لم تعد المواجهة المحتملة مع إيران مجرد مسألة عسكرية تتعلق بتوقيت الضربات وأهدافها، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فالسؤال الذي تطرحه التقديرات الاستخباراتية المنسوبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على إلحاق أضرار جديدة بالقدرات الإيرانية، بل ما إذا كان تدمير البنية العسكرية يمكن أن يتحول إلى تغيير فعلي في السلوك الاستراتيجي لطهران وشبكة نفوذها الإقليمية.
تكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية في ظل حالة عدم اليقين السياسي الإسرائيلي واحتمالات استمرار حكومة بنيامين نتنياهو بصيغة تصريف الأعمال نتيجة الانتخابات غير الحاسمة. ورغم أن هذا المأزق لا يعني تلقائياً الذهاب نحو التصعيد، فإنه يضيف عاملاً جديداً إلى حسابات القرار الإسرائيلي، خصوصاً أن المواجهة مع إيران تتجاوز الاعتبارات الانتخابية إلى حسابات الأمن القومي وإعادة تثبيت الردع. كما أن حكومة تصريف الأعمال لا تفقد بالضرورة صلاحيات اتخاذ قرارات أمنية وعسكرية كبرى.
وفي واشنطن، تبرز الفترة الممتدة بين الرابع من نوفمبر 2026 والعشرين من يناير 2027 باعتبارها نافذة محتملة لتجدد الضربات الأميركية الإسرائيلية، وفق التقدير المعروض، لا موعداً مؤكداً لعملية عسكرية. وتبقى المؤشرات الحاسمة مرتبطة بتحركات القوات، وجاهزية الدفاعات الجوية، والنشاط الدبلوماسي، وطبيعة الرسائل المتبادلة بين الأطراف.
لكن جوهر المعضلة يكمن في أن إيران لا تختزل نفوذها في منشآتها العسكرية أو برنامجها الصاروخي والنووي. فقد بنت خلال سنوات شبكة من أدوات الضغط غير المتكافئ تمتد من العراق واليمن إلى لبنان وغزة. ولذلك فإن إضعاف قدراتها المباشرة لا يعني بالضرورة تفكيك منظومة نفوذها، بل قد يدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على حلفائها الإقليميين لتعويض الخسائر وإبقاء كلفة المواجهة مرتفعة على خصومها.
في العراق، تحتفظ الفصائل المتحالفة مع طهران بإمكانية التأثير في الحسابات الأمنية الأميركية، بينما يمثل اليمن ورقة ضغط إضافية على الملاحة والتجارة الإقليمية. وفي لبنان وغزة، تبرز مسألة إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله وحماس خلال فترات تراجع القتال، وهنا تظهر المفارقة: قد تنجح الضربات في إضعاف أدوات القوة، لكنها لا تضمن إنهاء شبكات النفوذ أو الدوافع التي تحكم استمرارها.
والأكثر دلالة هو إدخال الأردن وسوريا ضمن الحسابات الجيوسياسية للمواجهة. فموقع الدولتين واتصالهما الجغرافي بالعراق يجعلهما جزءاً من معادلة الممرات البرية والإمداد والنفوذ. وفي حال اتساع الصراع، لن تكون الحدود والمعابر مجرد نقاط عبور، بل قد تتحول إلى مفاتيح ضغط استراتيجية، تتداخل عندها الاعتبارات العسكرية والأمنية والاقتصادية. فالصراع على الممرات لا يتعلق بنقل السلاح وحده، وإنما بالقدرة على التحكم في خطوط الحركة والإمداد والتأثير في عمق المجال الإقليمي. ومع ذلك، فإن الادعاء بوجود خطة مؤكدة لجرّ الأردن وسوريا إلى الحرب أو استخدام أراضيهما لإعادة فتح ممرات لوجستية يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة.
المسألة إذن لا تتعلق بسيناريو عسكري واحد، بل بمسارات تتراوح بين ضربات محدودة، واتساع المواجهة إلى جبهات متعددة، واحتواء مؤقت للتوتر، أو استمرار الاستنزاف المتبادل من دون تسوية مستدامة.
المعضلة الاستراتيجية أن واشنطن وتل أبيب قد تستطيعان تغيير ميزان القوة العسكري، لكنهما لا تستطيعان بالضرورة فرض معادلة سياسية جديدة بمجرد استخدام القوة. فالضربة التي لا تعقبها تسوية قابلة للتحقق قد لا تنهي الصراع، وإنما تعيد إنتاجه بأدوات وجبهات مختلفة. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي ليس حجم الدمار الذي يمكن إلحاقه بإيران، بل القدرة على منع تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لدورة جديدة من الضربات والردود وإعادة بناء النفوذ.


