المحبة… آخرُ ما يتعلّمه القلب

المحبة… آخرُ ما يتعلّمه القلب
يقدّم النص المحبة بوصفها ثمرة نضج روحي تبدأ بالقبول، وتمر بالارتقاء والنقاء والصبر، حتى يتحرر القلب من الأنا والكراهية. فالمحبة الحقيقية رؤية للإنسان والوجود تتجاوز التعلق، وتمنح صاحبها قلباً أوسع وفهماً أعمق....

من القبول إلى النقاء، رحلة الإنسان نحو أوسع مقامات الروح يُروى أن حكيمًا سُئل: متى يعرف الإنسان أنه أصبح مُحبًّا بحق؟ فقال: حين يكفّ عن سؤال الناس ماذا أخذ، ويبدأ بسؤال نفسه ماذا أعطى.

نحسب المحبة بدايةً، وأراها من أواخر منازل الطريق. فهي لا تولد من انفعال عابر، بل من قلب قطع رحلةً طويلة في تهذيب نفسه، حتى أصبح قادرًا على أن يحب من غير امتلاك، ويعطي من غير حساب.
وللمحبة، في رؤيتي، سُلَّم يبدأ بـالقبول. فالإنسان لا يستطيع أن يحب ما يرفضه في أعماقه. والقبول ليس رضًا بالخطأ أو استسلامًا للظلم، بل أن نرى الإنسان كما هو، لا كما نشتهي أن يكون.

ومن القبول يأتي الارتقاء، حين نتعلم أن نقرأ تجاربنا بدل أن نبقى أسرى لها. فالخسارة قد تصبح معرفة، والألم قد يصبح بصيرة، والارتقاء الحقيقي ليس انتقالًا في المكان، بل انتقالًا في الوعي.

ومن الارتقاء يولد النقاء، حين تخف سطوة الأنا، وتضعف الرغبة في الانتقام، ويصبح الإنسان قادرًا على رؤية الإساءة من غير أن يسمح لها بأن تصنع منه إنسانًا آخر.

ثم يأتي الصبر الجميل، لا بوصفه احتمالًا صامتًا للألم، بل قدرةً على تحويل الجرح إلى معرفة، من غير أن يتحول القلب إلى مستودع للكراهية.

وهنا تولد المحبة.

لا بوصفها تعلقًا بشخص، بل رؤيةً للوجود، أن ترى الإنسان قبل خطئه، والروح قبل مظهرها، وأن ترفض الظلم من غير أن تصبح نسخةً أخرى من الظالم.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فكل تغيير عميق يبدأ من الداخل، من النية، ومن مراجعة النفس، ومن تطهير القلب مما أثقلته به التجارب.
لهذا أرى أن المحبة ليست قرارًا، بل ثمرة قلبٍ قَبِل فارتقى، وارتقى فتنقّى، وتنقّى فصبر.

وعندها لا تعود المحبة علاقةً بين اثنين فحسب، بل تصبح طريقةً في رؤية الله والإنسان والوجود.
فليس أسمى ما يبلغه الإنسان أن يكون محبوبًا من الجميع، بل أن يخرج من تجاربه أقل كراهيةً، وأكثر فهمًا، وأوسع قلبًا.
المحبة ليست أول الطريق، بل آخرُ ما يتعلّمه القلب حين يتعلّم كيف يكون إنسانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *