العراق بين معركة الوعي وهندسة الأمن الإقليمي: من ساحة الصراع إلى استعادة القرار والسيادة

العراق بين معركة الوعي وهندسة الأمن الإقليمي من ساحة الصراع إلى استعادة القرار والسيادة
يسعى العراق إلى الانتقال من ساحةٍ لتنافس القوى إلى شريك في صياغة الأمن الإقليمي، عبر ترسيخ السيادة، وتقوية المؤسسات، وتوازن العلاقات الخارجية، وتحويل الوعي الشعبي إلى قدرة وطنية تحمي القرار المستقل وتدعم الحوار والاستقرار الإقليمي....

المقدمة: بغداد أمام اختبار السيادة وصناعة المستقبل

يقف العراق أمام لحظة سياسية واستراتيجية مفصلية، تتجاوز حدود الوساطة بين القوى الإقليمية إلى سؤال أكثر عمقًا: هل يستطيع استعادة قراره الوطني، والتحول من ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ إلى دولة فاعلة في صياغة معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة؟

فموقع العراق الجغرافي، وثقله السكاني والحضاري، وامتداده العربي والإسلامي، يمنحانه مقومات استثنائية للقيام بدور يتجاوز إدارة الخلافات إلى بناء تفاهمات إقليمية مستدامة.

غير أن هذه الإمكانات ستظل محدودة ما دام القرار الوطني عرضة للتجاذبات الخارجية، وما دامت معادلات الأمن تُرسم أحيانًا بعيدًا عن إرادة شعوب المنطقة ومصالحها الحقيقية.

إن الانتقال من ميدان الصراع إلى هندسة الأمن الإقليمي لا يتحقق بمجرد استضافة الاجتماعات أو إطلاق المبادرات الدبلوماسية، بل يحتاج إلى مشروع سيادي متكامل، تتلاقى فيه إرادة الشعب مع قوة المؤسسات، واستقلال القرار مع توازن العلاقات، والوعي بالتاريخ مع الاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل.

المحور الأول: من ذاكرة الاحتلال إلى بناء الوعي الوطني

لا يمكن قراءة التحولات العراقية الراهنة بمعزل عن الذاكرة الثقيلة التي خلّفها الاحتلال الأمريكي، وما ارتبط به من انتهاكات موثقة، وفي مقدمتها فضائح التعذيب والإساءة إلى المعتقلين في سجن أبو غريب، فضلًا عن سنوات العنف والإرهاب التي عاشها العراقيون في ظل جرائم تنظيم «داعش».

هذه التجارب ليست مجرد صفحات من الماضي، بل دروس تكشف الكلفة الباهظة لانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الوطني، وتحول الأرض العراقية إلى ميدان تتصارع فوقه مشاريع إقليمية ودولية.

كما تؤكد أن حماية السيادة لا تنفصل عن حماية المجتمع من الطائفية والتحريض والانقسامات التي تستثمر فيها القوى المتنافسة.

ومن هنا، تبرز أهمية معركة الوعي؛ فالشعوب التي تدرك تاريخها، وتعرف مصالحها، وتميز بين التعاون الدولي والوصاية الخارجية، تصبح أكثر قدرة على حماية قرارها ومنع إعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة.

لكن الوعي الوطني لا يعني استدعاء الأحقاد أو تعميم المسؤولية على الشعوب، بل يعني تثبيت الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وصون الذاكرة، وبناء دولة لا تسمح بتكرار المآسي تحت أي عنوان.

المحور الثاني: طوفان الأقصى ومكانة العراق في معادلة المنطقة

أعادت معركة طوفان الأقصى القضية الفلسطينية إلى قلب المعادلات الإقليمية والدولية، وأظهرت أن مواقف الشعوب لا تزال عنصرًا مؤثرًا في تحديد اتجاهات السياسة، مهما امتلكت القوى الكبرى من أدوات الضغط والنفوذ.

وقد عبّرت قوى وشخصيات عراقية عن دعمها للقضية الفلسطينية ومقاومة الاحتلال، في موقف ينسجم مع عمق الحضور الفلسطيني في الوعي الشعبي العراقي.

وهذا الموقف يمنح العراق مساحة للتفاعل مع قضايا المنطقة، لكنه يضعه أيضًا أمام مسؤولية إدارة علاقاته الخارجية بما يحفظ مصالحه الوطنية، ويمنع تحويل خلافاته الإقليمية إلى أزمات داخلية.

ومن الضروري هنا التمييز بين المواقف السياسية المعلنة وبين الادعاء بأن كل أزمة أو تحرك يستهدف العراق يعود بالضرورة إلى موقفه من فلسطين؛ فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة واضحة. غير أن التجارب الإقليمية تؤكد أن استقلال القرار، ورفض الإملاءات، والانحياز إلى القضايا العادلة، قد تضع الدول أمام ضغوط متباينة.

لقد أصبحت معركة الوعي جزءًا من معركة السيادة؛ إذ لم تعد قوة الدولة تُقاس بقدراتها العسكرية والاقتصادية وحدها، بل بقدرتها على تشكيل روايتها الوطنية، وحماية وعي مجتمعها من التضليل، وتحديد أولوياتها بعيدًا عن الابتزاز السياسي والإعلامي.

المحور الثالث: مبادرة بغداد والحوار الإيراني ـ الخليجي

يمتلك العراق فرصة مهمة للمساهمة في بناء منظومة أمن إقليمي، خصوصًا عبر تشجيع الحوار بين إيران ودول الخليج، وتطوير قنوات التواصل بين الأطراف المتنافسة، والاستفادة من علاقاته المتعددة لتقريب وجهات النظر.

لكن قيمة الدور العراقي لا تكمن في مجرد جمع الخصوم حول طاولة واحدة، وإنما في تحويل الحوار إلى قواعد عملية تحمي السيادة، وتحد من التصعيد، وتعالج مصادر التوتر، وتؤسس لمصالح متبادلة تمنع العودة المتكررة إلى المواجهة.

ويقتضي ذلك أن تقوم أي منظومة أمنية إقليمية على مبدأ الشراكة المتكافئة، لا على منطق التبعية؛ وعلى احترام سيادة الدول، لا فرض ترتيبات أمنية من خارج المنطقة؛ وعلى معالجة المخاوف المتبادلة، لا استخدام الأمن ذريعة لتوسيع النفوذ العسكري والسياسي.

فلا يمكن بناء استقرار دائم على معادلة «الأمن مقابل الطاعة»، ولا يمكن أن تكون الدول العربية والإسلامية مجرد ساحات لتنفيذ حسابات القوى الكبرى.

والأمن الحقيقي يبدأ حين تمتلك دول المنطقة القدرة على الحوار وتحديد أولوياتها وصياغة تفاهماتها بنفسها.

ومع ذلك، فإن نجاح بغداد في هذا الدور يظل مرهونًا بقدرتها على معالجة التحديات الداخلية، وتوحيد مؤسسات القرار، وتحقيق التوازن في علاقاتها، حتى لا تتحول الوساطة إلى عبء إضافي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

المحور الرابع: القرار الوطني بين إرادة الشعب والتدخل الخارجي

إن التحولات الكبرى لا تصنعها الحكومات وحدها؛ فإرادة الشعوب قادرة على تغيير اتجاهات السياسات، ورفع كلفة التدخل الخارجي، وفرض قضايا السيادة على جدول الأولويات. غير أن هذه الإرادة تصبح أكثر فاعلية حين تتحرك عبر مؤسسات دستورية راسخة، ومشاركة سياسية مسؤولة، ورقابة شعبية واعية.

وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول الوجود الأمريكي ودور السفارة الأمريكية في بغداد، وحدود تأثيرها في القرار العراقي، بوصفه جزءًا من نقاش أوسع بشأن استقلال السياسة الخارجية وطبيعة العلاقة مع واشنطن.

ومن حق العراقيين أن يناقشوا علنًا مدى انسجام الوجود الأجنبي مع سيادة بلادهم، وأن يطالبوا بالشفافية في الاتفاقات الأمنية، وبإخضاع أي تعاون عسكري أو سياسي للرقابة الدستورية، وبمنع أي تدخل في الشؤون الداخلية.

أما الدعوات إلى إنهاء مهمة السفير الأمريكي أو إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة، فهي خيارات سياسية ينبغي تقييمها في ضوء الأدلة القانونية، والمصلحة الوطنية، والنتائج المتوقعة، والبدائل المتاحة. فاستعادة السيادة لا تُختزل في إجراء رمزي واحد، بل تتطلب منظومة متكاملة تمنع التدخل وتحمي المؤسسات وتحد من الارتهان والابتزاز.

إن المعيار الحقيقي لأي علاقة خارجية هو مقدار ما تحققه للعراق من أمن واستقلال وتنمية، ومدى احترامها لإرادة شعبه.

وما لا يخدم هذه المصالح ينبغي أن يكون موضع مراجعة ومساءلة، أيًّا كان الطرف الذي يقف وراءه.

المحور الخامس: التجربة اليمنية وسوريا ومستقبل الأمن الإقليمي

تقدم التجربة اليمنية، بما شهدته من صراع وتدخلات خارجية وصمود مجتمعي، مادة مهمة للتأمل في العلاقة بين الوعي الشعبي والسيادة الوطنية.

ويمكن للعراق الاستفادة من دروسها في التمسك بالقرار المستقل، ورفض فرض الخيارات من الخارج، وتعزيز التماسك الداخلي، مع إدراك اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والمؤسسية بين البلدين.

فاستقلال القرار لا يعني الانغلاق عن العالم، بل بناء علاقات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية، وتنويع الشراكات، وتطوير القدرات الاقتصادية والأمنية، بحيث لا يصبح البلد رهينة لطرف واحد أو أسيرًا لمحور من الضغوط.

وفي المقابل، يكشف المشهد السوري مدى الترابط بين أمن العراق ومحيطه الجغرافي.

فالتطورات داخل سوريا، وأدوار القوى الخارجية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا، إلى جانب مواقف أطراف إقليمية أخرى، تفرض على بغداد متابعة دقيقة لمخاطر الحدود، وعودة التنظيمات الإرهابية، وتوسّع مناطق النفوذ، وانعكاسات الصراع على استقرار العراق.

ولا يكفي وصف جميع التحركات بأنها مؤامرة موحدة من دون أدلة؛ فالمطلوب هو تحليل المصالح الفعلية لكل طرف، ورصد ما يمس السيادة العراقية، والتعامل معه بأدوات سياسية وأمنية وقانونية واضحة.

إن العراق الذي يمتلك إرادة شعبية واعية ومؤسسات قوية قادر على حماية حدوده، ورفض تحويل أراضيه إلى منصة لاستهداف الآخرين، ومنع استخدام الأزمات المجاورة لتبرير التدخل في شؤونه. كما يستطيع أن يسهم في بناء تفاهمات إقليمية تحترم سيادة سوريا والعراق وسائر دول المنطقة، وتغلق الطريق أمام عودة الإرهاب والفوضى.

الخاتمة: من وعي الشعب إلى دولة تصنع معادلاتها

إن معركة العراق اليوم هي معركة وعي وسيادة بقدر ما هي معركة أمن وسياسة.

فاستعادة القرار الوطني لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمجرد تغيير التحالفات، بل ببناء دولة قوية، ومؤسسات مستقلة، واقتصاد قادر على الصمود، ومجتمع يرفض الانقسام والتبعية، وسياسة خارجية تنطلق من المصالح العراقية قبل حسابات الآخرين.

ومن هنا، فإن فرصة بغداد في الانتقال من ساحة لتنافس القوى إلى شريك في هندسة الأمن الإقليمي تظل ممكنة، لكنها مشروطة بقدرتها على الجمع بين إرادة الشعب وفاعلية المؤسسات، وبين الانفتاح الدبلوماسي والتمسك بالسيادة، وبين التضامن مع القضايا العادلة وحماية الاستقرار الوطني.

فالعراق لا يحتاج إلى استبدال وصاية بأخرى، ولا إلى الارتهان لمحور بدل محور؛ بل يحتاج إلى قرار مستقل، وشراكات متوازنة، ومنظومة أمن إقليمي تنبع من إرادة دول المنطقة وتحترم شعوبها.

وحين يتحول الوعي الشعبي إلى قوة دستورية ومؤسسية، يصبح العراق أقدر على حماية سيادته، ومواجهة التدخلات، والمساهمة في صياغة مستقبل إقليمي لا تُفرض فيه المعادلات من وراء الحدود، بل تُبنى بالحوار والندية والمصالح المشتركة.

فالعراق الذي يريد أن يكون مهندسًا لأمن المنطقة، عليه أولًا أن يمتلك قراره؛ فسيادة الدولة تبدأ من وعي شعبها، وتترسخ بقوة مؤسساتها، وتكتمل حين تصبح إرادتها الوطنية شريكًا في صناعة مستقبلها، لا موضوعًا لصراعات الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *