في باكستان، لم يعد المواطن يسأل عن سعر كيلو الطماطم، بل أصبح يسأل: هل يوجد غاز ليطبخها؟ ففي أيام قليلة، قفز سعر أسطوانة الغاز المنزلي زنة 12 كيلوغراماً من 4500 روبية (16 دولاراً) إلى نحو 7000 روبية (25 دولاراً)، ووصل في لاهور إلى 7500 روبية، وفي سكاردو إلى 8200 روبية. والسبب إغلاق معبري «گبد–ريمدان» و«تفتان» مع إيران منذ 17 تشرين الأول 2026، ما عطّل إمدادات يقدّرها اتحاد الغاز الباكستاني بنحو 7000 طن يومياً، وأوقف مئات الشاحنات، فضلاً عن أكثر من ألف حاوية باكستانية محملة بالمواد الغذائية. ورغم بدء استئناف الحركة عبر المعابر لاحقاً، فقد كشفت الأزمة سرعة انتقال اضطراب الحدود إلى جيوب المواطنين وأسواقهم.
هذا المشهد ينبغي أن يكون جرس إنذار للعراق، في ظل القرارات التي تتخذها حكومة علي الزيدي بشأن الحدود مع إيران، والانفتاح على سوريا، والمشاريع النفطية مع الأردن. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل تُدار هذه الملفات وفق مصالح العراق الفعلية، أم تحت تأثير التوازنات والضغوط الإقليمية والدولية؟
أولاً: إغلاق منفذ مع إيران والانفتاح على سوريا.. أين ميزان الأمن القومي؟
أغلقت حكومة الزيدي منفذ الشيب الحدودي مع إيران في 21 تشرين الأول، وبررت القرار بمتطلبات أمنية وفنية، مع استمرار التبادل التجاري عبر منافذ أخرى. لكن توقيت الإغلاق أثار تساؤلات، خصوصاً مع تقارير تحدثت عن ضغوط أمريكية لتشديد القيود على التجارة مع إيران.
والعراق يرتبط بإيران بعلاقات اقتصادية واسعة تشمل الطاقة والغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية، وأي اضطراب ممتد في هذه العلاقات قد ينعكس على الأسعار وتكاليف الإنتاج ومعيشة المواطنين. لذلك، فإن إغلاق المنافذ، حتى لأسباب أمنية، يستوجب حساب كلفته الاقتصادية وتوفير البدائل قبل اتخاذه.
وفي الوقت نفسه، تتجه بغداد إلى توسيع الحركة التجارية مع سوريا وإعادة تنشيط المعابر المشتركة، رغم التعقيدات الأمنية التي شهدتها الحدود العراقية السورية خلال سنوات الإرهاب.
ولا اعتراض على التجارة مع سوريا من حيث المبدأ، لكن هل أصبحت الحدود آمنة بما يكفي؟ وهل توجد منظومة رقابة تضمن عدم استغلال حركة الشاحنات لتهريب السلاح أو تسلل العناصر المتطرفة؟ إن التجربة العراقية مع الإرهاب تجعل هذه الأسئلة مشروعة، ولا يجوز أن تكون المصالح التجارية سبباً للتهاون في الإجابة عنها.
فإذا كانت المخاوف الأمنية تستدعي إغلاق منفذ مع إيران، فمن حق العراقيين المطالبة بالمعايير الأمنية نفسها عند توسيع الحركة عبر الحدود السورية.
ثانياً: زيارة الزيدي إلى دمشق وتسويق ملف الزيارات الزينبية
وفي 28 تشرين الأول، زار الزيدي دمشق والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، والذي يرتبط ماضيه بتنظيمات مسلحة كان لها دور في الصراع السوري وامتدادات أمنية أثارت مخاوف عميقة لدى العراقيين.
وجاءت الزيارة في إطار مباحثات شملت الاقتصاد والطاقة وأمن الحدود، إلى جانب ترتيبات لتسهيل زيارة العراقيين إلى مقام السيدة زينب عليها السلام.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف. فالمواطن العراقي الذي لا يزال يحمل ذاكرة التفجيرات والإرهاب يريد ضمانات أمنية حقيقية قبل أي انفتاح واسع، ولا تكفي الوعود بتسهيل الزيارات الدينية لمعالجة هذه المخاوف.
إن زيارة مقام السيدة زينب عليها السلام حق ديني واجتماعي مهم، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء سياسي يحجب الأسئلة المتعلقة بأمن العراق وحدوده ومصالحه.
فالتفاهم مع دمشق قد يكون ضرورة تفرضها الجغرافيا، لكن الضرورة لا تعني منح الثقة دون شروط، ولا تجاوز الملفات الأمنية العالقة. ومن حق العراقيين معرفة الضمانات التي حصلت عليها حكومتهم، وما إذا كانت التفاهمات الجديدة ستعزز أمنهم بالفعل.
ثالثاً: الأردن وأنبوب العقبة.. من المستفيد من النفط العراقي؟
ولكي تكتمل الصورة، لا بد من التوقف عند الأردن، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة العراقية بأبي مصعب الزرقاوي وما ارتكبه تنظيمه من جرائم، وإن كانت مسؤولية تلك الجرائم تقع على مرتكبيها، ولا يجوز تحميلها لشعب بأكمله.
لقد حصل الأردن لسنوات على النفط العراقي بشروط سعرية تفضيلية. ووفق الآلية المعلنة، كان الخصم يبلغ 16 دولاراً للبرميل عن متوسط خام برنت، يشمل تكاليف النقل وفروقات الجودة والرسوم ووفراً للخزينة الأردنية. ومع توقف الإمدادات لاحقاً لأسباب تتعلق بتوافر نوعية الخام، عادت المباحثات بشأن التعاون النفطي ومشروع أنبوب البصرة–العقبة.
لكن السؤال الجوهري: ما الجدوى الاقتصادية للعراق من هذا الأنبوب؟ وهل سيمنحه منفذاً تصديرياً إضافياً بشروط عادلة، أم سيحمّله كلفاً استثمارية وسياسية تتجاوز عوائده؟
وتزداد أهمية السؤال مع العلاقات الاقتصادية القائمة بين الأردن والكيان الإسرائيلي، والمخاوف من إمكان انتقال النفط العراقي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أسواق لا تنسجم مع الموقف العراقي. ولا يكفي وجود هذا الاحتمال لإثبات حدوثه، لكنه يستوجب ضمانات تعاقدية واضحة بشأن وجهات التصدير وإعادة البيع.
فنفط العراق ثروة سيادية، ومن حق الشعب أن يعرف أين يذهب، وبأي سعر يُباع، ومن المستفيد من عوائده.
إن ما جرى في باكستان يوضح أن قرارات الحدود والطاقة لا تبقى حبيسة المكاتب السياسية، بل تصل سريعاً إلى أسطوانة الغاز ورغيف الخبز. وقد لا تتكرر الأزمة الباكستانية في العراق بالصورة نفسها، لكن تجاهل الاعتماد على الإمدادات الخارجية، أو إخضاع العلاقات التجارية لحسابات سياسية غير مدروسة، قد يرفع كلفة المعيشة ويعمّق هشاشة الاقتصاد.
والخشية أن يجد العراقي نفسه أمام ارتفاع جديد في أسعار الغاز والغذاء، بينما تُقدَّم له المشاريع الإقليمية باعتبارها إنجازات دبلوماسية، دون أن يعرف كلفتها الحقيقية.
إن السيادة لا تُقاس بعدد الزيارات والاتفاقيات، وإنما بقدرة الحكومة على حماية حدودها وثرواتها وأمنها الاقتصادي. وأي سياسة تُضعف هذه القدرة، مهما كانت مبرراتها، تستحق المساءلة قبل أن يدفع المواطن ثمنها من قوت يومه.
فالعراق لا ينبغي أن يكون ساحة لتصفية حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب، ولا أن تتحول ثرواته وحدوده إلى أوراق تفاوض في أيدي الآخرين. وما نريده من حكومة الزيدي هو أن تثبت بالأفعال أن مصلحة العراق تأتي أولاً، وأن أمن المواطن ورغيف خبزه ليسا ثمناً لأي تفاهم سياسي أو إقليمي.


