الثبات على طريق الحق

الثبات على طريق الحق
حيث ما يكون الحق والعدل وبغض الباطل والظلم مهما كان حامله، وبهذا تكون البصيرة في القول والحزم في العمل، ونتيجته الثبات على طريق الحق وتحقيق غايته المرجوة على الأفراد والمجتمعات...

إنّ الفطرة الإنسانية السليمة تشعر بالقيم السامية والمبادئ الحقة، فهذه القيم والمبادئ مما لا يختلف عليه أثنان، فهي مما جُبلت عليه النفس بالفطرة، وإنّ التوق الى الحرية والعدل هو من صميم الإنسانية كما إنّ بغض العبودية والظلم من ذلك الصميم أيضاً، فالعقل المنطقي والفطرة السليمة يتضافران في التعبير عن الحق والعمل على إحقاقه، كما يتضافران في نبذ الباطل والعمل على إبطاله، فالقضية تكمن في نصرة الحق بغض النظر عند مَن يكون الحق، وكذلك ازهاق الباطل بغض النظر عن مَن يتمثل به.

وملخص هذا ما اشار إليه أمير المؤمنين علي (ع) في قوله: (إنّ الحق لا يعرف بالرجال وانما الرجال يعرفون بالحق، فاعرف الحق تعرف أهله قلّوا أو كثروا واعرف الباطل تعرف أهله قلوا أم كثروا)([1])، وهذا الأمر هو ما حدى بالمجتمع الطلابي الجامعي الأمريكي بإعادة الحسابات وهيكلة الاصطفافات فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بعد أنْ فعل الاعلام الغربي الاستكباري فعلته في تضليل الرأي العام وتحشيد ما يمكن تحشيده للتعتيم عن الحقائق وتسويق الحق بأنه باطل والترويج للباطل على انه عين الحق، فغدى المظلوم ظالماً والظالم مظلوماً.

وإنّ الموقف السليم لهذا المجتمع الطلابي الجامعي الأمريكي لهو خطوة رائدة في عالمنا المعاصر، فعلى رغم الإعلام المضلل والحكومات الجائرة كانت لهم هذه الوقفة الاحتجاجية الكبيرة ضد الاستكبار الصهيوني وما صاحبه من غطرسة وظلم للشعب الفلسطيني الجريح.

وعليه سيكون لنا تأملات في الدروس القرآنية في رسالة سماحة السيد الخامنئي  الى المجتمع الطلابي الغربي فهي حاملة لمعاني الإنسانية المتفق عليها من نبذ الظلم والطغيان والعمل على الثبات على طريق الحق من غير اعتداء أو تهاون بالحق، وأوضح سماحته بما يقتضيه المقام في رسالته أنّ المنهج القرآني في تربية اتباعه المسلمين والناس على الثبات على طريق الحق من غير طغيان وعدم السكوت عن الظلم كما لا يسمح بظلم الآخرين، وهذه المعاني القرآنية هي عينها المعاني الإنسانية التي حببها الله عز وجل لنفس الإنسان وبغض خلافها فيها، كما قال سبحانه: وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (سورة الحجرات: 7)، نعم فإنّ (عشق الإيمان والتنفر من الكفر موجودان في قلوب جميع الناس دون استثناء وإذا لم يكن لدى بعضهم ذلك فإنما هو من جهة أخطائهم وسلوكياتهم وأعمالهم، فإن الله لم يلق في قلب أي شخص حب العصيان وبغض الإيمان…)([2]).

فقال سماحته بهذا الصدد: (إنّ درسَ القرآنِ الموجّهِ إلينا، نَحنُ المسلمين، وإلى جميعِ الناسِ حولَ العالم هو الثّباتُ على طريقِ الحق: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ (سورة هود، 112)، كما أنّ درسَ القرآنِ بشأنِ العلاقاتِ بين البشرِ هو: لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة، 279)).

وذلك أنّ المنهج القرآني في تربية الإنسان المسلم منطلق من أساس واحد وهو الزامه بما ورد من آياته الكريمة وما فيها من تشريعات تنظم شؤون حياته الخاصة والعامة، وهذا الالزام غير قابل للتسامح أو الاجتهاد قباله، ومن اظهر آيات القرآن الكريم في هذا الالزام ما ذكره سماحة السيد الخامنئي  هو قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، والاستقامة كما يرى اهل التفسير هي (كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق)([3]).

وإذا كان الأمر هكذا وهو هكذا فلا مجال أنْ يكون الإنسان المسلم الملتزم بدرس القرآن الكريم ان يتجاوز الحد وان يطغى على الناس، ولعل تتمة الآية الكريمة التي ذكرها سماحة السيد تؤكد هذا المعنى إذ قال سبحانه: وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

إذن فإنّ الثبات الذي عناه سماحة السيد هو الثبات الذي لا ثاني له في المنهج القرآني في تربية الإنسان المسلم، وان الاستقامة التي الزم بها القرآن الكريم اتباعه لم تكن كلمة فضفاضة أو متأرجحة وانما واضحة المعالم ثابتة المبدأ، فهي بهذا لا تسمح للخروج عن معناها الذي يُفهم من المنهج القرآني المتكامل في منظومته الشاملة لشؤون الحياة كافة، فكان من معاني تتمة الآية الكريمة هو بيان علّة هذه الاستقامة وهو غلق باب الطغيان والظلم على الآخرين.

ثم يؤكد سماحة السيد للمجتمع الطلابي الأمريكي ان هذا الثبات على الحق لم يكن عن فوضى واجرام، وانما عن التزام بالدرس القرآني الموجه للمسلم، وان القرآن الكريم وان حثّ اتباعه على عدم الركون الى الظالمين فهو كذلك لا يسمح بظلم الآخر، فكان ان جعل من قوله تعالى: لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ قاعدة للتعامل مع الآخر، وعليها يكون تنظيم العلاقات، فلا تسمح الآية بظلم الآخر كما لا تسمح بأن الآخر يظلمنا، وهذا هو المستفاد من هذا الدرس القرآني هو (لا تأخذون مال الغير ولا يأخذ غيركم أموالكم)([4])، وكلمة المال شاملة لكل ما هو مُلك وحق، كما ان كلمة ظلم شاملة لأي نوع من أنواع الظلم والسلب.

وفي الختام يمكن القول إنّ اشادة سماحة السيد بالموقف الاحتجاجي للمجتمع الطلابي الأمريكي ضد غطرسة الكيان الصهيوني معبرة عن مدى تلاحم الفطرة السليمة مع القيم السامية التي اشاد بها القرآن الكريم وربّى اتباعه عليها، وان هذه القيم والمبادئ من عدلٍ وحرية وكرامة ومساواة وعطف ورحمة، لها أثرها العظيم في اعادة تشخيص الاصطفاف حيث ما يكون الحق والعدل وبغض الباطل والظلم مهما كان حامله، وبهذا تكون البصيرة في القول والحزم في العمل، ونتيجته الثبات على طريق الحق وتحقيق غايته المرجوة على الأفراد والمجتمعات.

والحمد لله رب العالمين

 

[1]() منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قطب الدين الراوندي (ت: 573هـ)، 3/374.

[2]() الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ناصر مكارم الشيرازي، ١٦/٥٣٣.

[3]() روح المعاني، الآلوسي، 12/477.

[4]() تفسير التحرير والتنوير، ابن عاشور، 2/561.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *