كفى تصريحات متناقضة بشأن سعر صرف الدولار…

كفى تصريحات متناقضة بشأن سعر صرف الدولار...
تضارب التصريحات الرسمية بشأن سعر صرف الدولار يُربك الأسواق ويُفاقم المخاوف الاقتصادية، فيما تستدعي معالجة العجز المالي إصلاحات هيكلية لا تحميل المواطنين أعباء إضافية. ويظل توحيد الخطاب المؤسسي، وتعزيز الشفافية، وحماية القوة الشرائية ركائز أساسية للاستقرار الاقتصادي في العراق...

لم يعد مقبولاً أن يبقى العراقيون أسرى تصريحات متضاربة بشأن واحد من أخطر الملفات الاقتصادية والنقدية في البلاد .. فحين يتحدث مسؤول عن اعتماد سعر 1500 دينار للدولار ، ويتحدث آخر عن نطاق بين 1400 و 1500 ، ثم يؤكد مسؤول آخر أن السعر لم يُحسم بعد ، فإننا لا نكون أمام نقاش اقتصادي طبيعي ، وإنما أمام ارتباك في الخطاب الرسمي يمكن أن يدفع السوق إلى التحرك قبل أن تتخذ الدولة قرارها ..

ما صدر عن اللجنة المالية النيابية يكشف حجم هذا الالتباس ، فقد تحدث عضو في اللجنة المالية عن تضمين مسودة موازنة 2027 سعر صرف يبلغ 1500 دينار للدولار ، بينما أكد عضو آخر أن السعر لم يُحسم وأن التفاوض ما زال مستمراً ، وأنّ المقترح يتراوح بين 1400 و 1500 دينار .. وفي المقابل ، قال وزير المالية إنّ تحديد سعر الصرف ليس من اختصاصه ..

هذه التصريحات المتباينة لا تخدم الاقتصاد العراقي ، مهما كانت النوايا وراءها .. سعر الصرف ليس رقماً عادياً في مشروع موازنة ، وليس مادة صالحة للتداول الإعلامي قبل اكتمال القرار .. فمجرد الحديث عن تغيير سعر الصرف يمكن أن يغيّر سلوك السوق .. التاجر يعيد حساب كلفة بضاعته ، والمستورد يتحوّط ، والمواطن يحاول حماية مدخراته ، والمضارب يجد في حالة عدم اليقين فرصة للمضاربة . وهكذا يمكن أن تبدأ الأسعار بالتحرك قبل أن يصدر القرار الرسمي أصلاً ..وهنا يجب أن تكون الدولة أكثر وضوحاً وحزماً ..

إذا كان هناك مقترح لتغيير سعر الصرف ، فليُدرس داخل المؤسسات المختصة ، وبعيداً عن التصريحات المتسرعة . وإذا كان القرار لم يُتخذ بعد ، فليُعلن ذلك بوضوح ،  وإذا اتخذ القرار ، فلتخرج الجهة صاحبة الاختصاص بموقف رسمي واحد ، يشرح للمواطنين أسبابه وأهدافه وآثاره والإجراءات التي ستتخذ لحماية السوق والقوة الشرائية .. لقد سبق للبنك المركزي العراقي أن نفى في حزيران الماضي ، وجود نية لتعديل سعر الصرف ، وحذر من تداول وثيقة مزورة تزعم وجود طلب رسمي لتغييره إلى 1600 دينار للدولار ، داعياً إلى اعتماد المعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية .. أما اليوم فقد أصبح النقاش مختلفاً فالمعلومات المنشورة عن مسودة موازنة 2027 تتحدث بالفعل عن مقترح حكومي لدراسة سعر صرف يتراوح بين 1400 و 1500 دينار للدولار ، مع استمرار عدم حسم الرقم النهائي .. وهنا لا بدّ من التفريق بين مقترح في مسودة موازنة وبين قرار رسمي نافذ .. هذه التفرقة ليست تفصيلاً قانونياً أو إدارياً ، إنها مسألة تمس استقرار السوق وثقة المواطن .. والسؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح ليس هل سيكون السعر 1400 أم 1500 ؟ بل لماذا نحتاج إلى تغيير سعر الصرف أصلاً ؟ وما المشكلة التي نريد حلها بهذا التغيير ؟ إذا كان الهدف هو زيادة الإيرادات الدينارية للموازنة ، فإن هذا الهدف لا يمكن أن يكون وحده مبرراً كافياً لقرار بهذه الحساسية .. فمسودة موازنة 2027 ، بحسب المعلومات المتداولة ، تبلغ نحو 217 تريليون دينار ، فيما يدور العجز حول 40 إلى 50 تريليون دينار ، مع اعتماد سعر نفط عند 58 دولاراً للبرميل وتصديرات تقدر بنحو أربعة ملايين برميل يومياً . وهذه أرقام أولية ما زالت قابلة للتعديل قبل إقرار الموازنة .. وهنا نصل إلى جوهر الإصلاح المالي الذي طالما دعونا إليه ، العجز المالي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر تلقائي لخفض قيمة الدينار ، الإصلاح الحقيقي يبدأ من السيطرة على الإنفاق ، ومراجعة الإنفاق التشغيلي ، ومحاربة الفساد والهدر ، وتعظيم الإيرادات غير النفطية ، وإصلاح الضرائب والكمارك والمنافذ الحدودية ، وإعادة هيكلة الشركات والمؤسسات الحكومية الخاسرة ، وتوسيع دور القطاع الخاص ، وتنويع الاقتصاد العراقي ، وصولاً إلى تقليص اعتماد الدولة على النفط ..

أما تغيير سعر الصرف ، إذا رأت المؤسسات المختصة ضرورته ، فيجب أن يأتي ضمن رؤية مالية واقتصادية متكاملة ، لا باعتباره الطريق الأسهل لتوفير دنانير إضافية في الموازنة ..

فالخزينة قد تحصل على إيرادات دينارية أكبر من كل دولار نفطي عند رفع سعر الصرف ، لكن السؤال الذي لا يجوز تجاهله هو من يدفع الفارق ؟ يدفعه المواطن عندما ترتفع كلفة السلع المستوردة .. ويدفعه المستهلك عندما ترتفع كلفة الغذاء والدواء والمواد الأولية .. ويدفعه القطاع الخاص عندما ترتفع كلفة الاستيراد والإنتاج .. وقد يدفعه الاقتصاد كله إذا أدى القرار إلى مزيد من التضخم وإضعاف القوة الشرائية .. لهذا لا يجوز النظر إلى سعر الصرف من نافذة الموازنة وحدها ..

إنه قرار يمس المالية العامة ، والسياسة النقدية ، والأسعار ، والاستثمار ، والإنتاج ، والمدخرات ، والقوة الشرائية للمواطن .. ولهذا تحديداً فإننا بحاجة إلى خطاب اقتصادي مسؤول ، لا إلى تصريحات متعارضة .. لقد حان الوقت لأن تتوقف المؤسسات الدستورية والتنفيذية عن الحديث المتعدد الأصوات في هذا الملف .. الحكومة يجب أن تتحدث بصوت واحد ..

والبنك المركزي يجب أن يتحدث بوضوح .. ومجلس النواب يجب أن يميز بين المقترح والقرار .. ولا ينبغي لأي مسؤول ، أياً كان موقعه ، أن يطرح رقماً جديداً لسعر الدولار وكأنه يتحدث عن بند عادي في موازنة الدولة ..

فكل رقم يقال في الإعلام قد يتحوّل إلى توقع في السوق ، وكل توقع قد يتحول إلى مضاربة ، وكل مضاربة قد تتحول إلى ارتفاع في الأسعار ، وفي النهاية يكون المواطن هو من يدفع ثمن التصريح .. وهنا أقول للحكومة بوضوح ، إذا كان سعر الصرف قيد الدراسة ، قولوا ذلك .. وإذا كان القرار لم يُتخذ ، قولوا ذلك ..

وإذا اتُخذ القرار ، أعلنوه من الجهة المختصة وبمبرراته كاملة ..

أما أن يسمع العراقي اليوم رقماً ، ويسمع غداً رقماً آخر ، ثم يسمع من يقول إنّ الأمر لم يُحسم ، فهذا ليس خطاباً اقتصادياً يليق بدولة تريد أن تبدأ مساراً جدياً للإصلاح المالي .. لقد قلنا مراراً إنّ العراق لا يحتاج إلى حلول مالية مؤقتة ، بل إلى إصلاح مالي حقيقي يضع الاقتصاد على طريق التنمية المستدامة .. وهذا الإصلاح يبدأ قبل كل شيء من استعادة الدولة لسيطرتها على القرار المالي والاقتصادي ، ومن وضوح مؤسساتها وانضباط خطابها .. فالسوق يحتاج إلى الاستقرار ، والمواطن يحتاج إلى الطمأنينة ، والمستثمر يحتاج إلى رؤية واضحة ، والاقتصاد لا يمكن أن يُدار بالتسريبات والتصريحات المتناقضة ..

الدولار ليس لعبة تصريحات .. وسعر صرف الدينار ليس ورقة سياسية ، ولا أداة لجس نبض الشارع، ولا حلاً سحرياً لعجز الموازنة .. إنه قرار دولة .. وقرارات الدولة الكبرى تُدرس بهدوء ، وتُتخذ بمسؤولية ، وتُعلن بوضوح .. كفى تصريحات متناقضة بشأن سعر صرف الدولار .. آن الأوان أن تتحدث الدولة العراقية بصوت واحد ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *