اعتاد المسلمون سنويا القيام بأداء ” مناسك الحج” ، و القيام بواجباتهم من منطلقات دينية و مفاهيم روتينية و ممارسات تقليدية في إطار احكام ثابتة لا تتغير السلوكيات خلالها إلا في إطارها الزمني دون ان تترك أثرا ملموسا في نتائجها أو تأتي بثمارها على شكل إنجازات على ارض الواقع و في اوضاع الأمة الإسلامية ، أو في حياة المسلمين .
عندما يؤذن المؤذن في الناس بان ” موسم الحج” قد اقترب و ان عليكم التحرك و الانطلاق من مواقعكم الثابتة إلى الهدف الأكبر ، و القيام بعمل إبراهيمي تتم من خلالها البراءة من “المشركين ” و تحطيم أصنامهم التي تعبد من دون الله و تقيد حركة الإنسان باتجاه التحرر من أغلال هبل و عزى و اخيرا ” بعل” الشيطان الأكبر ، فان ” الحج” يتحول إلى ” ساحة ” نزال مع كل شيء يحول دون الانطلاق و دون التحرك نحو محاربة تلك الشيطان و أولياءهم .
مفهوم ” الحج” يتوسع عندما يستوعب المسلمون ان هذا ” المنسك” جزء من منظومة العمل الاجتماعي و السياسي و الفكري و الجهادي ، آلياتها لا تختصر في مجموعة ” أعمال” شكلية لا تقود الى التغيير و إلى الثورة على الذات تمهيدا لإيجاد نهضة إسلامية تلامس واقع المسلمين و حياتهم و تؤسّس لمرحلة جديدة من العمل الجماعي في إطار المفاهيم الحقيقية لمعنى الحج و مناسكه الرسالية .
مناسك ” الحج” ليست فقط مجموعة أعمال ثابتة يقوم بها المسلمون في زمان محدد لتنتهي ثم تتجدد السنة التالية ليأتي بعدهم اخرون لاداء ذات الأعمال المطلوبة فريضة دون اي تغيير في مضامينها و ادراك محتواها و المفاهيم التي تلازم كل حج في كل عام و كل سنة على مر الزمان و التاريخ .
مفاهيم الحج تتجدد مع كل حول و سنة توجب فيها الفريضة ، المسلمون معنيون بفهم مضامينها و معرفة حقيقة واحدة ان الحج هو بلاغ للتحرك و الصيرورة الأبدية إلى الله و الخروج من شرنقة ” الأنا ” و الذات إلى بحر الناس و الجماهير و خلع لكل ما يميز بين الإنسان و أخيه ، وهدم لجميع الفواصل الطبقية و القومية و الاجتماعية و السياسية و الذوبان في ” الخلق” باتجاه الخالق الذي يمثل ” البيت العتيق ” الذي حرره الله من سلطة الطغاة و الجبار وهو الكعبة رمز التوحيد و العبودية المطلقة له .
معرفة حقيقة الاسلام و مسيرة الانبياء منذ ان خلق الله آدم ( ابو الانبياء ) إلى نبينا محمد ص لا تتيسر في الكتب لوحدها ، فهي تبقى ناقصة و غير مكتملة ، فيما الحج هو تجسيد حي و عملي لحضارة الانسان و الإسلام و فهم و ادراك لتاريخ الاسلام الصحيح ، استعادة صورة كاملة لمسيرة انبياء عظام صنعوا حضارة الانسان م قيم الحق و العدالة و الحرية من خلال ” المناسك” التي لكل واحد منها رمزية خاصة و ابعاد ايمانية و اجتماعية و سياسية .
الحج هو الإسلام ، فلسفته ان مفاهيمه و أبعاده غير محصورة لزمان ، فهي تتجدد كل سنة بأبعاد جديدة و مضامين لن تكون كسابقتها ، هذه الفلسفة هي التي أبقت هذا ” المنسك ” حضاريا بكل ما في الكلمة من معنى ، من هنا ايضا جاء مصداقه في عبارة ” قيام للناس “!
﴿ ۞ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[ سورة المائدة: 97]
الكعبة هي ” البيت العتيق” الذي حرره الله من سلطة الطغاة وهي الملاذ الامن و المنطلق لتحرير الإنسان من أغلال العبودية و من جور الظالمين ، و سلطة الحاكمين المتجبرين ، و اقامة العدل و دولة الحق و نصرة المظلوم و التنكيل بالظالمين .


