حاكميات التخلف العربيّ وتحديها للحداثة

حاكميات التخلف العربيّ وتحديها للحداثة
يربط النصّ التخلف العربي ببنية الاستبداد، وهيمنة التقليد، والقوانين المتجاوزة، وغياب العقلانية. ويدعو إلى حراك شعبي سلمي واعٍ يرفع شعارات الديمقراطية والعلمانية والمواطنة والحداثة بعيدًا عن العنف والتطرف...

إن النظر بعمق في واقعنا العربيّ المأزوم في تخلفه البنيويّ بكل مستوياته الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة, يشير وبكل وضوح هنا, إلى أن هذه التخلف البنيويّ محكوم ليس بحاكميّة أصوليّة دينيّة فحسب, بل هو محكوم بحاكميّة أنظمة وضعيّة شموليّة أيضاً، يضاف إليها حاكميّة التخلف الفكري بمعظم مفرداته، إن كان على مستوى استمناء العرف والعادة والتقليد والثقافة الشفويّة المشبعة بالنقل على حساب العقل، أو على مستوى حاكميّة الكثير من القوانين الوضعيّة التي فاتها الزمن والمطبقة على واقعنا الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ بفعل مصالح قوى اجتماعيّة محددة .

أقول: إن معظم ما طُرِحَ ويُطْرَحُ على الساحة الفكريّة العربيّة من قضايا فكريّة وفلسفيّة وأدبيّة تتعلق بالحداثة ومفرداتها، إن كان على مستوى الوطن والمواطنة والانتماء والقوميّة والديمقراطيّة والعقلانيّة والعلمانيّة والاستبداد والدولة الشموليّة والليبراليّة وقيمها, أو على مستوى ما بعد الحداثة وطبيعة المجتمع الاستهلاكيّ ورأسماليّة الدولة الاحتكاريّة, أو على مستوى الثقافة والمثقف, والمثقف العضويّ وغير ذلك ن قضايا تتعلق بتخلفنا ونهضتنا, فكلها تشير في الحقيقة إلى قضيّة أساسيّة هي:

إن هناك واقعاً عربيّاً متخلفاً ومأزوماً ومفوتاً حضاريّاً, وقد تقدمت عليه الكثير من دول العالم وحتى بعض المتخلفة منها، ونحن للأسف لم نزل كـ (بول البعير) نرجع إلى الوراء، وبطريقة يندى لها الجبين، فواقعنا أكثر ما يقال عنه، أنه يعيش تحت مظلة أنظمة شموليّة استبداديّة، ذات توجهات مرجعيّة طائفيّة أو قبليّة أو عشائريّة مأزومة، كرست التخلف والفوات الحضاري لهذه الأمّة وعمقته.. جوعت بعض هذه الأنظمة شعوبها وأفقرتها، ودفعت الملايين منها إلى الهجرة وترك الأوطان، ليبقى فيها المستفيدون من واقع هذا التخلف المزري وتجار الوطن والدم والدين, والفقراء المعدمون الذين ليس لهم قدرة على ترك الوطن أو الدفاع عنه, وبعض الشرفاء في مواقع السلطة الذين ظلوا يقبضون على قيمهم الأخلاقيّة النبيلة كمن يقبض على جمرة من نار, فويله وطنه الذي يشعر بحالات ضياعه, وهو يرى يوميّا كيف يتغلغل السِفْلَةُ في مفاصل حياته السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة, وويله أنه من موقعه في السلطة أو الإدارة غير قادر على صنع أو اجتراح المعجزات, وفي كل يوم راح يقل فيه عدد الشرفاء من أمثاله ليتحول الوطن إلى قبضة تجار الحشيش والمخدرات والسياسة والدم والوطنيّة وتجار الدين.

من هنا تأتي أهمية الدعوة إلى العمل من أجل تغيير طبيعة الأنظمة السياسيّة القائمة، وهذه دعوة ملحة, ولن تتحقق إلا بحراك شعبي يمثله كل القوى المقهورة والمشردة والجائعة والمستلبة والمهجنة..

 حراك شعبي بعيد عن العنف والعنف المضاد:

لقد أثبت حراك ما سمي بثورات الربيع العربيّ فشله الذريع بسبب غياب الوعيّ الثوريّ لدى الكثير من حملته الاجتماعيين، وخاصة عندما استخدم حملته العنف ضد هذه الأنظمة الشموليّة المشبّعة بكل أشكال العنف الناعم منه والقاسي، مما أدى إلى دمار شبه كامل للبنية الماديّة والمعنويّة لبعض هذه الدول كما هو الحال  في سوريا على سبيل المثال لا الحصر, من هنا تأتي ضرورة التنبيه إلى أهميّة الحراك السياسي السلمي ضد الأنظمة الشموليّة إن وجدت, فمثل هذه الأنظمة بحاجة لحراك اجتماعيّ وثقافي واعٍ لطبيعة النشاط السياسيّ السلميّ, وبأن الحل يكمن في هذا النشاط، كي لا يُترك مجال لقادة هذه الأنظمة أن يجعلوا من حراك المعارضة قوى إرهابيّة, دون أن ننكر أن هناك من كان إرهابيّاً بكل معنى الكلمة في ثورات الربيع العربي إما ممارساً له بهذا الشكل أو ذاك, أو كونه فسح في المجال واسعاً لدخول القوى الأصوليّة التكفيريّة تحت مظلة هذا الحراك, لفرض دولة الخلافة باسم الحاكميّة.

إن رفع شعارات الديمقراطيّة والعلمانيّة والموطنة والحداثة بوجه هذه الأنظمة الشمولية, سيجعلها ترضخ بالضرورة لمطالب الشعب كونها مطالب حق، ولن تستطيع هذه الأنظمة اتهام دعاتها بالإرهاب أو الخروج عن القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *