حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
يبحث المقال مفهوم الحاكمية في مدرسة أهل البيت، رابطاً بين السيادة الإلهية والإمامة والعدل وولاية الفقيه، مع تناول دور الشعب في قبول الحكم، والاختلاف الفقهي في عصر الغيبة، وتحديات بناء نموذج سياسي يجمع الشرعية والكفاءة والمساءلة...

المقدمة : إنّ من أعظم القضايا التي شغلت الفكر الإنساني عبر التاريخ، قضية الحكم ومن يملك حقّ التشريع والسيادة، ومن هو الأجدر بقيادة المجتمع البشري نحو الكمال والسعادة. فالإنسان بطبعه اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش منفرداً، وحيثما وُجد الاجتماع وُجدت الحاجة إلى نظامٍ ينظّم العلاقات، ويحفظ الحقوق، ويمنع الظلم والفوضى. وقد تعدّدت النظريات في مصدر هذه السلطة، فمنهم من جعلها للشعب، ومنهم من جعلها للقوة، ومنهم من جعلها للوراثة والملك، ومنهم من أنكر الحاجة إلى حاكم أصلاً.

أما الإسلام، فقد قدّم رؤية متكاملة فريدة في هذه القضية، تقوم على أساس أن الحاكمية المطلقة لله وحده، وأن الإنسان خليفة الله في الأرض، لا مالك لها. وفي مدرسة أهل البيت عليهم السلام، تتجلى هذه الرؤية بأوضح صورها وأعمق معانيها، لأنهم عليهم السلام هم الترجمان الحقيقي للقرآن الكريم، وهم الذين جسّدوا حاكمية الإسلام في القول والعمل، في زمن النبوة وبعدها، وفي زمن الغيبة إلى يومنا هذا.

أولاً: مفهوم الحاكمية في القرآن الكريم : الحاكمية في اللغة مأخوذة من الحكم، وهو القضاء والفصل والتدبير والسيادة وفي الاصطلاح القرآني، تعني أن الأمر والنهي والتشريع والسيادة العليا هي لله تعالى وحده، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54].

فالله تعالى هو الخالق، والخالق هو الأعلم بمصالح مخلوقيه، وهو الأعدل في حكمه، وهو الأرحم بعباده، فلا يصحّ أن يُسلّم أمر التشريع إلى البشر الذين تحكمهم الأهواء والمصالح والجهل والنقص، وإن كان للبشر دور في التطبيق والتنفيذ والاجتهاد في إطار الشرع ولذلك نجد أن القرآن الكريم يرفض بشكل قاطع كل حاكمية تقوم على غير حكم الله، ويصفها بالجاهلية والطاغوت والكفر، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].

لكنّ الحاكمية الإلهية لا تعني أن الله يحكم الناس مباشرة من السماء، بل تعني أنه سبحانه نصب لهم من يمثّله ويطبّق حكمه في الأرض، وهم الأنبياء والأئمة عليهم السلام. فالحاكمية لله تشريعاً، ولرسوله وأهل بيته تطبيقاً وقيادةً وولايةً.

ثانياً: الولاية أساس الحاكمية في مدرسة أهل البيت: إنّ المحور المركزي لحاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو مفهوم الولاية. فالولاية ليست مجرد محبة عاطفية، ولا هي مجرد خلافة سياسية، بل هي امتداد للنبوة في حفظ الدين وقيادة الدنيا. فكما أن النبي صلى الله عليه وآله هو المبلّغ عن الله والمطبّق لحكمه، كذلك الإمام هو الوصي الذي يحفظ هذا الحكم ويقود الأمة به.

وقد نصّ القرآن على هذه الولاية في آيات كثيرة، منها آية الولاية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55]، والتي أجمع المفسرون على نزولها في أمير المؤمنين علي عليه السلام حين تصدّق بخاتمه وهو راكع. ومنها آية إكمال الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، التي نزلت يوم الغدير حين نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ولياً وإماماً للأمة من بعده، وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه».

وفي مدرسة أهل البيت، الإمامة منصب إلهي، لا يخضع لاختيار الناس وانتخابهم، لأن الناس قد يخطئون وقد تتلاعب بهم الأهواء، كما أن الإمامة تشبه النبوة في كونها مسؤولية عظيمة تحتاج إلى عصمة وعلم لدني، لا يملكهما إلا من اصطفاه الله. قال الإمام الرضا عليه السلام: «إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.

ولهذا فإنّ حاكمية الإسلام عند أهل البيت عليهم السلام ليست ديمقراطية غربية تفوّض التشريع لمجلس نواب يشرّع ما يشاء، ولا هي ديكتاتورية يفعل الحاكم ما يريد، بل هي حكومة إلهية عادلة، الحاكم فيها معصوم أو نائب عن المعصوم، ملتزم بحكم الله، مسؤول أمام الله وأمام الناس، لا يملك أن يبدّل حكماً أو يخالف شرعاً.

ثالثاً: أهداف حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت: إنّ الهدف من حاكمية الإسلام ليس مجرد السلطة والتسلط، بل هو تحقيق أهداف سامية رسمها القرآن وبيّنها أهل البيت عليهم السلام في سيرتهم.

  1. إقامة العدل والقسط:

العدل هو روح حاكمية الإسلام. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. وقد تجسّد هذا العدل في حكومة أمير المؤمنين علي عليه السلام، التي تُعدّ النموذج الأرقى للحكم الإسلامي بعد رسول الله. ففي عهده لأشتر النخعي حين ولّاه مصر، وضع دستوراً كاملاً للحكم العادل، قال فيه: «وأنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده». وكان عليه السلام يوزع بيت المال بالتساوي بين الناس، لا يفضّل عربياً على عجمي، ولا قريشياً على غيره، ويقول: «المال مال الله، والناس عباد الله». وقد عانى عليه السلام بسبب هذا العدل من انشقاق الكثيرين عليه، لأنهم اعتادوا على التمييز في العطاء في العهود السابقة.

  1. حفظ الدين وتبليغه:

الحاكم في مدرسة أهل البيت هو الحارس للدين، يمنع تحريفه وبدعه، وينشر تعاليمه الصحيحة. فالإمام علي عليه السلام قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من أجل حفظ وحدة الدين وصيانته من الانحراف. والإمام الحسين عليه السلام قدّم نفسه وأهل بيته وأصحابه قرابين في كربلاء من أجل أن تبقى حاكمية الإسلام حية، حين قال: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

  1. تحقيق الكرامة الإنسانية والحرية:

إنّ حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت لا تسلب الإنسان حريته، بل تحرره من عبودية البشر والطواغيت والأهواء، وتجعله عبداً لله وحده. فالإمام علي عليه السلام يقول: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً». والحرية في الإسلام ليست فوضى بلا ضوابط، بل هي حرية مسؤولة في إطار القيم والأخلاق. لذلك كان الأئمة عليهم السلام يدافعون عن حقوق المظلومين، حتى لو كانوا من غير المسلمين، وكانوا يرفضون الظلم بكل أشكاله.

  1. تحقيق الرفاه الاقتصادي والتكافل الاجتماعي:

لم تكن حاكمية الإسلام مجرد شعارات روحية، بل كانت نظاماً اقتصادياً عادلاً. فالزكاة والخمس والصدقات وبيت المال، كلها أدوات لتحقيق التكافل ومنع تراكم الثروة بيد فئة قليلة. وفي عهد أمير المؤمنين عليه السلام، لم يبقَ فقير في الكوفة إلا وكُفي، حتى قال عليه السلام: «ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني».

رابعاً: حاكمية الإسلام في عصر الغيبة: من الأسئلة المهمة التي تطرحها مدرسة أهل البيت: كيف تتحقق حاكمية الإسلام في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه؟

إنّ مدرسة أهل البيت لا تعتقد أن غيبة الإمام تعني تعطيل حاكمية الإسلام، بل تعني انتقال المسؤولية إلى الفقهاء العدول الجامعين للشرائط، الذين هم نواب عامون عن الإمام. وقد روى الشيخ الطوسي عن الإمام المهدي عليه السلام قوله: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم».

وعلى هذا الأساس قامت نظرية ولاية الفقيه، التي ترى أن الفقيه العادل العالم بأحكام الإسلام، القادر على إدارته، له الولاية في إدارة شؤون الأمة في عصر الغيبة، في حدود ما يقتضيه حفظ الإسلام والنظام. وليست ولاية الفقيه حكماً مطلقاً بلا ضوابط، بل هي مقيدة بالشريعة، وبالعدالة، وبمصالح الأمة، وبمشاورة أهل الخبرة.

وقد طبّق الإمام الخميني قدس سره هذه النظرية في الجمهورية الإسلامية في إيران، باعتبارها تجربة معاصرة لحاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت، رغم ما يواجهها من تحديات وانتقادات. ويؤكد أنصار هذه النظرية أن وجود حكومة إسلامية ولو ناقصة، خير من الفوضى وحكم الطاغوت، لأنها تحفظ بيضة الإسلام وتقيم شعائره وتمنع هيمنة الكفر والاستكبار.

وفي مقابل ذلك، هناك من يرى في مدرسة أهل البيت أن وظيفة الفقيه في عصر الغيبة هي الإفتاء والقضاء وتبليغ الأحكام، لا الحكم السياسي المباشر، وأن إقامة الدولة الإسلامية الكاملة موكولة إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام. وهذا الاختلاف في الرأي يدلّ على حيوية الفكر الشيعي وغناه، وعلى أنه لا يقبل الجمود، بل يجتهد في كل عصر ليفهم تكليفه.

خامساً: حاكمية الإسلام وعلاقتها بالشعب: قد يتوهم البعض أن حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت تتعارض مع إرادة الشعب، وأنها تفرض الحكم على الناس بالقوة. وهذا فهم خاطئ.

إنّ أهل البيت عليهم السلام يفرّقون بين مصدر الشرعية ومصدر المقبولية. فالشرعية تأتي من الله، لكنّ تطبيق الحكم يحتاج إلى قبول الناس وبيعتهم وطاعتهم. فالإمام علي عليه السلام لم يفرض نفسه على الناس بالسيف بعد مقتل عثمان، بل جاءه الناس وبايعوه بإرادتهم، وقال: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها.

كما أن أهل البيت عليهم السلام يؤكدون على الشورى والمشاورة في إدارة شؤون الحكم، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. فالشورى في مدرسة أهل البيت ليست مصدراً للتشريع، بل هي وسيلة لاختيار الأصلح في تطبيق التشريع، والاستفادة من خبرات الناس وعقولهم، كما أن الحاكم في الإسلام محاسب ومراقب من قبل الناس، فالناس لهم حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهم حق النقد والنصيحة، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ».

سادساً: التحديات المعاصرة لحاكمية الإسلام: تواجه حاكمية الإسلام في عصرنا تحديات كبيرة، منها هيمنة النظام العالمي الذي يقوم على فصل الدين عن السياسة، ومنها محاولات تشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب والتخلف، ومنها ضعف الوعي الديني لدى بعض الشباب، وانبهارهم بالنموذج الغربي ولمواجهة هذه التحديات، لا بد من تقديم نموذج عملي ناجح لحاكمية الإسلام، يقوم على العدل والشفافية والكفاءة وخدمة الناس، ويستفيد من التجارب الإنسانية في الإدارة والتقنية، دون أن يتنازل عن ثوابته وقيمه. ولا بد من تربية جيل يؤمن بأن الإسلام ليس مجرد عبادات فردية في المسجد، بل هو نظام شامل للحياة، يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق.

كما لا بد من الوحدة الإسلامية، فحاكمية الإسلام لا تتحقق بالتفرقة والطائفية، بل بالتعاون بين جميع المسلمين على أساس المشتركات، والاحترام المتبادل، كما كان أهل البيت عليهم السلام يدعون إلى ذلك، فقد كان الإمام الصادق عليه السلام يقول لأصحابه: «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً».

الخاتمة: إنّ حاكمية الإسلام في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليست نظرية مجردة في الكتب، بل هي مشروع حياة، بدأه رسول الله صلى الله عليه وآله، وضحّى من أجله أهل بيته عليهم السلام بدمائهم، وحمل رايته علماء الشيعة عبر القرون.

إنها حاكمية تقوم على أن الله هو المالك الحقيقي، وأن الإنسان خليفة مؤتمن، وأن الحاكم خادم للناس لا سيد عليهم، وأن الهدف من الحكم هو إقامة العدل، وحفظ الدين، وكرامة الإنسان، وسعادته في الدنيا والآخرة وإذا كان العالم اليوم يعاني من الظلم والفساد والحروب والفقر رغم تقدمه العلمي والتكنولوجي، فذلك لأنه ابتعد عن حاكمية الله، واتبع حاكمية الأهواء والمصالح. ولن يجد العالم طريقه إلى السعادة الحقيقية إلا بالعودة إلى حاكمية الإسلام الأصيلة، كما بيّنها أهل البيت عليهم السلام، الذين هم سفينة النجاة، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *