المقدمة: ليس الوطن مجرد حدود مرسومة على خريطة، ولا هو تراب نطأه بأقدامنا فحسب، الوطن هو العرض والكرامة والمقدسات والذاكرة والتاريخ. وحين يتعرض كل ذلك للخطر، فإن السؤال الكبير الذي يطرحه التاريخ هو: من الذي يدافع؟ ومن الذي يثبت؟ ومن الذي يقدم دمه رخيصاً ليبقى الوطن عزيزاً؟
التجربة أثبتت أن الجيوش النظامية وحدها لا تكفي، وأن السلاح المتطور وحده لا يصنع النصر، وأن الشعارات الوطنية الجوفاء سرعان ما تتبخر عند أول رصاصة. الذي يصنع الفارق الحقيقي، ويحول الإنسان العادي إلى أسطورة صمود، هو العقيدة.
والعقيدة هنا ليست مجرد فكرة دينية يرددها اللسان، بل هي إيمان راسخ يملأ القلب والعقل، يجعل الموت في سبيل الله والوطن أحب من الحياة مع الذل، ويجعل التضحية أهون من خيانة الأرض.
كربلاء.. المدرسة الأولى للدفاع المقدس و عندما نقول “على خطى الحسين” فإننا لا نتحدث عن ذكرى تاريخية نبكي عليها فقط، بل نتحدث عن مدرسة عقائدية عسكرية متكاملة للدفاع عن الوطن والمبدأ.
ما الذي جعل الإمام الحسين عليه السلام يخرج بـ 72 رجلاً لمواجهة جيش جرار يعد بالآلاف؟ هل كان يجهل ميزان القوى العسكري؟ حاشاه. لكنه كان يحمل ميزاناً آخر، ميزان العقيدة. كان يعلم أن الأمة إذا خضعت ليزيد، فإنها لم تخسر معركة سياسية فحسب، بل خسرت وطنها وهويتها ودينها ومستقبلها و في كربلاء، رسم الإمام الحسين القاعدة الذهبية للدفاع المقدس: “إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”. هذه ليست كلمات عاطفية، هذه هي عقيدة المقاتل الذي لا يُهزم. الجندي الذي يرى الموت سعادة لا يمكن أن يتراجع، ولا يمكن أن يُشترى، ولا يمكن أن ينهزم نفسياً. وهذا ما رأيناه في أبناء الحسين، في علي الأكبر، وفي القاسم، وفي العباس، وفي مسلم بن عوسجة وحبيب بن مظاهر، كلهم كانوا يتنافسون على الشهادة لأن عقيدتهم علمتهم أن الدفاع عن الحق والوطن هو طريق الجنة.
الحسين عليه السلام لم يدافع عن قطعة أرض تسمى كربلاء، بل دافع عن وطن الإسلام الكبير، عن قيم الإسلام التي أراد الأمويون تحويلها إلى ملك عضوض. وهذا هو مفهوم الوطن في العقيدة الحسينية، الوطن هو حيث تكون كرامة الإنسان محفوظة، وحيث يكون الدين مصاناً، وحيث لا يحكم الظالم.
لماذا العقيدة هي الوقود الحقيقي؟
لو تأملنا في كل معارك الدفاع المقدس عن أوطاننا في العصر الحديث، لوجدنا حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها.
أولاً: العقيدة تمنح المقاتل هدفاً أسمى من الحياة. الجندي المرتزق يقاتل من أجل الراتب، فإذا انقطع الراتب ترك سلاحه. الجندي الوطني بلا عقيدة يقاتل من أجل الأرض، فإذا رأى الأرض قد احتلت قد ييأس. أما المقاتل العقائدي فهو يقاتل من أجل الله، والله باقٍ لا يزول. لذلك تجده يقاتل حتى آخر نفس، لأنه يرى أن معركته ليست معركة حدود، بل معركة وجود بين الحق والباطل.
ثانياً: العقيدة تصنع الانضباط والصبر اما حب الوطن وحده قد يدفعك للحماس ساعة، لكن العقيدة تعلمك الصبر لساعات وأيام وسنوات. وفي الحشد الشعبي، وفي المقاومة اللبنانية، وفي كل تجربة دفاع مقدس، رأينا مقاتلين حفاة، جائعين، محاصرين، لكنهم لم يتركوا مواقعهم. لماذا؟ لأنهم تربوا على قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا”. الرباط هو عقيدة قبل أن يكون خطة عسكرية.
ثالثاً: العقيدة تمنع السقوط الأخلاقي للمقاتل. كم من جيش دخل مدناً فسرق ونهب واغتصب لأنه بلا عقيدة تحكمه؟ أما المقاتل العقائدي الحسيني، فهو يحمل وصية أمير المؤمنين: لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح. العقيدة تجعل الدفاع مقدساً حقاً، لأنها تجعل الوسيلة شريفة كالغاية. نحن لا ندافع عن الوطن لنصبح مثل المعتدي، نحن ندافع عنه لنحافظ على إنسانيتنا.
رابعاً: العقيدة توحد الصفوف. الطائفية والعشائرية والمناطقية كلها تذوب عندما يكون النداء “يا حسين” و “يا لثارات الحسين”. في فتوى الدفاع الكفائي ، لم يسأل أحد هل أنت من هذه المدينة أو تلك، هل أنت من هذا المذهب أو ذاك، الكل لبى النداء لأن العقيدة جمعتهم تحت راية واحدة هي راية الوطن المقدس.
الدروس المستفادة لوطننا اليوم
إننا اليوم في العراق، وفي كل بلد إسلامي يتعرض للمؤامرات، أحوج ما نكون إلى إحياء هذه العقيدة. الوطن اليوم لا يُغزى بالدبابة فقط، بل يغزى بالفكرة المنحرفة، وبالمخدرات، وبالشذوذ الثقافي، وبمحاولة فصل الشباب عن دينه وتاريخه.
إنهم يعلمون جيداً أنه إذا نزعوا العقيدة الحسينية من قلب الشاب العراقي، فإنهم يستطيعون بعد ذلك أن يأخذوا أرضه بلا مقاومة. الشاب الذي لا يعرف من هو الحسين، ولا يعرف معنى هيهات منا الذلة، سيبيع وطنه من أجل تأشيرة سفر أو وظيفة.
لذلك فإن الدفاع المقدس اليوم لا يكون في الساتر فقط، بل يكون في المدرسة والجامعة والمسجد والحسينية ومواقع التواصل. أن نربي جيلاً يعرف أن حب الوطن من الإيمان، وأن الدفاع عن العراق هو دفاع عن مقدسات أهل البيت، وأن خدمة الناس هي عبادة، هذا هو أقدس أنواع الدفاع.
إن مقاتلينا الذين سطروا أروع الملاحم ضد داعش الإرهابي لم يكونوا يملكون طائرات إف 35 ولا صواريخ متطورة، كانوا يملكون شيئاً واحداً لا يملكه عدوهم: كانوا يقولون “لبيك يا حسين” وهم يتقدمون، بينما عدوهم يصرخ صراخ الخائف الهارب. العقيدة انتصرت على التكنولوجيا، والدم انتصر على السيف، كما انتصر في كربلاء.
الخاتمة: سيبقى التاريخ يردد هذه الحقيقة الخالدة: كل وطن بلا عقيدة هو وطن قابل للبيع والاحتلال والسقوط. وكل عقيدة بلا وطن تدافع عنه هي عقيدة نظرية لا قيمة لها في ميزان الواقع. على خطى الحسين عليه السلام تعلمنا أن نكون أحراراً في زمن العبودية، وأن نكون شجعاناً في زمن الخوف، وأن نكون حسينيين في زمن يراد لنا أن نكون يزيديين. فليحمل كل شاب منا هذه المعادلة في قلبه: عقيدتي هي التي تحمي وطني، ووطني هو الذي يحفظ عقيدتي. فإذا سقط أحدهما سقط الآخر. وإذا بقيا معاً، بقينا أمة لا تقهر ولا تموت.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين الذين علمونا كيف يكون الدفاع عن الوطن مقدساً.


