الشك… مُنتِج أم عقيم؟ بين شجاعة السؤال وطمأنينة المعرفة

الشك... مُنتِج أم عقيم؟ بين شجاعة السؤال وطمأنينة المعرفة
يميز النص بين الشك المنتج الذي يقود إلى المعرفة والشك العقيم الذي يكرس الحيرة، مستحضراً القرآن والفلسفة والتصوف. ويؤكد أهمية السؤال والنقد وقبول الدليل، مع التكامل بين العقل والتجربة الروحية وصولاً إلى يقين واعٍ منفتح على المراجعة....

ليس كل يقينٍ فضيلةً، كما ليس كل شكٍّ رذيلةً. فقد يولد اليقين من رحم التقليد، فيتحول إلى جمودٍ يُغلق منافذ العقل، وقد يولد الشك من صدق السؤال، فيصبح بدايةً لرحلةٍ تنتهي بنور المعرفة. وبين هذين الموقفين تتحدد قيمة السؤال الإنساني، لا بوصفه تمرّدًا على الحقيقة، وإنما سعيًا إلى اكتشافها وتحريرها من أوهام الموروث وسلطة المسلّمات.

في رؤيتي الشخصية، لا أخشى السؤال الذي يطرق أبواب المجهول، وإنما أخشى عقلًا فقد شجاعة التساؤل، أو نفسًا اتخذت الشك غايةً لا وسيلةً. فالشك المنتج يفتح الطريق أمام المعرفة، بينما الشك العقيم يجعل الإنسان أسير حيرةٍ لا تنتهي، وكأن العقل يدور حول الحقيقة دون أن يمتلك إرادة الاقتراب منها.

إن تاريخ الفكر الإنساني لم يكن إلا تاريخًا للأسئلة الكبرى. فما من اكتشافٍ علمي، أو تحولٍ فلسفي، أو نهضةٍ حضارية، إلا وكان وراءها عقلٌ تجرّأ على مساءلة المألوف. فالسؤال ليس علامة نقصٍ في المعرفة، بل اعترافٌ بأن ما نعرفه لا يستنفد ما يمكن معرفته. ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات أن يتحول الموروث الفكري من أرضيةٍ للحوار إلى سلطةٍ تمنع التفكير، فتغدو الإجابات الجاهزة أكثر حضورًا من الأسئلة الحيّة.

ومن يتأمل الخطاب القرآني يجد أن العقل لم يُدعَ إلى الاستسلام الأعمى، بل إلى النظر والتدبر والاحتكام إلى البرهان، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111)، وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (النساء: 82). وفي ذلك إشارةٌ إلى أن الإيمان الواعي لا يتعارض مع التفكير، وأن الوصول إلى الطمأنينة لا يعني تعطيل العقل، بل توجيهه نحو إدراكٍ أعمق للحقيقة.

وفي الحكمة العلوية يقول حضرة الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه» (نهج البلاغة، الحكمة 81). وأرى أن من أسمى صور الإحسان أن يمتلك الإنسان شجاعة مراجعة أفكاره، والاعتراف بحدود معرفته، وألّا يجعل من قناعاته أسوارًا تمنعه من رؤية ما وراءها.

ولم يكن هذا المعنى بعيدًا عن مسارات الفلسفة الإنسانية. فقد جعل سقراط من الحوار والسؤال طريقًا لكشف التناقضات في الأفكار، بينما اتخذ رينيه ديكارت من الشك المنهجي وسيلةً للبحث عن أساسٍ معرفي متين. أما كارل بوبر، فقد ربط تقدم المعرفة العلمية بإخضاع النظريات للنقد والاختبار، لا بتحويلها إلى حقائق محصّنة ضد المراجعة.

وهنا تتجلى المفارقة بين الشك الذي يبني والشك الذي يهدم. فالأول يشبه الفلّاح الذي يقلب الأرض ليمنح البذور فرصة الحياة، أما الثاني فيظل يقلب التراب حتى يفقد معنى الزراعة. وليس الفارق بينهما في كثرة الأسئلة، بل في المنهج الذي يحكمها، والصدق الذي يوجّهها، والاستعداد لقبول ما يكشفه الدليل، حتى إن خالف قناعاتنا السابقة.

غير أن للمعرفة وجهًا آخر يتجاوز حدود البرهان العقلي إلى التجربة الروحية. ففي الرؤية الصوفية، لا يُلغى العقل حين يحضر القلب، بل يتكاملان في رحلة البحث عن المعنى. فالعقل يسأل ويُميّز، والقلب يتذوق، والروح تسعى إلى السكينة. وليس الذوق بديلًا عن الدليل في مسائل العلم، وإنما هو تجربةٌ إنسانيةٌ تمنح المعرفة الوجودية بُعدًا حيًّا يتجاوز حدود المفاهيم المجردة.

ومن هنا أرى أن اليقين الحقيقي ليس ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ولا إغلاقًا لأبواب التساؤل، بل بلوغ حالةٍ من الطمأنينة الواعية، يظل فيها الإنسان مستعدًّا للتعلم والمراجعة. فالعارف لا يتوقف عن السؤال لأنه وصل إلى معرفةٍ ما، وإنما تتغير طبيعة أسئلته، من البحث عن أصل الطريق إلى استكشاف آفاقه الأرحب.

وتكمن مسؤوليتنا الثقافية اليوم في تنمية عقلٍ ناقدٍ لا يخشى السؤال، وقلبٍ متواضعٍ لا يتعالى على المعرفة، وروحٍ تدرك أن اختلاف الرؤى لا يستلزم العداء، وأن الحوار ليس معركةً لإثبات الذات، بل فرصةٌ مشتركة للاقتراب من الحقيقة.

إنني أؤمن بأن الشك ليس بيتًا نسكنه، بل جسرًا نعبره. فمن خاف عبوره بقي أسير ما ورثه، ومن اتخذه مقامًا دائمًا ظل معلّقًا بين الضفتين. أما الباحث الصادق، فيعبره بعقلٍ يتفكر، وقلبٍ يتذوق، وروحٍ تتطلع إلى النور.

وتلك، في جوهرها، رحلة الإنسان من السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى الطمأنينة. فالغاية ليست أن نتوقف عن السؤال، وإنما أن نرتقي به، حتى يصبح كل سؤالٍ صادقٍ سُلَّمًا إلى نورٍ أوسع، وكل معرفةٍ جديدةٍ بابًا إلى فهمٍ أعمق للإنسان والوجود والحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *