هل يُحرر الانسحاب العسكري الأجنبي اقتصاد العراق من قيود الدولار؟

هل يُحرر الانسحاب العسكري الأجنبي اقتصاد العراق من قيود الدولار؟
لا يحقق الانسحاب العسكري سيادة اقتصادية تلقائية للعراق، ما لم يترافق مع إصلاح مصرفي عميق، وتنويع قنوات المدفوعات، وتقليص الاقتصاد الريعي، وتعزيز الإنتاج المحلي، بما يمنح بغداد قدرة أكبر على إدارة علاقاتها المالية الدولية وتقليل هشاشتها أمام الصدمات الخارجية...

لا يمكن للانسحاب العسكري الأجنبي أن يتحول تلقائياً إلى سيادة اقتصادية حقيقية ما لم يترافق مع إعادة بناء منظومة الاقتصاد العراقي، وإصلاح النظام المصرفي، وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية. فرحيل القوات الأجنبية لا يعني بالضرورة انتهاء أشكال التأثير والارتباط الأخرى، ولا سيما في اقتصاد ما تزال تجارته الخارجية ومدفوعاته وعلاقاته المصرفية مرتبطة بدرجة كبيرة بالنظام المالي الدولي، وبقنوات المصارف المراسلة، وبمتطلبات الامتثال المرتبطة بالتعامل بالدولار.

ويستعد العراق لدخول مرحلة جديدة مع اقتراب الموعد المعلن لإنهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول 2026، وفق ما أكدته الحكومة العراقية والجانب الأميركي. غير أن انتهاء الوجود العسكري لا يساوي، من الناحية الاقتصادية، فك الارتباط بالنظام المالي العالمي، لأن جزءاً مهماً من النشاط التجاري والمالي العراقي يمر عبر بنية المدفوعات الدولية والمصارف المراسلة، وهي علاقات تحكمها معايير مصرفية وقواعد امتثال لا ترتبط بطبيعة الوجود العسكري في البلاد.

وقد خضعت الحوالات الخارجية العراقية خلال السنوات الماضية لإجراءات رقابية وامتثالية أكثر تشدداً، في سياق مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والحد من استخدام النظام المصرفي في معاملات غير مشروعة. ومع بداية عام 2025 انتقل العراق بصورة أوسع من آلية المنصة السابقة إلى تنفيذ التحويلات الدولية عبر المصارف التجارية وعلاقاتها المباشرة بالمصارف المراسلة، مع استمرار البنك المركزي في تلبية احتياجاتها من العملة الأجنبية ومراجعة استخدام الأموال وفق متطلبات الامتثال. وهذا التحول مهم لأنه ينقل جزءاً أكبر من المسؤولية إلى المصارف العراقية نفسها، ويجعل قدرتها على بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية شرطاً أساسياً لاستمرار نشاطها الخارجي.

وتكتسب أرقام التجارة الخارجية أهمية خاصة في هذا السياق. فبحسب بيانات تجارية منشورة تستند إلى إحصاءات مركز التجارة الدولية وبيانات الأمم المتحدة للتجارة، بلغت قيمة واردات العراق من السلع نحو 51.1 مليار دولار خلال عام 2025، منخفضة عن مستويات عام 2024. لكن هذا التراجع لا ينبغي تفسيره بعامل واحد؛ إذ يصعب فصل أثر تشديد إجراءات الامتثال والتحويلات عن تغير أسعار النفط والسيولة والطلب المحلي وظروف التجارة. لذلك فإن انخفاض الاستيراد لا يعني بالضرورة تحسناً في القاعدة الإنتاجية ما لم يقترن بزيادة مقابلة في قدرة الاقتصاد المحلي على تلبية احتياجات السوق.

وفي تطور مصرفي مهم، أعلن البنك المركزي العراقي في تموز 2026 أن سبعة مصارف أصبحت مؤهلة للعودة إلى قنوات المراسلة المصرفية الخارجية بالعملات غير المرتبطة بالدولار، على أن تتمكن لاحقاً من استعادة أهلية التعامل بالدولار بعد استكمال مراحل إضافية من متطلبات الإصلاح والامتثال والحوكمة. وتوضح هذه الخطوة أن إعادة دمج المصارف العراقية في النظام المالي الدولي لا تتوقف على قرار سياسي أو نقدي منفرد، وإنما على قدرة تلك المصارف على تطوير أنظمة الرقابة وإدارة المخاطر ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين الحوكمة والشفافية بما يسمح لها ببناء علاقات مستقرة مع المصارف المراسلة.

والأمر نفسه ينطبق على الاحتياطيات والأصول المالية العراقية في الخارج. فارتباط جزء من إدارة الاحتياطيات والعائدات النفطية بالأسواق والمؤسسات المالية الدولية لا يعني في حد ذاته أن القرار الاقتصادي العراقي خاضع بصورة مباشرة لدولة بعينها، لكنه يكشف درجة اندماج الاقتصاد العراقي في منظومة دولية تؤثر فيها قوة الدولار، والمصارف المراسلة، وقواعد الامتثال والعقوبات، والثقة بالقطاع المالي. ولهذا فإن مفهوم الاستقلال الاقتصادي لا يمكن اختزاله في نقل الأموال من مؤسسة إلى أخرى أو استبدال عملة بعملة، لأن المشكلة أعمق من ذلك وتتصل ببنية الاقتصاد نفسه وبقدرته على تمويل حاجاته من الداخل.

ومن هنا يجب أن تتركز الأولوية العراقية على تقليل درجة تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وتعزيز القدرة على إدارة التجارة والمدفوعات ضمن نظام مالي أكثر تنوعاً ومتانة. ويبدأ ذلك من رفع كفاءة القطاع المصرفي بحيث تتحول المصارف تدريجياً من مؤسسات يتركز جانب كبير من نشاطها في عمليات العملة والتحويلات إلى مؤسسات قادرة على تمويل الاستثمار والإنتاج والتجارة، وتعبئة المدخرات وتوجيهها نحو النشاط الاقتصادي الحقيقي، مع الالتزام في الوقت نفسه بالمعايير الدولية.

كما يمكن توسيع قنوات المدفوعات واستخدام العملات الأخرى في التجارة المشروعة عندما تكون العلاقات التجارية والمصرفية مهيأة لذلك. وقد بدأ البنك المركزي بالفعل بتوسيع قدرة المصارف المستوفية للشروط على تنفيذ معاملات عابرة للحدود بعملات مثل اليورو والدرهم الإماراتي واليوان الصيني والدينار الأردني. غير أن تنويع العملات ليس بديلاً عن إصلاح الاقتصاد، ولا ينبغي أن يتحول إلى خطوة تؤدي إلى إرباك السوق أو زيادة كلفة التجارة أو الضغط على سعر الصرف. المطلوب هو تنويع مدروس يخفف مخاطر الاعتماد المفرط على قناة واحدة، من دون الإضرار باستقرار الدينار أو الثقة بالنظام المالي.

أما العامل الأكثر حسماً على المدى الطويل فيبقى تقليص الاعتماد على الاقتصاد الريعي. فما دامت المالية العامة تعتمد بصورة طاغية على الإيرادات النفطية، وما دامت نسبة واسعة من احتياجات السوق تُلبى عن طريق الاستيراد، فإن الاقتصاد سيظل معرضاً لتقلبات أسعار الطاقة وللظروف المالية والتجارية الخارجية بصرف النظر عن حجم الوجود العسكري الأجنبي. وتظهر تقديرات صندوق النقد الدولي استمرار الإيرادات النفطية في تشكيل الجزء الأكبر من إيرادات الحكومة، وهو ما يجعل أي صدمة نفطية تنتقل سريعاً إلى الإنفاق العام والسيولة والنشاط الاقتصادي.

لذلك فإن السيادة الاقتصادية لا تتحقق بمجرد تغير الوجود العسكري على الأرض، وإنما ببناء اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية أوسع، وقطاعاً مصرفياً أكثر كفاءة وشفافية، ونظام مدفوعات متنوعاً، وقدرة أكبر على تمويل الاستثمار والنشاط الاقتصادي من الداخل. والاختبار الحقيقي أمام العراق في مرحلة ما بعد الانسحاب هو مدى قدرته على تحويل هذا التحول الأمني إلى فرصة لتعزيز مؤسساته الاقتصادية وتقليل مواطن الضعف التي تجعل اقتصاده شديد التأثر بالمتغيرات الخارجية.

فالاستقلال الاقتصادي لا يعني الانعزال عن النظام المالي العالمي، ولا يمكن لاقتصاد منفتح يعتمد على النفط والتجارة الدولية أن يعمل خارج هذا النظام. المقصود هو امتلاك قدرة أكبر على التعامل معه من موقع أكثر قوة وتنوعاً، مع حماية القطاع المصرفي من الفساد وغسل الأموال، وتعزيز الثقة بالدينار، وتنمية الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد غير الضروري على الاستيراد. وعندها يمكن أن يصبح الانسحاب العسكري جزءاً من مرحلة أوسع لبناء سيادة اقتصادية حقيقية، بدلاً من أن يبقى مجرد تحول في المشهد الأمني والسياسي بينما تستمر نقاط الضعف الاقتصادية القديمة بصيغ مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *