مدن المقابر الجماعية

مدن المقابر الجماعية
لا في ظلمات المقابر المكفهرة، التي تفوح منها رائحة الظلم والعسف والجور والخسة والانحطاط، فالحياة التي كرمها الله تعالى لا تبدأ في المقبرة...

أيها الواقفونَ في طوابيرِ الانتظارِ المرِ.. على حدودِ ضياعِ العمرِ.. في زمن الخيبة والخسران. ليلكُم تيه تسرحُ فيه الجنياتُ والغيلانُ والسباع والضباعْ، وكلها جياعْ، وأنتم المؤنة أنتم المتاع.

أيا الواقفون بلا هدف، حيث يتنظر الحتف، صباحكمْ ثغرةُ ظلمةٍ تطلُ على سواترِ النواحِ والأنين، تبعث في نفوسكم ذكرى نشوةَ دفءِ الفصولِ الذبيحة، حيث رائحة البغايا والخريف بلا انتظار، لا نار ولا سُمّار.. يلاعب العواطف الخفية، ويخلط المساء بالنهار، فيصنع انبهار.

أيها الواقفون بلا هدف؛ أنا واحد منكم، مثلكم، لست بعيدا عنكم، أخاطبُ نفسي بهمسي عليَّ أخرج من رمسي، فنفوسنا قرفصها الإهمال والتيه في حقل ألغام الاشتياق.. أتعبها البحث في دفاتر الزمن الغائر عن ساعة حنين، عن شوق لحضنٍ تفوحُ منه رائحةُ أمٍ مكلومة، فقدت وليدها منذ عصر السبايا.. باعه المجرمون أبناء البغايا في سوق النخاسة في أرض الإسلام، أو حضن أرملة فتية كزهرة الياسمين أتعبها الحنين وانتظار السنين، تبحث عن وطن في منافي الدنيا البعيدة، تحضنه يغمرها الحنان، فتنتشي بلا استئذان. أو أخت مناضلة تبحث عن طفلٍ أخيها ابن أمها وأبيها في حقول المقابر الجماعية التي طرزت وجه الوطن، وكلها أمل أن يستفيق الضمير، عسى أن يمر يوم عيد في حياتها بلا محن.. لتستفيق نفحةً الأمل.. وتورق أزهار التفاح في المساء، على جدائل القمر وصوت خرير الماء، فأعذب ما في الوجود لقاءِ الغائب الحبيب، على سفوح شواطئ الحنين والوعود العابقات بوجع السنين.

لكن الطغاة أبوا إلا النذالة والسقوط، حينما سرقوا الضحكة من شفاهنا التي كانت تبحث عن سعادة حقيقية، في حقل ربيع مزهر، لا في ظلمات المقابر المكفهرة، التي تفوح منها رائحة الظلم والعسف والجور والخسة والانحطاط، فالحياة التي كرمها الله تعالى لا تبدأ في المقبرة، بل تنتهي بها غالبا؛ وليس على الدوام، وألا فكثير من الذين فقدناهم في معارك التوحش التاريخية؛ تلك المعارك التي قادها الزعماء الجبناء المفترسون؛ لم يجدوا قبورا يتقرفصون في منحنياتها أو يتكئون على جدرانها الرطبة المهدمة، فتوسدوا الأرض الندية، وأغمضوا جراحهم، وطيف أحلام الأمس يلاعب خيالهم الجامح، وصوت وثير يهدهد: دللول يا الولد يا ابني دللول، ثم ناموا وتدثروا بالرمال التي هالها الحقراء عليهم، الحقراء الذين انسحبوا ولم يتركوا خلفهم من أثر يدل على جريمتهم سوى عفن رائحة ضمائرهم الوسخة، نعم محت العواصف خطاهم، ولكن الكون كله عجز عن محو جرائمهم، إلا في زمن السيد الدولار وحكم العم سام الذي صاغ قواعد اللعبة، وأرسى النظام بالاتفاق في لندن وصلاح الدين مع المعارضة القوية الناهضة التي زأر الجوع في حنايا ضمائرها بحثا عن لقم سائغة يشرعنها الفساد، ونسوا الذين توسدوا الحفر، تلك الألوف التي لا تخشى الحتوف، الألوف التي كنا نظنهم أحياء، وكلنا أمل بلقاء، كانت أعيننا ترقب الطرقات، تنتظر عودتهم مثلما يعود عيد، مثلما تزهر أشجار البيلسان، وكم كانت خيبتنا مرة بعد أن بحثنا وبحثنا، فلم نعثر لهم على مجرد شاهدة قبر أو قطعة ثوب أو هوية.

فقط رائحتهم الزكية التي عهدناها تضوع من بسماتهم منذ طفولتنا.. رائحتهم العالقة في قلوبنا، وفي ثنايا الروح حيث يسبت الألم العصي، أشارت بإصبع الاتهام إلى الأرض الندية التي أسندوا رؤوسهم إليها قبل أن ينهال عليهم تراب الحقد الطائفي الأعمى، لتبوح لنا بسر حدود مقبرة جماعية جديدة، لا تشابه المقابر، فكل المدفونين فيها لا زالوا يتنفسون.. لا زالوا يحلمون، ويحملون في قلوبهم حقداً على الجلاد.

فالموتى في أوطاننا مثلنا يحلمون أحيانا بشيء من الجمال، ويملأ قلوبهم الحقد على الوحوش.. لكنهم وللأسف مثلنا يحلمون ولا يعملون، ولذا ستبقى المقابر الجماعية تنتظر قدومنا في كل حين، فهي تشتاق لجبننا وخنوعنا، يا لنا من مساكين. ألف فرصة أتيحت لنا لننتفض ونحمل الجراح أمام عين الشمس، فأضعنا الشمس، وفضلنا سكنى الرمس الجماعي بأمر السلطان الخرف المنحرف، ذلك أنا كلنا أدعياء جبناء نأنف أن نكون شهداء وحتى مجرد أتقياء.

One Response

  1. تحياتي واحترامي لكم
    هي محظ تأوهات تنتزع أطياف الذكريات من وجع سنين مضت نستبدل خلالها الآهة بابتسامة باهتة ساخرين من تلك السنين العجاف
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *