ربما يتصور البعض أن المدونة الجعفرية هي قانون مقابل لقانون الأحوال المدنية، أو في مقابل المذاهب الأخرى، أو أنها تتضمن ثغرات وأخطاء تجعل تطبيقها غير ممكن وقد يسبب ضياع حقوق شريحة من المجتمع أو اضطهاد للمرأة. وهذا التصور بحد ذاته غير دقيق ومضلل.
الحقيقة أن البرلمان العراقي وافق على المدونة بأغلبيته شيعة وسنة وكورد، ولم يعترض عليها إلا أقلية علمانية وليبرالية معزولة. القانون أخذ طريقه ليكون جزءا من الدستور العراقي، ورغم تحفظ البعض عليه، إلا أن القانون بحد ذاته لا يخالف الشريعة الإسلامية ولا يتناقض معها، بل هو من صلبها ومن صميم المذهب الجعفري الذي يمثل أغلبية الشعب العراقي.
فلماذا إذن خرجت تلك المظاهرة الباهتة؟
خرجت مظاهرة نسوية باهتة وهزيلة، لكنها مدعومة بماكنة إعلامية غربية وخليجية وأمريكية ضخمة، لتعترض على قانون يحتوي على ٣٧٧ بندا تشمل أمورا كثيرة ومفصلية في حياة الأسرة، منها حق الحضانة، وقانون الزواج في سن البلوغ الشرعي، وقانون الإرث، وحق المرأة التي لم يدخل بها زوجها وتوفي عنها في الإرث، وغيرها من الحقوق التي كانت مهملة لعقود.
هل هذه المرأة التي عقد عليها ولم يدخل بها ثم توفي زوجها، لا يحق لها أن ترثه؟ المدونة الجعفرية أنصفتها وأعطتها حقها الشرعي.
إن المحتجين على المدونة الجعفرية هم خليط من العلمانيين والمتأمركين والمعادين في الأساس للدين والعفة والحشمة. وهناك قلة قليلة لديها بعض الملاحظات الجزئية، وهي ملاحظات غير منطقية ولا تستند إلى فهم فقهي.
الأهم في هذا اللغط الإعلامي الذي يثيره المغرضون هو أنهم ليسوا في وفاق مع المسلك الذي يتوافق مع الزواج الشرعي وإن كان في سن البلوغ ودون الـ ١٨ سنة، لكنهم في نفس الوقت لا يرفضون الزنا والفحشاء، ولا يعترضون على منظومة السقوط الأخلاقي القائمة على العلاقات غير الشرعية وخارج إطار العفة والقانون السماوي.
ازدواجية الغرب.. تشجيع البغاء وتحريم الزواج
إن معارضة القانون الجعفري ليست منطقية في مضمونها، بل تهدف إلى إحلال قانون بديل يقر ما يسمى “زواج تحت السقف الواحد” أو المساكنة، وحرية المرأة في أن تكون في أحضان مختلفة وتنتقل من حضن رجل إلى آخر، حتى وإن كانت فتاة في سن الـ ١٢ سنة أو أقل من ١٨ سنة، وفقا لثقافة الغرب المنحلة.
المعترضون على القانون الجعفري، نساء ورجالا، هم من دعاة التبرج والعهر وتطبيق القوانين الغربية والأمريكية التي تبيح للرجل الشاب أن يصادق فتاة حتى وإن لم يتجاوز عمرها ١٢ سنة، فيما نفس هذه القوانين تحظر على ذات الفتاة حتى وإن بلغت ١٧ سنة أن تتزوج زواجا شرعيا رسميا!
في الغرب يحاكم الرجل إذا ما تزوج شرعا وقانونا فتاة لم تبلغ ١٨ سنة، ولكن يصفقون له إذا ما صادقها واتخذها عشيقة يمارس معها كل المحرمات التي لو مارسها المتزوج الشرعي معها لعوقب بالسجن ودفع غرامات بتهمة الاغتصاب! يعني يشجعون على البغاء والفحشاء تحت عناوين سخيفة وإجرامية.
ومن المفارقات أن في أمريكا وأي دولة أوروبية، مسموح للفتاة التي دون ١٨ سنة أن يكون لها صديق يمارس معها العملية الجنسية وتحمل منه دون عقد زواج، وهو زنا صريح، ولكن لا يسمح لها بالزواج منه لأنها “قاصر”!
وفي أمريكا نفسها توجد قبيلة لها عاداتها وتقاليدها وشريعة خاصة بها، فتياتها يتزوجن وهن في عمر الـ ١٠ والـ ١٢ سنة، وتؤمن بتعدد الزوجات، والقانون الأمريكي لا يتدخل لمنعها من ممارسة طقوسها. هذه الجماعة تسمى بـ “المورمون” وهي غير الهنود الحمر وجماعات أخرى تمارس ذات العادات ولها شريعة خاصة في الزواج. لم تخرج في أمريكا مظاهرات لمنع هذه الطقوس لأنها في إطار حرية المعتقد. أما في العراق فحين يقر البرلمان القانون الجعفري بخصوص الزواج وتعدد الزوجات وما إلى ذلك، وهو يخص شريحة واسعة من الشعب العراقي، تجد دعاة الفحشاء والعهر يخرجون إلى الشارع محتجين مطالبين بتغييره.
مظاهرات مستوردة وصوتها الإعلامي أعلى من حجمها
هذه المظاهرات والاحتجاجات محدودة جدا في الشارع العراقي، إلا أن صداها الإعلامي واسع، لكون الإعلام المعادي وانخراط أطراف خارجية فيها والتحريض المواكب لها يسعى لتوظيفها سياسيا ومذهبيا ولتأجيجها ضد المكون الشيعي تحديدا. وهذا الأمر كان واضحا في مشاركة فتيات سوريات في بغداد في المظاهرة.
كانت صور الفيديو لمشاركة فتاة سورية وادعاءاتها السخيفة بخصوص المدونة الجعفرية وعداؤها لها، موضع انتقاد الكثير من العراقيين وذهولهم من موقف الأجهزة الأمنية تجاه هذه الظاهرة ومشاركة أطراف خارجية في التحريض على قانون يشكل جزءا من الدستور العراقي أقره البرلمان.
والأغرب من ذلك أن عنوان هذا النوع من المظاهرات المعادية للقانون الجعفري هو “التحرر”، أي دعوة صريحة إلى الانحلال الخلقي والتحرر من قيم الشرف والفضيلة والعفة، وتعويضها بثقافة العهر والزنا والسقوط الأخلاقي.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16].


