الإسقاط السيكولوجي الفقهي وثورة الدين

الإسقاط السيكولوجي الفقهي وثورة الدين
أنها تحولت من رايات علم وإيمان إلى رايات يحمل صواريها جنود مهيؤون لخوض نزالات مميتة مع أبناء عمومتهم وإخوتهم ورفاق دربهم الإنساني بسبب التنافس لا أكثر...

بسبب حالة الفوضى التي تعم وجودنا الإسلامي، أرى أن الباحثين الجادين المحايدين والعلماء المتخصصين يجب أن ينتقدوا ويفككوا ويدرسوا الإشكاليات المتعددة، ويقترحوا النتائج، وأن يضعوا ما يرونه صائبا من الحلول المستخلصة عن طريق البحث العلمي الرصين أمام الملأ دفاعا عن الإسلام ومن خلاله دفاعا عن الإنسان؛ فكلاهما صار لونه باهتا بسبب كثرة المماحكات الداخلية والخارجية، وعلى الإسلام المعاصر بجميع نسخه والمسلمين ألا يتطيروا من النقد البناء، لأننا على يقين تام أن موت الفكر النقدي العلمي المحايد الحر يُعدُّ من أكثر الأسباب التي تدفع البلدان والحضارات والأديان إلى التخلف أو الجمود والتأخر عن اللحاق بركب التحضر، وهي العوامل التي تتيح للانحياز المذهبي والطائفي قدرة التحكم في علاقات الفرق مع بعضها، وتدفعها للخوف من الآخر، والشعور بأنه منافس خطير وليس شريكا في الوجود وأخا في الإنسانية.

إذ لا ينكر أننا نعيش اليوم أزمة فكرية تحولت إلى إشكالية صعبة جعلت اللاهوت الديني، السياسي، وأقصد به لاهوت الطوائف والمذاهب والفرق والجماعات والولاءات الفرعية التي ولدت بتأثير سياسي بحت هي الحاكم المتحكم بمصائر ديننا وحياة شعوبنا، في وقت يستنتج العاقل فيه أننا كمسلمين وديننا معنا بكل فرقه وطوائفه يمر بأخطر مرحلة تاريخية بعد أن وضَعَنا أعداؤنا شاخصا للتصويب، ولا ينتظر الرامي سوى اعتدال درجة الريح وتوافقها معه لكي يصوب علينا ويصيبنا في مقتل، بمعنى أننا نقف اليوم بعين الخطر، وهو خطر حقيقي يختلف عن جميع تلك المخاطر التي مرت بنا من قبل، وإذا لم نستعد رباطة جأشنا، ونعيد النظر بحساباتنا، ونبدأ بإعادة تقييم مسلماتنا العقدية الموروثة لغرض تنقيتها من كثير من الدرن الذي تلبَّسها تاريخيا ومرحلياً لأسباب قد لا يكون من بينها ولو سببا دينيا حقيقيا واحدا، فمن المؤكد أننا سنخسر الكثير، وربما نخسر كل شيء، وإذا كنا نحن الخاسرين، فسيخسر العالم معنا معناه وقيمته وإنسانيته، فنحمل وزرنا ووزر من تسببنا في خسارته يوم نقف أمام الله تعالى، ولا نملك عذرا نقدمه في دفاعنا عن أنفسنا.

ومن نافلة القول التذكير بأن ما حدث من قبل وما يحدث الآن كان تقصيرا، وأن هذا التقصير كان ممنهجا منذ ساعات ولادته الأولى، ولا يمكن بأي حال من الأحوال استثناء أحد من مغبة ما حصل، إذ لا زالت مدارسنا الفقهية ومذاهبنا وفرقنا منذ ساعات تأسيسها الأولى ولحد الآن تضع الأحكام الفقهية لتكون بالضد من الآخر، وتلقي اللوم على بعضها لتبرئ نفسها، رغم أنها جميعها اشتركت في جريمة تفريق الأمة، سواء عن قصد وتعمد، أو نتيجة التحيز الفرقي، أو جهلا، أو طيبة، أو تعبدا، وكل فرقة منها تدعي بأنها الكاملة والناجية؛ والعيب في غيرها، وهذا كله يقع ضمن إطار ما يعرف بالإسقاط السيكولوجي، وهو أن ينسب الإنسان ما به من عيوب إلى الآخرين، لكي يخفف من الضغط النفسي للمشاعر الحادة التي تسببها عوامل الإحساس بالنقص. وحتى من لم يمارس هذه اللعبة منهم، وأنَفَ أن ينحاز لأحد، نجده قد ترك الإيمان بثلاثة أرباع دينه، وأعتنق دين نظرية المؤامرة التي جعلته يشك حتى في نفسه، حتى لو كان على يقين تام أنها تعرقل إمكانيات العقل في الوصول إلى مراحل التفكير العلمي المثمر المنتج الجاد.

وبين هذا وذاك جاء كم الفتاوى المتناقضة والمتباينة المرعب ليلقي بعضه أكداسا من الوهم والتشتت والحيرة على عاتق المسلم البسيط الذي أجهد نفسه في ملاحقة مخرجات تلك الفتاوى المتشابكة دون أن يتمكن من استيعابها، بسبب كثرة تفرعاتها وتنوع آرائها وتعارض مناهجها، فالوقت الذي صرف على استنباط تلك القواعد والأحكام وكتابتها والتثقيف على مضامينها وترسيخها في الأذهان، لم يشغل العلماء وحدهم في أمور ثانوية، ويلهيهم عن متابعة الجوهر فحسب، بل حرم الأمة فرصة توظيف ذلك الوقت الثمين إيجابا، والإفادة من المعطيات المتحصلة من أجل التقدم والتحضر والتمدن أيضا، بدل أن تبقى الأمة مشتتة تحت رايات ـ يخيل إليَّ ـ أنها تحولت من رايات علم وإيمان إلى رايات يحمل صواريها جنود مهيؤون لخوض نزالات مميتة مع أبناء عمومتهم وإخوتهم ورفاق دربهم الإنساني بسبب التنافس لا أكثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *