كيف تمكن النظام السياسي من امتصاص الصدمة وحافظ على بنيته بعد ثورة تشرين؟

كيف تمكن النظام السياسي من امتصاص الصدمة وحافظ على بنيته بعد ثورة تشرين؟
كشفت احتجاجات تشرين قدرة النظام السياسي العراقي على امتصاص الصدمة عبر تغييرات حكومية وانتخابية محدودة، مع بقاء المحاصصة وشبكات النفوذ، لكنها رسخت وعياً سياسياً جديداً حول الشرعية والفساد والسيادة والمساءلة ومستقبل علاقة المجتمع بالدولة....

لم تكن انتفاضة تشرين عام 2019 مجرد احتجاج على البطالة وسوء الخدمات والفساد بل كانت لحظة مواجهة مباشرة بين المجتمع والنظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003 وقد فرضت الاحتجاجات تنازلات مهمة في مقدمتها استقالة السيد عادل عبد المهدي وحكومته وإقرار قانون انتخابي جديد وإجراء انتخابات مبكرة إلى جانب إطلاق وعود بالإصلاح ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين او مايسمى بالطرف الثالث لكن السؤال الأهم ليس بالقرارات التي اتُّخذت تحت ضغط الشارع بل ما الذي تغيّر فعلياً في بنية السلطة بعد ذلك؟ لقد أظهرت التجربة أن النظام السياسي استطاع تغيير بعض أدواته وآليات عمله من دون أن يتخلى عن مرتكزاته الأساسية فتغيّرت الحكومة لكن بقيت المحاصصة حاضرة في تشكيل الحكومات وتغيّر قانون الانتخابات لكن استمرار نفوذ الأحزاب التقليدية وشبكات المصالح والمال السياسي حدّ من قدرة التغيير الانتخابي على إعادة تشكيل السلطة بصورة جذرية أما وعود مكافحة الفساد ومحاسبة قتلة المتظاهرين فلم تتحول إلى مستوى من المساءلة يعيد ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة. وبهذا استفادت الحكومات عن طريق عامل الوقت ومن تراجع زخم الاحتجاجات وتشتت قواها ومن قدرتها على إعادة إدارة الأزمة عبر المؤسسات نفسها التي كانت موضع اعتراض ولم تكن تشرين بلا أثر فقد كسرت حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة ووسّعت النقاش بشأن شرعية النظام والمحاصصة والسيادة وأعادت طرح سؤال الدولة التي تخدم مواطنيها بدلاً من أن تتحول مؤسساتها إلى ساحات لتقاسم النفوذ إن المفارقة الكبرى في تجربة تشرين أن الشارع استطاع فرض تغيير في الحكومة وبعض قواعد المنافسة السياسية لكنه لم يستطع تحويل تلك المكاسب إلى تغيير شامل في قواعد إنتاج السلطة وتوزيع الثروة والمحاسبة فإسقاط حكومة في نظام برلماني لا يعني بالضرورة تغيير النظام السياسي وتعديل قانون الانتخابات لا يكفي وحده لتغيير موازين القوة وإعلان الإصلاح لا يعني تحققه ما لم يمسّ المصالح التي تعيق الإصلاح لقد كشفت تشرين قدرة النظام السياسي الحاكم على امتصاص الصدمات والتكيف معها كما كشفت في الوقت نفسه عمق الأزمة بين المجتمع والقوى السياسية. ولذلك فإن إرث تشرين لا يُقاس فقط بما تحقق في لحظة الاحتجاج بل بما تركته من وعي سياسي وأسئلة لم تُحسم بعد فمن يحكم فعلياً؟ ولمن تُستخدم موارد الدولة؟ وهل يخضع الجميع للقانون؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي المعيار الحقيقي لأي تغيير سياسي حقيقي وهي أيضاً المعيار الذي ستُقاس به نتائج تشرين على المدى البعيد.

حفظ الله العراق وشعبه ورزقه بحكّامٍ يخافون الله فيه ويضعون مصلحة شعبه فوق مصالحهم ويجعلون العدل أساس حكمهم والأمانة نهج عملهم وخدمة المواطن غايتهم.

اللهم ارزق العراق قيادة صادقة وقلوب رحيمة وأيادي نظيفة توحّد أبناءه وتصون كرامتهم وتحفظ ثرواته وتعيد إليه أمنه واستقراره وتفتح أمام أبنائه أبواب الخير والأمل.

اللهم اجعل العراق آمناً مزدهراً واحفظ شعبه من الفتن والفساد والظلم واكتب له مستقبلاً يليق بتاريخه وأهله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *