أعمدة خفية

أعمدة خفية
تتأمل النصوص في العلاقة بين الإيروتيكا والأخلاق، والفن والحياة، والفلسفة والشعر والدين والكتابة، وتدعو إلى تجاوز القوالب الفكرية الجاهزة، والنظر إلى الإبداع بوصفه تجربة مفتوحة لا تكتمل حدودها بالتعريفات الثابتة...

١-ما يُوصف به عصرنا الحالي أنّه عصرٌ جريء، وأنّ ما فيه من تقدّمٍ غير أخلاقي ليس سوى كذبةٍ كبيرة. فنحن ما نزال أسرى تلك الحِقَب الأكثر تقليدية، حِقَب الأجداد، التي رأت في الأيروتيكا فعلاً شنيعاً لا يجوز الغوص في دهاليزه، لأنّه يتعارض مع أخلاق الطبقة المستنيرة؛ تلك التي ترى أنّ على المرء الفرار من كلّ كلمة توقظ فيه الغريزة الجسدية.

منذ القدم، نُسبت الأيروتيكا إلى المتشرّدين والأفّاقين، أولئك الذين لا يرون في الحياة ما يستحقّ الالتفات سوى اللذّة اللحظية. ولهذا كان عجوز اللاوعي يردّد دائمًا: «الكبت هو إكسير الحضارة».

أمّا ألف ليلة وليلة، فلم تنبثق من أحداث أيروتيكية غايتها الإثارة وحدها، وإنما كانت بوابةً لاستدراج الفعل الحاكمي آنذاك نحو الطبقة الشعبية؛ تلك الطبقة التي جرى تغييبها عن التفكّر السياسي والاقتصادي، فلم تعد ترى في الحياة سوى إشباع رغباتها.

ومن هنا تشكّلت النظرة الموجّهة إلى الشرق الأوسط من قبل سادة العالم المجاور: نظرةٌ شعبوية لا تفكّر إلا في إشباع الرغبات، ولا تكفّ عن ابتكار وسائل وطرائق جديدة لإرضائها.

٢-غالباً ما يتميّز الفنانون أو الشعراء بحسِّ الدعابة في أحاديثهم أو كتاباتهم، لكن هذا الحسّ لا يلبث أن يتحوّل من عرضٍ جانبيٍّ إلى مبدأ أساسيّ، ثم إلى عمودٍ خفيّ تُبنى عليه بقيّة حياتهم وأفكارهم. وإذا أردنا مثالاً، فإن عجوز التناقضات خير شاهد حين قال نكتته الأشهر: «الله قد مات». كانت جملةً لتزجية الوقت، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى عصا حمل بها مطرقته وهدم من خلالها كلّ شيء. أعجبت النكتةُ أنثى، فأُعجب بها هو الآخر، وحين شحّ الماء بينهما، بحث كلٌّ عن نبعِه الخاص، فكانت نكتته الثانية: «لا تنسَ السوط عند الذهاب إلى النساء».

يقترف الإنسان خطأه في لحظة شرود، ثم يهب عمراً كاملاً لتبريره، ولا يكتفي بذلك، بل يحاول إقناع أمّة كاملة بأن ما اقترفه كان حسناً، بل حقّاً، وينبغي على الآخرين اتّباعه.

٣-ما الذي يجعلنا نحكم أن هذا شعر وأن ذاك ليس بشعر، وكل ما في حوزتنا ضفافٌ لكلمات لا متناهية؟ ولماذا نؤمن بوجود كلمات شعرية وأخرى لا تفي بالغرض؟

لماذا نصدّق ذلك العجوز لمجرّد أنّه صاغ لنا أساور بدائرة لا تبلغها الكلمات البدينة إلا بحمية حادّة قد تقتل شهوتها للحياة؟

الأمر أشبه بصنع الكيك؛ لا بدّ له من قالب كي يتشكّل. لكن ماذا لو خرج أشهى من أن يُحاصر بقالب؟ أليس في وسعه أن يبتكر شكله الخاص بدل أن يكبر وفق المسار المرسوم له؟

الشعر طفل متنكر بقناع اللغة، ولا يمكن أن تسبق ماهيته وجوده. فكيف نطالبه بأن يولد مكتمل التعريف قبل أن نسمح له بالتنفس؟ وكيف نحبسه في ماهية صلبة، وهو يعيد اختراع نفسه كل مرة ويفتح للغة ممرّاً لم يكن مرئياً؟

٤-على المرء ألّا يفعل شيئاً سوى القراءة

إن أراد أن يعبر إلى الضفة الأخرى

مطمئنّ البال.

٥-يا لها من حماقة…

كيف لمفكّرٍ لا أخلاقي أن يبتكر إلهاً يُعبَد آلاف السنين؟

والأعجب من ذلك، أنّه حتى لو كفر هذا المفكّر بصنيعته، لدافع الناس عن المصنوع ورجموا الصانع بالحجارة.

٦-جوهرُ الكتابة هو النقصان؛ أن تُكمل أنت ما بدأه غيرك أو ما مضى على موته آلاف السنين. لعلّ هويتنا الأدبية الحقيقية تكمن فيما نتركه وراءنا ناقصاً غير مكتمل، بكل ما فيه من فوضى.

الكاتب في أبسط صوره يعيش في تلك الفوضى.

لذلك يفكّر دائماً بالأشياء التي لم يكتبها بعد، وتُبهجه أكثر من الأشياء التي كتبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *