بين التأسيس والامتداد الوسيط والامتداد المعاصر: السيد شرف الدين العاملي، والسيد سلطان الواعظين الشيرازي، والشيخ أحمد سلمان التونسي، وأنموذج الحوزة المتمكنة

بين التأسيس والامتداد الوسيط والامتداد المعاصر السيد شرف الدين العاملي، والسيد سلطان الواعظين الشيرازي، والشيخ أحمد سلمان التونسي، وأنموذج الحوزة المتمكنة
يستعرض النص نموذجاً لفاعلية الحوزة العلمية عبر ثلاثة امتدادات تاريخية، مبرزاً دور المناظرة والاستدلال من المصادر المشتركة والتواصل المجتمعي، مع التركيز على إسهام المرجعية النجفية في دعم الاعتدال والحوار وتحويل المعرفة الدينية إلى تأثير ثقافي واجتماعي...

المقدمة:

في تاريخ الحوزة العلمية، يوجد نوعان من الفقهاء: فقيه يحفظ المذهب في الكتب، وفقيه آخر يحفظ المذهب في قلوب الناس. الأول كثير، والثاني نادر جداً.

السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، والعلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي، والشيخ أحمد سلمان التونسي، ينتمون إلى النوع الثاني من الفقهاء، وهو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاح «الحوزة المتمكنة».

أولاً: السيد شرف الدين العاملي – المؤسس

السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، ولد في الكاظمية عام 1872، ونشأ في جبل عامل (لبناني الأصل وعراقي المولد).

درس في النجف على يد كبار مراجع عصره، حتى حصل على درجة الاجتهاد المطلق. كان يمكن أن يبقى في النجف الأشرف مرجعاً نبيلاً وأستاذاً محترماً، لكنه اختار طريقاً آخر، وهو العودة إلى جبل عامل.

ذهب إلى صور في جنوب لبنان، وهي مدينة فقيرة محتلة من فرنسا. وهناك أسس المدرسة الجعفرية، وجعلها تدرّس الفقه والرياضيات والجغرافيا معاً؛ لأنه كان يرى أن مواجهة الاستعمار، مثلما تحتاج إلى الجغرافيا، تحتاج إلى العلم.

وعندما احتلت فرنسا لبنان عام 1920، أفتى بالجهاد وقاد المقاومة بنفسه، فحكمت عليه فرنسا بالإعدام وأحرقت مكتبته.

أما منهجه العلمي، فقد كان ثورة علمية، وبالأخص في كتابه الأشهر «المراجعات»، الذي ناقش فيه شيخ الأزهر سليم البشري بروايات من صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد. وهذا هو قمة التمكن: أن تهزم خصمك بأسلحته هو.

ثانياً: العلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي – الامتداد الوسيط

ولد في طهران عام 1894م، ونشأ فيها، ثم هاجر إلى النجف الأشرف عام 1912م، ودرس على يد كبار مراجعها، كالشيخ محمد كاظم الشيرازي، والسيد أبي الحسن الأصفهاني، حتى نال درجة الاجتهاد.

وكان يمكن أن يبقى في النجف مرجعاً محترماً، لكنه اختار الهجرة العكسية إلى بيشاور في شمال الهند عام 1927، وهي مدينة سنية متعصبة لا يجرؤ الشيعي فيها على إظهار تشيعه.

وفي مسجد صغير، ناظر كبار علماء السنة عشر ليالٍ متتالية، أمام أربعة آلاف مستمع، خلال شهري رجب وشعبان، ولم يحتج عليهم بحرف واحد من الكافي، بل احتج عليهم من صحيح البخاري وصحيح مسلم وشواهد التنزيل وتاريخ الطبري.

فكان منهجه هو نفس منهج السيد شرف الدين العاملي، وثمرة تلك الليالي كتاب «ليالي بيشاور»، الذي يُعد بمثابة كتاب «المراجعات» بنسخته الثانية، لكنه لم يكن بصيغة المراسلة الهادئة مع شيخ الأزهر، بل كان في مواجهة مباشرة في الميدان، انتهت بتشيّع المئات على يديه.

ثالثاً: الشيخ أحمد سلمان التونسي – الامتداد المعاصر

بعد مئة عام، يأتي الشيخ أحمد سلمان التونسي ليعيد التجربة نفسها وبالمنهج نفسه، لكن في بيئة مختلفة تماماً.

درس الشيخ أحمد سلمان في النجف وقم حتى وصل إلى مرحلة البحث الخارج. كان يمكن أن يبقى هناك مدرساً، لكنه رجع إلى تونس، البلد ذي الصبغة المالكية مئة بالمئة، ويُكفَّر فيه الشيعي علناً.

منهج أحمد سلمان هو نسخة مطوّرة من منهج «المراجعات». فهو لا يفتح الكافي عندما يناظر سلفياً، بل يفتح صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد على الشاشة، ويقول له: اقرأ تلك الرواية وهذا الحديث بهدوء تام وثقة كبيرة، ويحتج على خصومه من كتبهم. والأهم من ذلك كله، أنه ترجم الحوزة العلمية إلى لغة يفهمها الناس، بلهجته التونسية المعسولة، على مواقع التواصل الاجتماعي.

رابعاً: المرجعية الرشيدة – الحاضنة التي صنعت نماذج التمكين

وهنا لا بد من الإشادة بدور المرجعية العليا في النجف الأشرف، فلولاها لما وجد السيد شرف الدين العاملي، ولا العلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي، ولا الشيخ أحمد سلمان التونسي.

عهد التأسيس والامتداد الوسيط:

كانت المرجعية بقيادة الميرزا النائيني والسيد أبي الحسن الأصفهاني. هذه المرجعية المحترمة لم تكن صامتة إطلاقاً؛ فعندما قاد شرف الدين العاملي المقاومة في جبل عامل، كانت برقيات الدعم تصل إليه من النجف الأشرف، واعتبره النائيني وكيله المطلق في بلاد الشام. فقالت له المرجعية حينها: اذهب إلى الثغر، فأنت ثغرنا في وجه فرنسا.

والسيد شرف الدين العاملي لم يكن يعمل وحده، بل كان يعمل بظهر مسنود من النجف الأشرف، ومثله تماماً عمل العلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي.

عهد الامتداد المعاصر:

أما مرجعية اليوم، بقيادة السيد علي السيستاني، أطال الله في عمره الشريف، فنجد معها الحاضنة نفسها بصيغتها المعاصرة.

السيد السيستاني هو الذي أفتى بأن السنة أنفسنا، وهو الذي فتح باب الحوار مع الفاتيكان ومع الأزهر، مانعاً للسب والشتيمة، وهذا الجو المعتدل هو الذي سمح لظاهرة مثل الشيخ أحمد سلمان التونسي أن تنمو وتعمل في تونس والمغرب العربي.

والشيخ أحمد سلمان نفسه يؤكد دائماً بأنه يمثل مدرسة النجف الأشرف، مدرسة الاعتدال والحوار والمعرفة.

الخاتمة:

وبمثلث التمكين، المتمثل في السيد شرف الدين العاملي، الذي ناظر شيخ الأزهر بالقلم في «المراجعات»، والعلامة السيد سلطان الواعظين الشيرازي، الذي ناظر علماء بيشاور باللسان في «ليالي بيشاور»، والشيخ أحمد سلمان التونسي، الذي يناظر التكفيريين عبر الشاشة، تحول العلم الحوزوي إلى أثر على الأرض بالأدلة القاطعة ولغة الأدلة الناصعة.

وبكيف الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *