أرى أنَّ المعرفةَ ثمرةُ اللقاء بين العقل والقلب، وأنَّ الذوقَ هو نضجُ تلك الثمرة حين تتحول من فكرةٍ تسكن الذاكرة إلى حقيقةٍ تسكن الوجدان، ومن معنى ندركه إلى سلوكٍ نعيشه. فالعقلُ يمنحنا القدرةَ على الفهم، والقلبُ يهبُ ذلك الفهمَ دفءَ الشعور وصدقَ التوجه، أمَّا العملُ فيكشف مقدارَ ما تحقق في الإنسان من أثر تلك المعرفة.
وليس كلُّ مَن عرف ذاق، فثمة مسافةٌ روحية وأخلاقية بين إدراك الحقيقة والعيش في ضوئها، كالفرق بين مَن يقف على ضفة النهر واصفًا الماء، ومَن ينزل إليه فيرتوي. فالأولُ يمتلك وصفًا، والثاني يحمل تجربةً، وبين الوصف والتجربة تولد الحكمة.
ولعلَّ السؤالَ الذي رافق الإنسان عبر الحضارات هو: كيف تتحول المعرفة إلى حياة؟
في الرؤية القرآنية، لا ينفصل العلم عن تهذيب النفس واستقامة السلوك، يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، سورة البقرة، الآية 282. وفي الحكمة المنسوبة إلى حضرة الإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: «ثمرة العلم العمل به». وهنا تتجلى قيمةُ المعرفة في أثرها، لا في كثرة ما يختزنه العقل من معلومات.
وقد أدرك أهلُ التصوف هذا الفارق حين ميَّزوا بين العلم والذوق. فالإمام الغزالي رأى أنَّ معرفة الطريق لا تعادل السير فيه، وأنَّ إدراك المعنى بالعقل يختلف عن اختباره في أعماق النفس. وفي تجربة الجنيد البغدادي يصبح صدقُ السلوك واستقامةُ الإنسان شاهدين على حقيقة ما يدَّعيه من معرفةٍ روحية.
إنَّ قراءةَ آلاف الصفحات عن حلاوة العسل لا تمنحنا مذاق قطرةٍ واحدةٍ منه، كذلك الحقائق الروحية، قد نبلغها بالفهم، لكنَّها لا تصبح جزءًا من تكويننا الإنساني حتى نختبر أثرها في نفوسنا وأفعالنا.
ولا تقف هذه الرؤية عند حدود التصوف الإسلامي، ففي الحكمة الهندية القديمة يتردد السؤال عن معرفة الذات وعلاقتها بالحقيقة، بينما اهتمَّ الفيلسوف وليم جيمس بأثر التجربة الدينية في حياة الإنسان. وفي الأدب، جعل جبران خليل جبران المحبة والحرية تجربتين تتجاوزان حدود العبارة، فيما كشف دوستويفسكي عن مأساة الإنسان الذي يعرف الخير، لكنه يعجز أحيانًا عن اختياره.
وعلى اختلاف هذه الرؤى، يظلُّ السؤالُ الإنساني واحدًا: ما قيمة الحقيقة إذا لم تترك أثرًا في صاحبها؟
غير أنَّ الذوقَ ليس بديلًا عن العقل، ولا كلُّ شعورٍ عميقٍ دليلًا على بلوغ الحقيقة. فالذوقُ الناضج يحتاج إلى بصيرةٍ تميِّز، وضميرٍ يراجع، وأخلاقٍ تشهد على صدق التجربة. فمَن ذاق الرحمة أصبح أكثر رحمةً، ومَن عرف المحبة صار أوسع قلبًا في احتضان اختلاف الآخرين، ومَن استشعر القرب من الله ازداد تواضعًا وصدقًا وإحسانًا.
ومن هنا أرى أنَّ إحدى أزمات عصرنا تكمن في الخلط بين وفرة المعلومات وعمق المعرفة. لقد أصبح الوصول إلى العلم أيسر من أي وقتٍ مضى، لكنَّ الإنسان لم يصبح بالضرورة أكثر حكمةً أو عدلًا أو رحمةً. فقد نتحدث عن التسامح ونعجز عن قبول المختلف، ونرفع شعارات الإنسانية ثم نغفل عن كرامة الإنسان في تفاصيل حياتنا اليومية.
وهنا تتكشف المفارقة المؤلمة، فقد نمتلك لغةَ الفضيلة دون أن نمتلك شجاعتَها، ونحفظ معاني المحبة دون أن نعرف كيف نحب.
إنني لا أرى المعرفةَ غايةً مكتفيةً بذاتها، بل بدايةَ رحلةٍ يتصالح فيها العقل مع القلب، ويتحول فيها الوعي إلى مسؤولية، والإيمان إلى سكينة، والحكمة إلى أسلوب حياة.
فالذوقُ الحقيقي لا يجعل الإنسان أكثر ادعاءً لامتلاك الحقيقة، بل أكثر تواضعًا أمام اتساعها، وأكثر إدراكًا لما يجهله، وأكثر حرصًا على ألَّا تتحول معرفته إلى سلطةٍ على الآخرين، وإنما إلى نورٍ يهتدي به في معاملتهم.
ولعلَّ أسمى ما يبلغه الإنسان ليس أن يعرف كثيرًا، بل أن يصبح بما عرفه أكثر إنسانيةً، وأن يترك في حياة الآخرين أثرًا من رحمةٍ وعدلٍ وسلام.
ويبقى السؤالُ الذي أضعه أمام نفسي وأمام كلِّ باحثٍ عن الحقيقة:
كم معرفةً غيَّرت فينا شيئًا، وكم حقيقةً انتقلت من عقولنا إلى قلوبنا، ومن قلوبنا إلى حياة الآخرين؟
فليست الغايةُ أن نمتلك الحقيقة، بل أن نتعلم كيف نعيش في ضوئها.


