ثمة إنسان يكاد يرمي أوراقه للريح،ويمضي ليعبر العتمة،ويسدل الستار على فصل موجع،قوامه أن الشاعر أنهى دوره،وذهب إلى العدم!هكذا دون مقدمات واضحة ومبرّرة،وهكذا يرى البعض نهاية الشعراء مع الألفية الثالثة.
وربما كان ثمة معيقات،بدءاً من الملاحقة والقيود والسقوف،ومروراً بسيطرة ثقافة المسيطر النقيض وحصاره،وانتهاءً بالفقر الشامل الذي يدقّ عنق الشعراء مالاً وقرّاء.غير أن الشِعر ظل قادراً على الاختراق والحضور بهالته وسطوته وأناقته،رغم حالات الإبادة والزبد والتشظي والحدود،وغياب النقد ودور النشر والمنابر،ورغم نداءات الإعدام الصادرة بحق هذا المقدّس المهيب.
بالمقابل ثمة مشهد ينوء فيه الشِعر الفلسطيني من أثقال الأزمة التي طوّقته مؤخراً، ومن استلابه وتعويمه،وانفتاح النصوص الأخرى عليه وانفتاحه عليها،بحيث ذابت الحدود والفواصل،حيث بدت الذائقة الجَمالية خارج موضوعها،هذا عدا عن أثقال يومية وموضوعية تسعى لعرقلة مسار القصيدة،التي توزّعت بعدد كاتبيها،فظهرت وكأنها في حالة تشظية وانهدام وأنها وصلت طريقاً مسدوداً،بعد أن سيطرت “الشكلانية” على كل شيء.
وعليه؛ماذا ستكون ردة فعل الشِعر،مع الحرب المفتوحة على غزة،والاقتتال والتمزّق والوباء والجوع المخيف،والعمل على تفكيك القطاع بكل مكوّناته ودقائقه؟
الشِعر جميل،فيه فانتازيا حرّة،انسيابية،سائلة،وغرائبية لا حدود لها،ومنطق تختفي فيه الحدود والجغرافيا والمنطق،الأمر الذي يشكل إغراء للآخرين “لاستغلال” الشِعر فيفتحون نصوصهم على عروق الذَهب وشرايين البرق المضيئة في الشِعر،لإكساب هذه النصوص تلك المسحة الخارقة من جنون الكلام،وشبق الركض في غابات من الغرائبية الرائعة.
إن الرغبة في التحطيم أو التفكيك أو التكثيف أو التخييل،وهي عمليات أو اتجاهات نراها في معظم النصوص الفنية والأعمال الإبداعية،ما هي إلا آليات الشِعر في وصف العالم.
أيّ شِعر سنراه ونقرأه في الحرب؟
ماذا يقول الشاعر وهو وحيد لا يملك من قوى سوى خياله وحساسيته المفرطة ورغبته في المشاركة؟وماذا يقول الشاعر أمام قوة الطائرة والمدرّعة وجبروت القذائف وطغيان الموت والخذلان؟
وهل يستطيع هذا الخيال الشعري أن يسابق إبهار صورة الكاميرا والإنتاج المرئي؟
ما الذي سيقدمه الشاعر للعالم المطعون النازح الجائع المريض المُلاحَق،المسيطَر على كل شيء حوله؟
الشِعر اختراع قديم قديم، بل حاجة لا بدّ منها.والشعر ابن الخوف والتضرّع والتأمل،وابن النزعات والرغبات والخلجات الأولى.
والعالم يدخل مرحلة الشيخوخة،والشعر فتيٌ،يبقى،وما بعده يزول.ففي العالم أشياء قديمة لا تزول..وعزاؤنا أن الإنسان رغم كل هذه الحديدية وهذه البرمجة المتقنة حتى الفزع،والوباء والتلوّث والجنازات..سيظل بحاجة ماسة،لشهقة موسيقى وخفّة ريشة،وكلمة تضوّع الحياة بأريجها المستحيل.
***
وقد تميَّز الشِعر الفلسطيني أنه ذو خلفيات ومرجعيات كثيرة،بسبب الشتات مرّة، وبسبب الأيديولوجيا مرة أخرى،ولهذا فالشِعر الفلسطيني ليس نسيجاً واحداً أو تجربة واحدة،فالتحديات المختلفة والقضايا المتعددة التي فرضت نفسها على هذا الشِعر،جعلت منه متعدد الأشكال والأساليب والذروات،أيضاً،بشكل يلفت النظر.
ويكاد لا يجمع بين هذا الشِعر سوى مقاربته للقضية الوطنية على تفاوت هذه المقاربة،ففي الوقت الذي كانت فيه التجربة الشعرية في الخارج تتبنى قضايا سياسية وجمالية وشكلية معينة،كانت التجربة الشعرية في الداخل مضطرة لأن تتساوق والواقع الذي يفرض ذاته عليها،ولكن هذا الواقع كان يقدم أروع النماذج وأشدها قوة من جهة أشكال التضحيات وأساليب النضال.
ولا يمكن للشاعر سوى أن ينخرط في ما يجري في الشارع حتى أذنيه،وكان ذلك يجعل من قصيدته خادمة لأهدافه السياسية أو التنظيمية.
بكلمات أخرى؛كان الواقع المعيش يجعل من القصيدة غنيّة بالموسيقى،واضحة المعنى،تصلح للضجيج،مناسبة للجموع،تحكي عن ناسها وعن مكانها،والشاعر يشبههم ولا يزيد عنهم ولا ينقص،صوته هو صوتهم ومشاعره هي مشاعرهم،لا ذاتية زمن الحروب،ولا فردانية لحظة المواجهة،هناك النفَس الجماعي والروح الجماعية،الحامية والحافظة،الأقوى والأكثر صموداً وبقاء واستمراراً.
ويمكن القول إن الواقع كان يقدم نماذج مذهلة في عبقريتها وتعبيرها عن روح الجماعة،الأمر الذي جعل من القصيدة،بشكل عام،لأن تظل أقل بهاءً وحضوراً من النموذج،بمعنى آخر؛ليس هناك معادل موضوعي للحياة أبداً،الفن صورة مختصرة فيها حذف كثير وفيها اقتصاد كثير وفيها تعمّد كثير،وفيما نقدم الحياة نفسها مرة واحدة بكامل التفاصيل مشعلة جميع الأحاسيس،فإن الفن يكتفي من كل ذلك البهاء بإطار واحد يحاول تجميع الصورة الأولى.
وبعد أوسلو العام (1993)،وما جرى من زعزعة المفاهيم وموت بعض القديم وميلاد جديد آخر،وتغير المزاج واللغة والمصطلح والمرجعيات،وما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغيرات بنيوية،فإن القصيدة الفلسطينية في الداخل(الضفة والقطاع) – حيث طعمت بأصوات وتجارب جديدة عليها – واجهت قضايا ومسائل أخرى مختلفة،كان عليها أولاً أن تتوازن؛بمعنى البحث عن لغة جديدة وآفاق جديدة ومرافئ للعودة إليها،وكان عليها أن ترد بشكل أو بآخر على تحديات من نوع ثقافي لم تتعوّد عليه،كالعلاقة مع الآخر(النقيض)،والعلاقة مع السلطة، وكان عليها،أيضاً،أن تقارن نفسها بالتجارب العالمية التي ذهبت بعيداً بالتجربة الشعرية..يضاف إلى ذلك ما شهدته الأرض المحتلة من انتفاضات،وحروب جائرة على غزة،وتصاعد مسعور في العنف والحرائق والمجازر والاستلاب والاستيطان الاحتلالي على كل الأرض وأهلها الأصليين.
ما نريد أن نصل إليه من هذا العرض،هو أن المقاربة النقدية بما تتضمن من عمليات تحليل وتفكيك وتقييم للشعر الفلسطيني وخاصة شعر قطاع غزة،إن جازت التسمية،يجب أن تكون نابعة من البيئة التي صدر منها هذا الإبداع الشعري،بمعنى أن النقد يجب أن يستخدم ذات المصطلحات وذات المزاج وذات القضايا التي تناولها النص المقارَبْ.
بين النقد والإبداع وشائج بنيوية،عضوية،روحية عميقة،فلا يمكن استيراد نظرية نقدية عشوائياً لفهم أو مقاربة نتاج له خصوصيته الشديدة،النظرية النقدية ليست مفتاحاً لكل الأبواب،وليست مركبة تسير في كل طريق.
النقد مكمل ومضيء للنص الإبداعي،وليس معارضاً أو متعالياً أو متعالماً عليه، الذائقة يصنعها النص ولا يضعها النقد،والسقف الجمالي يرفعه النص ولا يرفعه النقد.
إن القصيدة الفلسطينية في الداخل،التي حاولت ما حاولت،وعالجت ما عالجت، وتوصلت إلى ما توصلت إليه – بغض النظر عن جماليته أو عدمه – هي الحالة التي يجب دراستها،والتعامل معها، والمقاربة لها.
وعليه؛فإن المقاربة النقدية لمثل هذا الأدب الخاص،المحكوم بالزمان والمكان والظرف التاريخي والحضاري يجب أن تنبع من داخله،ومن شروطه،ومن نسقه العام.
وعند الحديث عن هذا الشِعر،أؤكد على مقولة إن العمل الفني حياة،وإن الحياة عبارة عن عمل فنيّ،وإن الخيال وحده قد يقدّم بعض الإيماءات لما قد يكون.
وعلى الواقع أن يكون أكثر وضوحاً ليكون مستقبلنا أكثر عافية.
ولم أجد الكثير من الصنعة أو القصدية في الكتابة أو التفلسف أو الانغلاق أو الثرثرة المجانية هنا..لكني وجدت واحة من الصور الرائعة التي خلَّقها الشعراء في قصائدهم،وهذا يعمّق قناعتي بأن الفن الخيالي جيد،فقط عندما تكون الفكرة جيدة.
وبالطبع،فإن غزّة المحاصَرة العملاقة،الصامدة الصابرة،التي تُباد عن بكرة أبيها وتقاوم،تتراءى خلف جبال الدخان والرّكام،مثل غلالة عملاقة،لكنها مدمّاة وترعف بنزيفها،خلف السطور،وربما تشمّ رائحة الشوارع المُرهقة المحترقة وأهلها النازحين،المحشورين داخل حَلبة مُحاطة بالرصاص الطائش والقصف المجنون والجوع والأمراض..ومع هذا فإن قوّة الحياة في البلد ومواطنيه المُحاصَرين تتفجّر في النصّ،ببساطة وإصرار حاسم!وتكاد تلمس بيديك كل تفاصيل الحياة المتشابكة،بأحزانها وفجائعها وقطرانها وسخطها وأملها العنيد،وتلفحك سخونة الأشياء في كل مكوّنات لوحة الحياة،التي أكملها زملائي الشعراء بقصائدهم التي هي بمقدار خصوصيتها فإنها تنفتح بل تنغمس في الشأن العام حتى جدائلها المبذولة للنار، والنهار الذي لا تغرب شموسه.
وأرى أنّ هذا النتاج ينشغل،أيضاً،بالتأمّل الذي لم يقصد مبالغ الصوفية والعرفانية،على رغم انشغال الشاعر بالنجاة من القذائف والفناء،والبحث المضني عن الخلاص،ومع هذا،مال إلى الرؤية الصافية التي أوصلته إلى الحِكمة أو إلى المفارَقة،على رغم أسداف عجاج الموت والقصف والأحزان،ما عمّق المعنى وأخذه إلى تكثيف حارق،أو إلى تداعيات وفضاءات سوريالية غير معقولة،وتنفتح على آفاق مذهلة وخلاصات صادمة.
أما مفردات الشاعر فهي مستقاة من المحرقة والجثث والخذلان،كما كانت تضجّ باللجوء والقتل والجسارة أيضاً!وفاضت بأسماء العديد من الشهداء،الذين ظلّ صوتهم في البحر،وكذلك صرخات الضحايا ونداءات الحرية والعائدين إلى الحلم، عاجلاً أم آجلاً.
إنّ صديقي شاعر غزة،بكل أسمائه المبدعة،المرابط الصامد الذي يجترح نصّ البقاء في وجه الشطب والإلغاء،الفائض بالُلهب والتحدي،والبسيط مثل كلام الأمهات المُعجز..هو ذاته الجرئ مثل موسيقى غامرة لاهبة.
وبظنّي فإن المهم في أي نصٍّ هو:ليس (من أين يأخذ) لأن الأهم برأيي هو (إلى أين يأخذ)،وأعتقد أن الشاعر الغزّيّ،هنا والآن،يشملنا بعباءته التي تمسّكت بإنسانيتها ،رغم ما أصابها من شظايا وركام وسغب،وأكد لنا أن هدفه الأعلى هو الانتصار للانسان والحياة،وأنه يتغيّا الجَمال والصدق..وقوّة الحقيقة.

