الدين والجغرافيا والسياسة.. إعادة فهم الحقائق

الدين والجغرافيا والسياسة.. إعادة فهم الحقائق
يناقش النص تداخل الدين والجغرافيا والسياسة في تشكيل صراعات المنطقة، وينتقد سرديات تاريخية ودينية يعدّها ضعيفة الإسناد، داعياً إلى مراجعتها علمياً، ومواجهة الصور النمطية، وبناء جهد مؤسسي يعيد فهم تاريخ المنطقة وجغرافيتها...

شكل التشابك في منطقتنا بين (الدين والجغرافيا والسياسة) أحد أهم المغذيات التي أمدت حركة الأحداث في مساراتها المختلفة (السياسية والامنية والعسكرية والثقافية..)، وكان الأساس الذي تبنى عليه معظم المشاهد المتصورة للمستقبل.

يكمن جوهر التعقيد في إستناد عدد غير قليل من التصورات والرؤى الدينية إلى سرديات تتحدث عن جغرافيا هنا وأخرى هناك، وهذا الاستناد في غالبه متكأ على إرث هش من الدلائل والأسانيد، ومع كل الهشاشة التي فيه والثغرات التي تتخلله، يجري الحديث عنه “كحقائق مطلقة”.

منذ زمن طويل، وأصوات النقد تتعالى أمام هذا الجزم الذي يراد له أن يكون “صوتاً واحداً أحداً لا شريك له” قادمة من أنحاء مختلفة، فمرة من الآثار واخرى من دراسات النصوص وثالثة من التاريخ ورابعة من الجغرافيا وخامسة من دراسات الاحماض النووية وسادسة وسابعة.. الخ. فموسى عليه السلام لم يدخل مصر قط في حياته، وعيسى عليه السلام في العراق، ولا هيكل لسليمان ولا أثر لليهود في فلسطين، وكثير مما يخص اليهود مقسم بين اليمن والعراق، وما يقال عن الجزيرة ليس صحيحاً… الخ من المقولات الرصينة التي تفتت تماسك ما تم نسجه من “محاك” في ظل جهود جبارة للتلاعب بالتاريخ والدين وكل الحقائق.

إن معظم هذه الاطروحات، لا صلة لها بالسياسة، ولم تخرج من أروقتها، بل قدمت من المخابر العلمية ومؤسسات البحث وقدمتها، قامات علمية لها قدرها وقيمتها العالية في التراتبية المعرفية.

في الجانب الثاني من هذا الجهد، يشتغل “حقل دراسات إسرائيل” الممول بسخاء من إسرائيل ومتبرعين آخرين، في عدد غير قليل من الدول، ووسط رعاية علمية من جامعات مهمة، ليدافع عن ذلك “المحاك” وعن كل الصور النمطية التي تقدمها عن المنطقة، فضلا عن تعزيز ذلك بكل ما هو جديد في هذا المجال، طبعاً وقد سبق ذلك جهود الاستشراق الاستعماري، ومن قبله كل ما انتجه خط الزيف والضلال.

إن منطقتنا تموج وتغلي بالاحداث الجسام، والمستقبل، يشي بما هو أكبر وأعقد، وإن هذا الاحتقان والصراع، يتغذى بشكل كبير من ذاك التشابك المشار إليه بين الدين والجغرافيا والسياسة، الأمر الذي يجعل المسؤولية المتعلقة ب “جبهة النقد والتصحيح” أكبر من كونها إعادة نظر في المعارف والسرديات والصور النمطية، بل هي مدخل أوحدي لبناء “شرعية راسخة”، تمثل قاعدة مهمة لإعادة صياغة العقل الجمعي على كافة المستويات. والذي يمثل المنطلق لرسم مواقف سياسية وعسكرية وأمنية وأقتصادية، مستندة إلى هذه الشرعية المتماسكة.

صحيح ان الطريق طويل جداً لبلوغ الاهداف المرجوة في هذا المضمار، وأن التحديات كبيرة إلا ان ذلك لا يعفي المعنيين من مسؤولياتهم. وفي هذا السياق، لا ينبغي، ان يبقى هذا الجهد مقتصراً على الجهود الفردية، بل لابد ان يكون جهداً على مستوى الدول. وليكن الشعار “نعم لإعادة الجغرافيا المختطفة في ظل التأريخ الموهوم”، وهو شعار يتسع لمديات متنوعة من المعطيات التي تتحرك في إطاره.

أدعو مخلصاً، كل الذين لديهم “قولاً” مستنداً إلى المعرفة الحقة والبحث العلمي الرصين، بل كل من يستطيع الانخراط في هذا المجال، ان يستنقذوا تاريخ وجغرافيا وأديان منطقتنا من سرديات الوهم ومرويات الزيف، ومن جهود التدليس والتضليل، ليكون ذلك مفتاحاً لإعادة الفهم والتصور ثم بناء المواقف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *