للاتجاه نحو نهضة صناعية تحقق الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية

للاتجاه نحو نهضة صناعية تحقق الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية
يتطلب تحقيق النهضة الصناعية في العراق استراتيجية وطنية حتى عام 2035، ترتكز على إحياء المصانع المتوقفة، والشراكة مع القطاع الخاص، وتوطين التكنولوجيا، وحماية الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات غير النفطية، بما يرسخ السيادة الاقتصادية ويوفر فرص العمل...

إن الحديث عن مستقبل الاقتصاد العراقي لا يمكن أن يكتمل دون الحديث عن الصناعة الوطنية لأن الصناعة ليست مجرد مصانع وخطوط إنتاج بل هي قضية أمن اقتصادي وسيادة وطنية واستقرار اجتماعي.
إن العراق يمتلك الموارد الطبيعية والبشرية والمالية التي تؤهله لأن يكون دولة صناعية مهمة في المنطقة لكنه للأسف تحول خلال العقود الماضية إلى سوق واسعة لاستيراد المنتجات من الخارج في الوقت الذي تراجعت فيه قدرته الإنتاجية وتعطلت أعداد كبيرة من منشآته الصناعية.
وحين نتحدث عن المصانع المتوقفة فإننا لا نتحدث عن جدران وآلات فقط بل نتحدث عن آلاف العائلات التي فقدت مصادر دخلها وعن مهندسين وفنيين وعمال لم تعد خبراتهم مستثمرة وعن أموال وطنية معطلة كان من الممكن أن تتحول إلى إنتاج وثروة وفرص عمل.
لماذا يستورد العراق ما يستطيع إنتاج ولماذا تبقى المصانع معطلة بينما تستنزف الاستيرادات العملة الأجنبية وتزداد الحاجة إلى فرص العمل إننا لا ندعو إلى إغلاق الأسواق أمام العالم ولا إلى حماية صناعات غير كفوءة بل ندعو إلى بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة من خلال توفير بيئة إنتاج عادلة ودعم المستثمر الجاد وتحديث المصانع وحماية المستهلك والمنتج معاً.
واعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من سياسة إدارة الاقتصاد الريعي إلى سياسة بناء الاقتصاد الإنتاجي.
وهذا يتطلب مشروعاً وطنياً واضحاً لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة وإقامة شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص والشركات الأجنبية وتطوير الصناعات الحديدية والبتروكيمياوية والدوائية والغذائية والهندسية وربط الصناعة بالزراعة والتعليم والتكنولوجيا.
كما يجب أن نعيد الاعتبار للعامل العراقي والمهندس العراقي والمنتج العراقي وأن نجعل شعار صنع في العراق مشروعاً اقتصادياً حقيقياً وليس مجرد شعار إعلامي فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات والندوات حول أهمية الصناعة بقدر ما يحتاج إلى قرارات ومشاريع ومصانع تعمل فعلياً.

إننا نريد عراقاً لا يكتفي ببيع النفط لشراء المنتجات بل يستخدم عائدات النفط لبناء المصانع وتطوير التكنولوجيا وإنتاج السلع وتصديرها لان الصناعة هي قوة الاقتصاد العراقي ولا يقاس الاقتصاد بحجم ما يمتلكه من النفط وإنما بما ينتجه من سلع وما يوفره من فرص عمل وما يمتلكه من قدرات صناعية وتكنولوجية يجب أن ننتقل من اقتصاد الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والتصدير ومن دولة تعتمد على إيرادات النفط إلى دولة تمتلك قاعدة اقتصادية متنوعة وقادرة على مواجهة الأزمات.

واقع الصناعة العراقية – ماذا خسر العراق؟
يمتلك العراق إرثاً صناعياً مهماً فقد شهدت الصناعة الوطنية مراحل متقدمة من التطور خصوصاً في قطاعات:
الصناعات الحديدية والصلب والبتروكيمياويات.
الصناعات الهندسية والميكانيكية.
الصناعات النسيجية والجلدية.
الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية.
الصناعات الغذائية والزيوت النباتية.
الصناعات الإنشائية والإسمنت والطابوق.
الصناعات الكهربائية والإلكترونية.
الصناعات الزراعية والتحويلية.
وكانت هذه الصناعات تشكل جزءاً مهماً من منظومة الإنتاج الوطني وتوفر فرص عمل للمهندسين والفنيين والعمال ودعمها للقطاعات الاقتصادية الأخرى لكن الصناعة العراقية تعرضت إلى تراجع كبير نتيجة الحروب والعقوبات الاقتصادية ثم الاضطرابات الأمنية وضعف الاستثمار وتوقف خطوط الإنتاج وارتفاع تكاليف الطاقة وفتح الأسواق أمام المستوردات وعدم استقرار السياسات الصناعية.
المشكلة الأساسية ليست أن العراق يفتقر إلى الإمكانات الصناعية فقط بل إنه يمتلك الكثير من الأصول الصناعية والموارد والكوادر لكنه لم يتمكن من تحويلها إلى طاقة إنتاجية
وحسب البيانات الرسمية والتصريحات فان عشرات الآلاف من المشاريع والمنشآت الصناعية المتوقفة في القطاع الخاص وعشرات المعامل المتوقفة ضمن القطاع العام والمختلط وهذه الأرقام تكشف حجم الفجوة الإنتاجية التي يعاني منها العراق فاعتقد أن إعادة بناء الصناعة يجب أن تكون مشروع وطني وعماد أساسي للمجتمع من خلالها يمكن امتصاص جزء كبير من البطالة و إمكانية زيادة الانتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد وبنفس الوقت تقليل الضغط على القطاع العام فقط من ناحية التوظيف واثبتت المعامل العراقية قدرتها على منافسة المنتوج المستورد لكن ارتفاع التكاليف الإنتاجية لأسباب عديدة وفتح باب الاستيراد على مصراعيه وصعوبة المنافسة في الاسعار فعلى الدولة حماية المنتج المحلي وخصوصا مواد الاستهلاك اليومي او المواد الأساسية ونريد للعراق أن يحقق الاكتفاء الذاتي من الصناعة وان تعمل جميع المنشآت الصناعية والمعامل بكامل طاقتها.

أهم أسباب انهيار وتراجع الصناعة العراقية؟
يمكن تقسيم الأسباب إلى ثمانية محاور:
١- عدم استقرار السياسة الصناعية: غياب استراتيجية ثابتة تتجاوز عمر الحكومات والوزارات.
٢- الاعتماد على الاستيراد: منافسة المنتجات المستوردة للمنتجات المحلية دون تكافؤ في تكاليف الإنتاج والدعم.
٣- أزمة الكهرباء والطاقة: عدم توفر الطاقة المستقرة بأسعار تنافسية للمصانع.
٤- ضعف التمويل المصرفي: صعوبة حصول الصناعيين على القروض طويلة الأجل لشراء المعدات وتحديث خطوط الإنتاج.
٥- التقادم التكنولوجي: وجود مصانع تحتاج إلى إعادة تأهيل جذري أو استبدال خطوطها القديمة.
٦- الفساد والبيروقراطية: تعقيد الحصول التراخيص والإجازات الاستثمارية وضعف الرقابة على المنافذ الحدودية.
٧- ضعف البحث والتطوير: محدودية العلاقة بين الجامعات ومراكز البحث والمصانع.
٨- ضعف التسويق والتصدير: عدم قدرة كثير من المصانع على الوصول إلى الأسواق الخارجية والمنافسة من حيث السعر والجودة.

اهم الصناعات التي ينبغي أن يبدأ العراق بإحيائها؟
المباشرة بأعداد دراسة الجدوى الاقتصادية لكل مصنع وتحديد ما يمكن تأهيله وما يحتاج إلى تطوير وما ينبغي استبداله بمشروع جديد.
1. الصناعات الحديدية والإنشائية
الحديد والصلب والأنابيب والهياكل المعدنية والإسمنت والزجاج والسيراميك ومواد البناء. وهي ضرورية للبنية التحتية والإعمار وتقليل الاستيراد.
2. الصناعات البتروكيمياوية
تحويل النفط والغاز إلى منتجات ذات قيمة مثل البلاستيك والأسمدة والمواد الكيميائية الصناعية بدلاً من الاقتصار على تصدير المواد الخام.
3. الصناعات الدوائية
إنتاج الأدوية الأساسية والمحاليل والمستلزمات الطبية والمطهرات مع الالتزام بمعايير الجودة والتصنيع الدوائي الجيد.
4. الصناعات الغذائية
إنتاج الزيوت والألبان والعصائر والمعلبات والتمور والطحين والأعلاف وربط التصنيع بالقطاع الزراعي.
5. الصناعات الكهربائية والهندسية
المحولات والكابلات والمضخات والمولدات والمعدات الزراعية وقطع الغيار والآلات الصناعية.
6. الصناعات النسيجية والجلدية
الأقمشة والملابس والأحذية والمنتجات الجلدية وتجهيز احتياجات المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

الرؤية المستقبلية للصناعة العراقية – كيف نبني نهضة صناعية حقيقية في عام 2035؟
خطة لعشر سنوات نحتاج أن نسير بسبعة مسارات استراتيجية:
1. إعادة تشغيل المصانع المتوقفة
إجراء مسح شامل لجميع المصانع في العراق وتصنيفها الى قاعدة بيانات وطنية توضح اسم المصنع وموقعه وطاقته الإنتاجية وعدد العاملين فيه وحالته وأسباب توقفه وكلفة إعادته إلى العمل وكما يلي :
– مصانع قابلة للتشغيل الفوري من خلال توفير المواد الأولية والطاقة ورأس المال العامل.
– مصانع تحتاج إلى تحديث خطوط الإنتاج وإدخال التكنولوجيا الحديثة.
– مصانع انتهى عمرها الإنتاجي ويجب استبدالها بمشاريع صناعية جديدة.

2. إطلاق شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص
يجب اعتماد نموذج الشراكة الاستراتيجية الذي يحافظ على ملكية الدولة للأصول المهمة ويستفيد من خبرة القطاع الخاص ورأس ماله وتقنياته.
وتتضمن الشراكة:
– منح المستثمر حق الإدارة والتشغيل وفق عقد واضح.
– التزام المستثمر بتحديث خطوط الإنتاج وضمان حقوق العاملين.
– ربط الحوافز بمستويات الإنتاج والتشغيل.
– تحديد مدة العقد والتزامات الطرفين.
– ضمان عدم تحويل الأراضي والمصانع إلى مشاريع عقارية أو تجارية بعيدة عن النشاط الصناعي كما حصل بتحويل بعضها الى مجمعات سكنية.
3. حماية المنتج الوطني
لا يمكن مطالبة المصنع العراقي بمنافسة منتجات أجنبية في ظل اختلاف تكاليف الطاقة والتمويل والضرائب.
لذلك نحتاج إلى:
– تعرفة كمركية مدروسة بحسب نوع السلعة ومدى توفر البديل المحلي.
– مكافحة التهريب والتلاعب بالمناشئ.
– منع دخول السلع الرديئة وغير المطابقة للمواصفات.
– إعطاء الأولوية للمنتج الوطني في المشتريات الحكومية عندما يستوفي شروط الجودة والسعر.
– توفير إعفاءات وحوافز ضريبية للمصانع المنتجة فعلياً.
4. إنشاء مناطق صناعية متكاملة
ينبغي إنشاء وتطوير مناطق صناعية في المحافظات تتوفر فيها الكهرباء والغاز والمياه والطرق والمخازن والخدمات المصرفية واللوجستية.
والأهم أن ترتبط هذه المناطق بالموارد الاقتصادية لكل محافظة.
مثلاً:
البصرة: البتروكيمياويات والأسمدة والصناعات البحرية.
نينوى: الصناعات الغذائية والنسيجية والإنشائية.
الأنبار: الإسمنت والفوسفات والصناعات التعدينية.
بابل: الصناعات الميكانيكية والجلدية والغذائية.
بغداد: الصناعات الهندسية والدوائية والكهربائية.
كربلاء والنجف: الصناعات الغذائية ومواد البناء والصناعات المرتبطة بالأسواق المحلية.

5. توطين التكنولوجيا والصناعات الحديثة
ينبغي الانتقال من المصانع التقليدية إلى الصناعة الذكية من خلال:
– الأتمتة والروبوتات.
– أنظمة إدارة المصانع رقمياً.
– الذكاء الاصطناعي في مراقبة الجودة.
– تقنيات ترشيد استهلاك الطاقة.
– تطوير مراكز البحث والتطوير.
– التعاون بين الجامعات والمصانع.
6. ربط التعليم بالصناعة
من غير المنطقي أن تتخرج الجامعات العراقية آلاف المهندسين والفنيين سنوياً بينما تعاني المصانع من نقص المهارات المتخصصة فالحل هو إنشاء برامج تدريب مهني داخل المصانع وتطوير التعليم التقني وربط مشاريع التخرج بالاحتياجات الفعلية للقطاع الصناعي.
7. التحول من السوق الاستهلاكية إلى السوق الإنتاجية والتصديرية
يجب ألا يكون هدف الصناعة العراقية تغطية السوق المحلي فقط بل بناء قدرة تصديرية نحو الأسواق العربية والإقليمية.
وهذا يتطلب:
– الحصول على شهادات الجودة العالمية.
– تطوير التغليف والتسويق.
– خفض كلفة الإنتاج.
– تسهيل الإجراءات الكمركية.
– فتح أسواق جديدة أمام المنتجات العراقية.
سابعاً: الخطط المستقبلية وبرنامج النهوض الصناعي
المرحلة الأولى: 2027
إعداد قاعدة بيانات شاملة للمصانع.
تقييم الأصول الصناعية المتوقفة.
اختيار المصانع ذات الجدوى الاقتصادية.
معالجة الاختناقات المالية والطاقة.
تفعيل عقود الشراكة القابلة للتنفيذ.
المرحلة الثانية: 2028–2030
إعادة تشغيل المصانع ذات الأولوية.
إنشاء خطوط إنتاج جديدة.
تطوير المناطق الصناعية.
رفع نسبة الانتاج المحلي.
زيادة فرص العمل والتدريب الفني.
المرحلة الثالثة: 2031–2035
بناء صناعات متقدمة وتنافسية.
توسيع الصادرات غير النفطية.
توطين التكنولوجيا.
دخول الأسواق الإقليمية.
رفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.

الواجبات على الحكومة والبرلمان والمؤسسات الاقتصادية؟
– إصدار استراتيجية وطنية ملزمة للتنمية الصناعية حتى عام 2035.
– تشكيل مجلس أعلى للتنمية الصناعية يضم ممثلي الحكومة والقطاع الخاص واتحاد الصناعات والجامعات.
– تخصيص تمويل طويل الأجل للمشاريع الصناعية ذات الجدوى الاقتصادية.
– معالجة أزمة الكهرباء والغاز المجهز للمصانع.
– مراجعة التشريعات التي تعيق الاستثمار الصناعي.
– تطوير المصارف الحكومية والخاصة لتمويل المشاريع الإنتاجية.
– إنشاء صندوق لدعم تحديث التكنولوجيا الصناعية.
– وضع مؤشرات سنوية لقياس عدد المصانع التي أُعيد تشغيلها وحجم الإنتاج والصادرات وفرص العمل.
– مكافحة التهريب والتلاعب بالمواصفات والمناشئ.
– توجيه المشتريات الحكومية لدعم المنتجات الوطنية المطابقة للمواصفات.

هنالك رسائل وشعارات مهمة يجب ان نؤمن بها
– النفط يمول الاقتصاد لكن الصناعة تبني الاقتصاد.
– المصنع المتوقف يمثل رأس مال وطني معطل.
– الشراكة مع القطاع الخاص وسيلة لإعادة الإنتاج وليست بالضرورة خصخصة المعامل.
– حماية المنتج الوطني يجب أن ترتبط بالجودة والإنتاجية.
– الكهرباء والتمويل والتكنولوجيا شروط أساسية لنجاح الصناعة.
– تشغيل المصانع يعني توفير فرص العمل وتقليل الاستيراد.
– لا تنمية اقتصادية مستدامة دون قاعدة صناعية وطنية قوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *