هل استطاع الخطاب الفلسطيني،منذ النكسة حتى الآن،أن يكون بمستوى ما يجري في القدس ،وأعني الخطاب الصحفي الإعلامي؟
إن المتبصّر بما آلت إليه الأحوال في القدس يتبيّن مدى التقصير الذي ألَمّ بخطاباتنا،ويكشف حالة الجَزْر والتراجع التي تعصف بنا،وبأننا ما فتئنا عاجزين ومقصّرين – رسميّاً وعربياً وإسلامياً – تجاه رمز قضيتنا وعاصمتنا الأبدية.وإذا ما ظهر تقصير ما،قبل اتفاقيات أوسلو،في خطابنا الصحفي في الأرض المحتلة العام 1967،فهل استطاع الخطاب الصحفي في إعلام وصحافة الثورة الفلسطينية أيام المقاومة في بيروت وتونس وقبرص،من الاحتفاء بالقدس وإظهارها بالصورة التي تليق بها؟وهل استطاعت الصحافة والإعلام الفلسطيني،بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع 1994،من إبراز القدس والعلوّ بها وجعلها أولويّة لافتة؟
أكاد،بعد التنقيب والمتابعة،أن أقول،للأسف الشديد:ليس تماماً!لقد بقي التعامل مع القدس والتعاطي مع ما يخصّها؛موسميّاً وفي المناسبات،وبطريقة ردّ الفعل،ما يظهر غياب المنهاج والرؤية وتوفير ما يلزم لاستراتيجية وازنة واعية متكاملة بوصلتها القدس.ونلاحظ أن صحافة ما قبل أوسلو هي صحافة ناقلة وليست مؤصّلة أو رائية أو مُستشرفة،ولم تفطن كثيراً لما يعدّه الاحتلال للمدينة المقدّسة،إنها صحافة السطح وليس العمق.لم تنتقد هوامش الخطأ فينا،بقدر ما تُطري وتُمجّد وتثني على المسؤول أو الفصيل.كما أنها صاحبة خطاب مشغول باللحظة المتفجّرة الدامية والضرورة.وهي صحافة لا تستند إلى البحث والدراسة،وقد استمرأت قاموس السياسيّ والوطنيّ.عداك عن أنها صحافة الموضوعات السريعة وغير المتواصلة أو المتّصلة. وهي صحافة “علاقات عامة” أكثر منها صحافة مهنيّة،وتبرّر أحيانا وتنافح بنَفَس فصائليّ في بعض الأحايين.وهي صحافة أقرب للكتابة الميدانية التثويرية التي تتغيّا الشحذ بسياق مباشر وخطابيّ..لكنها صحافة وطنية بامتياز ومنحازة للثورة والشعب والمقاومة.كما أنها متعددة المصطلحات المتضاربة،وتذهب أحياناً نحو الترميز،وتمجّد الصورة المُفترَضة عن الفلسطيني،بل إن خطابها يعجّ بالفَلَسْطَنة،ويطغى فيه السياسيُّ على الثقافي أو الفكريّ.
أما الصحافة الفلسطينية ما بعد أوسلو،أي بعد ما تكشّفت المخططات الاحتلالية وظهرت نوازع الشرّ الإسرائيلية التي تستهدف القدس بكثافة،فقد صارت،الصحافة،أكثر انتباهة لما يمور في المدينة المقدسة،وراحت تتصدّى لإجراءات الاحتلال وتعرية مخططاته،وذهبت لجوانب لم تكن مطروقة من قبل،مثل الجانب القانوني والاستشراق وجدار الفصل العنصري وعلاقة اسرائيل بالمدينة عبرالخطاب التوراتي،وتعمّقت الصحافة بعد أوسلو في التبصّر بما يجري من عمليات تستهدف عروبة المدينة وقدسيّتها،وتغريبها عن هويّتها،والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمعمارية والتعليمية والدينية والفكرية..إضافة إلى رصد التحوّلات في المدينة ودراسة مكوّناتها،وراحت تنبش في الكتب التي تناولت القدس والرحلات التي قصدتها،وأبرزت الوثائق ،وأجرت المقابلات مع المختصّين والخبراء،وتناولت المواقف الإقليمية السياسية تجاه المدينة،وحذّرت من المخططات الهيكلية،وأضاءت المناهج التي تناولت القدس..كل ذلك؛بكيفية أكثر مهنيّة وحرفيّة ودراية وإحاطة،ومشفوعة بالاحصائيات والاثباتات،وبدأت تربط بين الظواهر والأسباب والعوامل،وتلاحق ارتداداتها وتداعياتها،وأضحت أقرب إلى الجانب الأكاديمي..بمعنى أنها صحافة شمّرت عن ساعديها بعمق،لتواجه كل ما يسعى إليه الاحتلال للنيل من المدينة،وباتت أكثر موضوعية وصراحة وخبرة ومباشَرة،لكنّ جزءاً منها لم يصل إلى الكيفيّة المطلوبة من حيث التكامل والزخم والتواصل. وسنأخذ ثلاثة نماذج ،هي مجلة العودة(القدس1982-1993)،ومجلة فلسطين الثورة التي صدرت في المنفى(1972-1993)،ومجلة المقدسية التي تصدر في القدس منذ ست سنوات.
ولدى تصفّحنا لأعداد معظم مطبوعات صحافتنا وأدبيّاتنا التي واكبناها وعايشناها،قبل أوسلو،في الضفة والقطاع،لاحظنا التعدّدية في الموضوعات،وهي تعددية ظهرت في الصحافة الفلسطينية وفي الخطاب الثقافي، بشكل عام وواضح،وهي تعددية في المرجعيات وتعددية في المصطلح،وكانت انعكاساً لما يجري في العالم من ثنائيات متضادة وأقطاب متصارعة،وكان أن انقسم العالم العربي بين كلّ هذه الثنائيات،ولكن ما كان يجري بين النخب السياسية والثقافية العربية كان لا يعني أحداً،بل بقي ثرثرة على السطح،أنتج انقسامات ودماء كثيرة من أجل قضايا الأقطاب الأقوى.ولهذا فإن كل الثرثرة التي قيلت يوماً ما نسيت تماماً وبقيت الدماء والحدود. وعلى الساحة الفلسطينية،رأينا تلك التعددية حيث اليسار ينقسم بشكل أميبي واليمين يتراقص على الحِبال المختلفة بسرعة الضوء،ولكن ذلك أنتج خطاباً ثقافياً وصحفياً متعدد الاتجاهات والميول،نادى بعضها بالثورة الأبدية فيما نادى بعضها الآخر بالتطبيع أو بأسوأ منه.
ولاحظنا أن الترميز قد طبع المنتج الثقافي والصحفي الفلسطيني،فكان نتاجاً مرمّزاً وإشارياً ومختزلاً،يكتفي بالتلميح عن التصريح،ولهذا تميّز هذا الخطاب بالشِعارية،واكتفى بالعام عن الخاص،ولم يدخل هذا الخطاب بالتفاصيل والخطّة اليومية ومواجهة الحياة المعيشة،ولهذا كان هناك انفصام بين الحياة السياسية للفلسطيني،والحياة اليومية،واستطاع الاحتلال وغير الاحتلال أن يتحكّم باليومي من حياة الفلسطيني بحيث يغير أو يحوّر من خياراته واختياراته.ومع الضغط اليومي واستمراره وتواصله وقوته فإن الشعارات تهاوت الواحد تلو الآخر حتّى تم التصريح بنبذها على الملأ.
ورأينا تمجيداً للصورة المُفتَرَضة عن الفلسطيني،أي أن المنتج الفلسطيني وقع في افتراضه،ولم يتحدّث عمّا يراه ويلمسه،وهكذا،صارت هناك فجوة كبيرة بين الصورة والمثال،هناك مبررات لذلك، فرضها الواقع وظروف المواجهة،ولكن الصورة المفترضة عن الفلسطيني أبعدته عن شروطه الإنسانية بحيث صار فوق الزمان والمكان،واكتسب قدرات خارقة ولغة سماوية،ولكن ذلك كلّه انكسر،أيضاً،أمام المعطيات الجديدة،فالفلسطيني إنسان مثله مثل غيره،ينتصر وينهزم، ينكسر ويقوم.
كما وقع الخطاب الفلسطيني في ما يمكن تسميته بخطاب الفَلسْطَنة ذي الرائحة القطرية الضيّقة،بحيث كان بعض هذا الخطاب يحاول قطع الأواصر والعلائق مع البعد العروبي والعقدي،وقد يبرر أصحاب هذا التيّار أنفسهم بالكلام عن التخلّف والتردّي العربيين،ولكن هذا الكلام لا يثبت أمام الحقائق الموضوعية،فلا يمكن لخطاب قُطري أن ينجح أو يسود أو ينتصر،بالمعنى الشامل للنصر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثيرين أكّدوا على الذات الفلسطينية،لأنها مهددة بالإلغاء، ولم يكن تأكيدهم إيماناً بالقُطرية الكريهة.
إضافة إلى أن جهوية الخطاب الفلسطيني فرضت عليه تمايزاً واختلافاً واضحاً،فهناك خطاب صادر عن المناطق التي احتلّت العام 48،والمناطق التي احتلّت العام 67،والمنافي العربية المختلفة والمنافي العالمية الأبعد،ما خلق خطاباً فلسطينياً مناطقياً له أولويات مختلفة واستراتيجيات متباينة،الأمر الذي جعل من هذا الخطاب لا يُفهم إلاّ من خلال مكانه،بحيث صار يقرأ ويسمع مع الشرح والتحليل،وكأنّه خطاب مبرّر سلفاً،أو كأنّه خطاب يحتاج إلى تبرير ليفهم أو يستوعب.
وتميّز الخطاب الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1967بأنه خطاب الضرورة بمعنى أنه نشأ في ظرف استثنائي،تحت احتلال استثنائي،ما جعل هذا الخطاب منبريّاً ينضح بالتحدّي والغضب غير مبالٍ بالأناقة اللفظية أو الشكلية قدر اهتمامه بمضمونه وأثره على الجمهور،وبسبب من الرقابة العسكرية والملاحقة كان على هذا الخطاب أن يتواطأ مع جمهوره على رموزه ومرجعياته الذوقية والجَمالية والسياسية والثقافية،ولهذا فإن معظم هذا النتاج قد لا يفهم خارج مكانه،بسبب محلّيته المغرقة،وبسبب رمزيته التي يتعامل بها الجمهور.
ولاحظنا طغيان السياسيّ على الثقافي،والجَمْعي على الفردي،ذلك أن الخطاب الفلسطيني الذي حدّد مهامه في مقاومة الاحتلال وتحدّيه،اضطر إلى ترتيب أولوياته بحيث غابت الاجتهادات الشخصية وتأمّلات الذات والبحوث النظرية والمغامرات الجمالية.
ويجب القول هنا إن الخطاب الفلسطيني،وخاصة في الأراضي المحتلة67،كان بجهود فردية ومبادرات شخصية،تم استيعابها فيما بعد من قبل منظمة التحرير الفلسطينية،الأمر الذي أدّى إلى ظهور العديد من المنابر الصحفية والأدبية والفكرية والسياسية التي أسهمت في بلورة خطاب حاولنا رصد مميزاته.
أما بعد اتفاق أوسلو،الذي كان بمثابة زلزال حقيقي على المستوى السياسي والثقافي وحتى النفسي،فقد كان ذروة زلازل أخرى سبقته؛تمثلت في انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج، وأدّت إلى انكسار المُتَحَكِّم في الخطاب العام والخاص.
بعد هذه الزلازل،وبعد هذه الانهيارات الكبيرة،لم يعد بالإمكان التغطية على العيوب التي يعاني منها،ليس النظام العربي الرسمي فقط،وإنما تلك البنى العقلية السائدة التي انتهت إلى ما انتهت إليه.
خطاب مجلة العودة تجاه القدس:
1 -لم يستند إلى إطارٍ جامع موحّد ينهض على رؤية أو استراتيجية،لانتفاء ذلك،ولتعدد الخطابات الفلسطينية رغم أن ثمة متحكّماً واحداً جمع كل الخطابات الفلسطينية وهو المتحكّم الوطني،وليس الفكري أو الاجتماعي أو التاريخي.
2- هو خطاب أقرب إلى الإرتجال،أو أنه خطاب ينتمي إلى الضرورة أو الخطاب الميداني الصارخ المباشر،الذي يخاطب الذات،أكثر مما يخاطب أو يستهدف غير الفلسطينيين،تماماً كَمنْ يغنّي على درج بيته لنفسه.
3- خطاب مشغول باللحظة التي تتفجّر،أكثر منه خطاباً له رؤية وقدرة على المتابعة،وهدف يسعى للوصول إليه.أي ليس لديه رؤية أو هدف سياسي نهائي،بقدر ما هو مشغول بشحذ الهمم وشحن الوجدان وترديد المواقف المعلّبة.
4- خطاب صحفي لا يستند على دراسات وأبحاث،ولا تقف خلفه مطابخ لها أهداف تدفعه إليها. خطاب يعتمد على حمولة الكاتب المعرفية والثقافية،والتي غالباً ما تكون ساذجة أو انتقائية أو ثقافة شفوية.
5- خطاب يسوّق الفصيل والعقيدة والموقف الخاص بصاحب الخطاب،بمعني أن معظم ما كُتب يسعى إلى تسويق الذات الفصائلية في مواجهة فصيل وطنيّ آخر،وهذا لا يعني افتقاده إلى مواجهة الاحتلال،وبشكل جليّ.
6 -خطاب صحفي استمرأ قاموس الخطاب السياسي والوطني،دون أن يعجم مفرداته ومصطلحاته،بل تماهى مع المقولات الوطنية الجاهزة.
7 -ركزّ هذا الخطاب الصحفي أكثر ما ركّز،في موضوعة القدس،على المقدّسات،وخاصة الإسلامية وعلى رأسها المسجد والأقصى المبارك،لكثرة ما استهدفه الاحتلال والمستوطنون المتطرّفون،ولحساسية البُعد العقدي لدى الشعب الفلسطيني تجاه مقدساتهم وقِبلتهم الأولى.
8 -وهو خطاب انشغل بالموضوع المُثار،حين الكتابة،أي أنه يصبّ كل اهتمامه على الحدث الساخن الذي يصّاعد ويبرز،وكأنه يغفل عن باقي الأحداث المتواصلة في سعيها للنيل من القدس ككل..
9- إنه خطاب صحفي سيطرت عليه الأحداث الوطنية والمناسبات وإجراءات الاحتلال والسؤال السياسي.بلغة أخرى هو خطاب لم ينتبه إلى أهمية إبراز الثقافة والفكر والتربية والاقتصاد، والآثار والمواقع التاريخية ومساندتها بروايات فلسطينية تاريخية ناصعة،أي أنه خطاب ذو بُعد واحد.
10- كما كانت “العودة”سبّاقة في البحث،في الصحافة الإسرائيلية،والتنقيب وإظهار مواقفها المتطرّفة،ونظرتها للقدس وشهوتها في هضمها وضمّها وتهويدها،مثلما تابع المكتب الفلسطيني مراكز الأبحاث العبرية والإعلام الصهيوني،وقامت العودة بكشف ذلك وتقديمه للقارئ الفلسطيني.وربما يكون هذا الجانب هو الأكثر إضاءة فيما نشرته العودة.
11-وهو خطاب صحفي تنبّه مبكّراً-إلى حدّ ما- لتلك الإجراءات الاحتلالية التي تسعى إلى تقويض المسجد الأقصى،والسيطرة عليه،من خلال الحفريات من تحته،ومحاولات حرقه،كما حدث في العام 1968،واقتحام المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال لساحات الحرم الشريف.
12- واتسعت دائرة الخطاب في مجلة العودة لتسليط عين الكاميرا والضوء على العديد من الظواهر التي تميّز القدس،وتطبعها بخصوصية بالغة الثراء والتنوّع؛منها أشكال عرض البضائع من قِبل البائعات الريفيات اللواتي يفترشن أرصفة الطرائق،والنشاطات الرياضية، والمهرجانات الفنية والأدبية،والعروض المسرحية،جنباً إلى جنب الإرهاصات المبكّرة للجان العمل الوطني والطوعي الذي سارعت لإنجازه الشبيبة الفلسطينية في المدينة.
13- ولم تغفل المجلة عن استقدام ونشر العديد من النصوص الإبداعية من شِعر وقصة، واستعراض الأخبار الثقافية..على تواضعها!
14- واللافت أن مجلة العودة رصدت مبكّراً محاولات الصهاينة السيطرة على البيوت المقدسية،وطرد أصحابها الشرعيين منها،وأضاءت الكثير من وسائل التزوير التي تقوم بها جهات مشبوهة لاستلاب المنازل والبيوت والأحياء،وحذّرت منها.
15- وأنجزت المجلة العديد من التحقيقات والريبورتاجات التي تصوّر واقع المدينة التراثي والفلكلوري والعمراني،وتوقّفت أمام الموزاييك الذي يشكّل وحدة واحدة متماهية من مواطني المدينة على اختلافهم الطائفي والإثني،ما يجعلها نموذجاً للمدينة بمعناها الكوزموبولتي والمنسجم منذ فجر تاريخ الفتح العمري الحضاري.
16- ولم نجد مقالاً افتتاحياً للمجلة إلاّ وقد تناول القدس،من حيث التهديدات التي تحدق بها،أو ما يبدّله الاحتلال من ملامحها،أو ما يمور فيها من نشاطات وحراك يعكس حيوية المدينة ومركزيتها.
17- ويبدو أن مقولة الصوفيّين” شدّة القُرْب حِجاب” ينطبق على مجلة العودة التي كانت في قلب شارع صلاح الدين،أي في سويداء المدينة المقدّسة،إذ أن المجلة فَرَدَتْ للقدس مساحات معقولة،لكنها،برأينا، لم تكن كافية.
مجلة فلسطين الثورة والقدس:
لقد احتلت أخبار القدس مساحة واسعة،نسبياً،في فلسطين الثورة،بمعنى أن المجلة نقلت حرفيّا ما جرى من أحداث وقعت في القدس،وكان معظمها عن العمليات الفدائية وأشكال المقاومة ضد قوات الاحتلال!أي أن فلسطين الثورة تعاطت كردّة فعل مع الفعل الواقع في المدينة المقدّسة، ولم نجد كثيراً أن المجلة تناولت موضوعاً (ريبورتاج، تحقيق،دراسةعن ظاهرة،بحث في أحد مكوّنات المدينة،تحليل عميق لما يجري..) يتعلّق بالقدس،ما يعني أن صحافتنا تعاملت مع “الموجود” ولم تحاول أن “تبحث” عن موضوع يثير قضية ما تخصّ أو تتعلّق بالقدس.. والقضايا كثيرة جداً!وهذا جعل فلسطين الثورة ناقلاً وليس مؤصّلاً أو مؤسّساً أو رائياً أو مستشرفاً!مثلها مثل معظم صفحات مطبوعاتنا حتى نهاية القرن الماضي.
وهذا يشير إلى أن أحداً من الصحافة قبل أوسلو لم يكن منتبها – تماماً- إلى ما يخطّطه الاحتلال ويعدّه لهضم القدس والعمل على أَسْرَلَتها،وكانت الصحافة،إلى حدّ كبير،تعتقد بأن القدس مثلها مثل أي مدينة فلسطينية محتلّة،ولا تتمتّع بأي خصوصية تدفع الصحافة لأن تدرك مسبقا أن ثمة مؤامرة عميقة وجارفة وجامحة تستهدف المدينة.
بلغة أخرى كانت الصحافة تتمتع بوعيٍ كوميدي وليس وعيْاً دراميّاً!وتفسير ذلك أن الوعي الكوميدي يرى الكارثة بعد وقوعها،أما الدراميّ فيراها قبل أن تقع،ويحذّر منها ويعدّ العدّة لاستيعابها.
إنه إعلام البصر وليس البصيرة،وإعلام الشحذ والتثوير الميداني وليس إعلام الإعداد والتمكين ،وإعلام السطح وليس العمق،وإعلام التسخين وليس المرجل الذي يذهب بالشوائب ويقدّم الفولاذ الصلب.
وحتى لا نقسو أكثر نقول إنه إعلام واكب وتغنّى وربما بشّر بالنصر،لكنه لم يدرك المنزلقات والمهاوي التي ستلاقيه..قبل أن يقفز أو يصل إلى لحظة الخلاص.
كما ركزت الصحف والمجلات الفلسطينية التي صدرت في الشتات على موضوعين:الكيان الفلسطيني،والشخصية الوطنية الفلسطينية،وكانت اللغة الثورية هي المستعملة في الخطاب الإعلامي الفلسطيني،على حدّ قول الباحث عماد موسى.كما أنها كانت تثقيفية وتوعوية وقدمت للقارئ تجارب ثورية عالمية،كالثورة الكوبية والسوفييتية.وتميزت بالنمو السريع وبالتعددية مما أبرز وجهات نظر منظمات الثورة الفلسطينية السياسية والعقائدية.
أما مجلة “المقدسية” فقد تفرّغت تماماً وتصدّت لكل ما يحيط ويدبّ ويخصّ القدس الشريف،وهذا ما يُحسب لها!لكنّها تظلّ مجلة للنخبة العارفة والدارسة وذات الاختصاص،وهذا مطلوب وضروري،وربما نحتاج،معه،إلى صيغة تُبسّط المقولات المركّبة والصعبة لتقديمها إلى الجمهور العام،لينفعل بها وتدفعه إلى التفاعل..
إن موضوعات “المقدسية”التي تصدر عن جامعة القدس،هي الوثائق الدامغة التي تؤكد على الحقائق،وتحفظ حقّنا وتنافح عنه،بموضوعية وعلميّة ووعي وانتماء.
ويُحسب للمجلة أيضا حسّها الحداثيّ،أي أنها تتناول المسائل الساخنة والطارئة والمُثارة والخطيرة الحالية،بجسارة ومعرفة ودراية،وتعمل على إضاءتها أو تفكيكها أو تأكيدها أو نفيها.
إن هذه المجلة تبرز أهمية دور جامعاتنا في إنهاض مجتمعاتها،وضرورة انخراطها فيما يشغل الناس وتسعى لأن تنقل “الشارع” إلى قاعة المحاضرات ليتعرّف الدارسون على أحوال وقضايا مجتمعهم ويظلّوا على تماس مباشر مع الواقع حتى لا يغترب الطلبة أو تصيبهم لوثة الغربنة المشبوهة.
كما أن “المقدسية” ومثيلاتها من المطبوعات والفعّاليات التي تقوم بها جامعاتنا الوطنية،إنما تعزّز قوّة المجتمع المعرفية والثقافية والفكرية،من خلال ما يصبّه العلماء والمحاضرون والأساتذة من عِلمٍ ومعرفة وآراء في الوعي العام،عبر اشتباكهم الحميد..ومن خلال محاضراتهم ومقالاتهم وأبحاثهم المصقولة.
مقارنة جارحة:
وفي الوقت نفسه،فإن إسرائيل التي تحاصر الصحافة الفلسطينية وتقتلها،تقوم بنشاط صحفي وإعلامي لتعزّز مقولاتها وادّعاءاتها وتغزو العالَم بوجهة نظرها المُلفّقة.وإذا ما حاولنا أن نعقد مقارنةً بين ما قمنا به إعلامياً وبين ما قامت به دولة الاحتلال،حول القدس على وجه الخصوص ،فإن أداءنا الصحفي الإعلامي،حتى العام 1993 – اتفاقيات أوسلو، كان متواضعاً إلى حدّ جارح،لغير سبب،أهمها؛عدم توفّر الإمكانيات المالية والكوادر الصحفية المختصّة،والحصار والملاحقة الاحتلالية،وضخامة وقوة وحداثة الآلة الإعلامية الإحتلالية،إذ شكلت وزارة الخارجية الإسرائيلية،وحدها،العام 1970 إضافة إلى عشرات المنابر والمطبوعات والمناهج والمنشورات والمساقات والفعاليات الاسرائيلية،هيئةً استشارية من الشخصيات العامة والمثقفين المختصين في وسائل الإعلام لمساعدة الدائرة الاعلامية للوزارة ورسم الخطط الإعلامية، وذات مرة قال بن غوريون:”إن مهمة وزارة الخارجية الإسرائيلية هي أن تبرر وتفسر للعالم المغزى الكامن وراء عمليات الجيش الإسرائيلي.ومن أهم ما قامت وتقوم به:
الاتفاق مع كبريات الصحف العالمية على إصدار ملاحق خاصة بالقدس باعتبارها عاصمتهم ومدينتهم الموعودة التي عادوا إليها!
وإصدار نشرات إعلامية بلغات متعددة حول الأحداث المتعلقة بالمدينة وموقف إسرائيل منها
تنظيم جولات وزيارات ميدانية في المدينة بشقّيها والتجمعات السكنية المحيطة بها،ومرافقة الوفود الأجنبية إلى أماكن متعددة في المدينة وتقديم شرح يهودي حول تاريخ الأماكن والمعالم التاريخية والدينية.
– وإقامة علاقات وثيقة مع التلفزة الأجنبية،والاتفاق معها على تزويدها بالأفلام الوثائقية الخاصة بالقدس من وجهة نظر إسرائيل.وإرسال المفكرين والإعلاميين،واستقدام مفكرين وإعلاميين إلى القدس،لإلقاء محاضرات وندوات تخدم أهداف إسرائيل في القدس.
وتعد وزارة الخارجية جهازًا إعلاميًا متكامل النشاطات،ويمكن القول إنها تمثل العمود الفقري للإعلام الإسرائيلي الرسمي الخارجي.
أما بعد السابع من أكتوبر،بطوفانه وعدوانه،فإن القدس قد اتخذت خطّا مركزيا في الاعلام الاسرائيلي،أكثر اتساعا وتمويلا وتعميما.

