبودية و من جور الظالمين ، و سلطة الحاكمين المتجبرين ، و اقامة العدل و دولة الحق و نصرة المظلوم و التنكيل بالظالمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *