منذ إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا ووصول هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني إلى السلطة، كانت مواقف العراق تجاه الحكام الجدد في دمشق حذرة. للعراق حدود طويلة مع سوريا، والتطورات الأمنية والسياسية في البلدين تؤثر بشكل مباشر على بعضهما البعض. سقوط صدام عام 2003 والتطورات بعد عام 2011 في سوريا تُظهر بوضوح هذه التأثيرات. ولهذا السبب، بعد سقوط الأسد، رغم أن بغداد احترمت حق السوريين في تقرير مصيرهم، إلا أن موقف العراق تجاه الحكومة الجديدة كان مشروطًا بسلوك الحكام الجدد.
زيارة رئيس جهاز المخابرات العراقي إلى دمشق، بعد ثلاثة أسابيع من سقوط الأسد وعدم إرسال أي مسؤول دبلوماسي، مثل باقي الدول العربية والغربية، كانت دليلاً على أن العراقيين لا يزالون غير راغبين في إقامة علاقات سياسية مع الحكام الجدد في سوريا، وأن المخاوف الأمنية والتقييمات الأولية كانت هي الهدف الرئيسي من تلك الزيارة.
الجولاني (الشرع)، الذي تم تعريفه مؤخرًا من قبل الجماعة التي يتزعمها كرئيس جمهورية، يُعتبر من قبل الكثير من العراقيين مسؤولًا عن العديد من الجرائم الإرهابية والتفجيرات التي حدثت خلال فترة عضويته في القاعدة وداعش. حتى الإفراج عنه من سجن بوكا في العراق عام 2009 كان نتيجة إرادة أمريكية ودون تدخل من الجانب العراقي. اعترافات بعض الإرهابيين في العراق أدت أيضًا إلى إصدار قرار اعتقال للجولاني.
تتحدث أخبار متعددة عن سوء المعاملة والعنف الدموي تجاه الأقليات في سوريا، احتكار السلطة بيد تحرير الشام، وتقسيم أهم المناصب الحكومية الجديدة تقريبًا بين أعضاء الهيئة والمقربين منها، الإعلان عن إجراء انتخابات في المستقبل البعيد (أربع سنوات)، والاشتباكات الحدودية الأخيرة بين ميليشيات تحرير الشام والجيش اللبناني، كل هذه القضايا تزيد من مخاوف بغداد.
ومع ذلك، من المقرر أن يُعقد اجتماع القادة العرب في أوائل الربيع المقبل في بغداد. الجولاني الآن رسميًا رئيس جمهورية سوريا ومن الطبيعي أن يكون ضيفًا رسميًا في بغداد. كما أن المسؤولين العراقيين في وضع خاص مضطرون لإكرامه رسميًا. الشخص الذي كان قبل عدة سنوات أحد قيادات القاعدة وداعش وقريبًا من الزرقاوي والبغدادي.
على الرغم من كل ذلك، يبدو أن بغداد، التي سعت في السنوات الأخيرة وخاصة في عهد الحكومة السودانية إلى سياسة خارجية ديناميكية ومحايدة، لن تقتصر فقط على مراقبة التطورات في سوريا بل ستبدأ تدريجياً في اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. تنظيم مؤتمر الحوار الدولي في بغداد في أوائل شهر آذار بحضور جيران سوريا والدول الإقليمية بما في ذلك إيران ومشاركة وزير الخارجية السوري أسعد شيباني، يُظهر أن العراق على الرغم من حذره في التعامل مع التطورات السورية وحكامها، ليس لديه خيار سوى التحرك وفق المسار الذي اتخذته الدول الإقليمية والدولية تجاه سوريا، خصوصًا وأن الجوار مع سوريا يضاعف من ضرورة وضع سياسة تجاه دمشق في أقرب وقت ممكن.
وقد صرّح فؤاد حسين وزير الخارجية العراقي مؤخرًا بشأن موضوع حضور أو غياب الجولاني في قمة القادة العرب في بغداد أن بلاده ستدعو “أحمد الشرع رئيس جمهورية سوريا” لحضور قمة القادة العرب، وأن الحكومة العراقية لا تعاني من أي اعتبارات في التعامل مع القيادة الجديدة في سوريا.
ومع ذلك، حتى في ظل التحركات الدبلوماسية بين مسؤولي البلدين، يبدو أن العراقيين سيستمرون في سلوكياتهم الحذرة تجاه الحكام الجدد في سوريا حتى يتحقق استقرار سياسي نسبي وتظهر ظروف مواتية في سوريا.


