ليست المشكلة في العراق أنه يعاني ضعف الدولة فحسب، بل في أن الصورة التي يحملها المجتمع عن الدولة نفسها مضطربة، ومحمّلة بتصورات تبدو بديهية، لكنها قد تتحول إلى ألغام كامنة في الوعي. لا تنفجر هذه الألغام دفعة واحدة، بل تظهر كلما حاولنا فهم ما يجري، فنعود إلى التفسيرات ذاتها، ونكرر الأخطاء نفسها، وكأننا نتحرك داخل دائرة مغلقة. هنا لا يعود التاريخ مجرد سجل للوقائع، بل يصبح مدخلًا لفهم كيفية تشكل الوعي، وكيف تتحول بعض الأفكار إلى مسلمات تحصّن نفسها من السؤال والمراجعة.
منذ عامي 1920 و1921، مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، لم يكن التحدي مقتصرًا على إقامة المؤسسات، بل شمل بناء رابطة سياسية واجتماعية تستوعب تنوع المجتمع وتمنحه شعورًا بالمشاركة في كيان مشترك. لم تكن الدولة مجرد حل سياسي، لكنها لم تنجح دائمًا في التحول إلى تجربة اجتماعية يشعر المواطن بأنه شريك فيها. وحين تضعف هذه الرابطة، تصبح الطائفة والعشيرة والقومية مصادر بديلة للحماية والانتماء، لا بالضرورة لأنها تناقض الدولة بطبيعتها، بل لأن العلاقة بين المواطن والدولة لم توفر دائمًا ما يكفي من الثقة والعدالة والضمانات.
وفي خمسينيات القرن الماضي، بدا أن هناك محاولة لكسر هذا النمط. ففي العام 1954، حين تشكلت الجبهة الوطنية، كان ذلك تعبيرًا عن رغبة في بناء مساحة مشتركة تتجاوز الانقسامات، إلا أنها لم تفلح. وفي العام 1956، مع الاتحاد الوطني، عادت المحاولة في سياق أكثر توترًا. لكن ما لم يُفهم حينها أن هذه التحالفات كانت تتحرك فوق سطح لم يُعَد تشكيله. كانت السياسة تحاول القفز إلى الأمام، بينما الوعي ما يزال محكومًا بصور قديمة. لذلك، لم تعش هذه المشاريع طويلًا، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها لم تجد أرضًا تستقر عليها.
حتى جاء العام 1958، فسقط النظام الملكي وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ العراق. لم يكن ذلك مجرد تغيير في شكل الحكم، بل انتقالًا محمّلًا بصراعات حول الشرعية والهوية ومصدر السلطة. ومع تعاقب الأنظمة والانقلابات والصراعات، لم تتراكم الخبرة المؤسسية بالقدر الذي يسمح بتسوية الخلافات عبر قواعد مستقرة تحظى بقبول عام. وحين تتعثر المؤسسات في استيعاب التنافس، يصبح الصراع على الدولة نفسها أكثر إغراءً من التنافس داخلها. وهكذا لا تختفي المشكلة بتغيير النظام؛ فقد تنتقل إلى النظام الجديد، وتعيد إنتاج نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
وإذا نظرنا إلى التجربة الفرنسية، ولا سيما التحولات الفكرية والسياسية التي سبقت الثورة الفرنسية عام 1789 ورافقتها، وجدنا أن سؤال الدولة ارتبط أيضًا بسؤال الإنسان والمجتمع والسلطة والمعرفة. أسهم فولتير وديدرو وغيرهما من فلاسفة التنوير في نقد الامتيازات والسلطة الدينية والسياسية، فيما قدّم جان جاك روسو تصورات عن التربية في «إميل»، والسياسة في «العقد الاجتماعي»، والتفاوت الاجتماعي في كتابه «أصل التفاوت بين الناس». لم تكن هذه المشروعات متطابقة، لكنها أسهمت في توسيع مجال التفكير في شروط الاجتماع السياسي، ومصادر الشرعية، وإمكان إعادة تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة والسلطة.
ومع ذلك، لا يصح تصوير الثورة الفرنسية بوصفها انتقالًا مستقيمًا من العقل إلى الاستقرار؛ فقد شهدت عنفًا وصراعات حادة، وكان عهد الإرهاب بين عامي 1793 و1794 أحد أبرز تجلياتها. ولا يمكن اختزال تلك المرحلة في تطرف فولتير أو تفسير استقرار المؤسسات الفرنسية اللاحق بأثر روسو وحده. الأهم أن التجربة الفرنسية تكشف أن الأفكار النقدية نفسها قد تتحول إلى أدوات إقصاء حين تُعامل بوصفها يقينيات تبيح فرض تصور واحد للمجتمع. فالتنوير لا يمنح صاحبه حصانة من الدوغمائية، كما أن نقد السلطة لا يضمن تلقائيًا بناء سلطة أكثر عدلًا.
أما في العراق، فلم تتبلور تسوية مستقرة بين تعدد المجتمع ومبدأ المواطنة، وظلت مشاريع سياسية عديدة تتنافس على تعريف الدولة والمجتمع والهوية، مستندة إلى مرجعيات قومية وماركسية وإسلاموية وغيرها. ولم تكن المشكلة في استيراد الأفكار بحد ذاته، بل في تحويل بعضها إلى قوالب جاهزة تُسقط على الواقع من دون اختبار كافٍ لمدى ملاءمتها له. وحين تصبح الأيديولوجيا أهم من الإنسان الذي يُفترض أن تخدمه، يغدو المجتمع مادة لمشروع فكري أو سياسي، بدل أن يكون مصدرًا لمساءلته وتصحيحه.
وبعد عام 2003، ومع كتابة دستور عام 2005، أتيحت فرصة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة والمؤسسات. لكن نظام المحاصصة السياسية رسّخ، في جانب مهم من ممارسته، التعامل مع الجماعات بوصفها وحدات منفصلة لتوزيع السلطة والموارد. لم تكن المحاصصة مجرد ترتيب لتقاسم المناصب، بل عكست تصورًا يرى الاستقرار في موازنة مراكز الانتماء أكثر مما يراه في بناء مؤسسات عامة متساوية أمام المواطنين.
وهكذا أمكن أن تتحول آلية قُدّمت بوصفها ضمانة لتمثيل المكونات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام وتغذية الشك المتبادل.
هنا تبرز أهمية مفهوم «العقل المفخخ». فهو لا يعني أن المجتمع العراقي محكوم بطبيعة ذهنية ثابتة، ولا أن الانتماء الطائفي أو القومي تفخيخ في ذاته، بل يتيح فحص الكيفية التي تتحول بها القناعات إلى دوغمائيات مقنّعة. يحدث ذلك حين تُستقبل الفكرة بوصفها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان، وحين تتحصن من الاختبار، وتنتقي الوقائع التي تؤكدها، ثم تجعل نقدها تهديدًا للهوية أو خيانة للجماعة. عندئذ لا يعود السؤال: ما أسباب المشكلة؟ بل: من يقف وراءها؟ ومن المستفيد منها؟ وهل يخدم هذا التفسير جماعتنا أم خصومنا؟
بهذه الطريقة، يتحول الواقع إلى سلسلة من الإشارات التي تؤكد ما نعرفه مسبقًا. وقد يصبح الفشل دليلًا على مؤامرة الخصوم، أو يصبح نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتنا، فيما تُستثنى الجماعة التي ننتمي إليها من النقد الذي نوجهه إلى غيرها. لا تكمن المشكلة في وجود المصالح أو الصراعات، فهي جزء من الحياة السياسية، بل في تحويل الانتماء إلى معيار للحقيقة، بحيث تتحدد قيمة الفكرة وفقًا لهوية قائلها، لا وفقًا للأدلة التي تسندها.
ولا ينشأ هذا النمط من فراغ. فالتجارب التاريخية غير المحسومة، والذاكرة الانتقائية، والخطابات السياسية، ومؤسسات التنشئة، كلها قد تسهم في تشكيل تصورات يصعب إخضاعها للمراجعة. ومع التكرار، يتحول ما أنتجته ظروف تاريخية محددة إلى ما يبدو كأنه طبيعة الأشياء. وهنا يقع أحد أخطر أشكال التفخيخ: أن ننسى أن تصوراتنا عن الدولة والجماعة والآخر قد تشكلت تاريخيًا، فنظن أنها حقائق ثابتة لا بدائل لها.
في الحياة اليومية، يظهر هذا التناقض حين يفقد المواطن ثقته بالدولة، لكنه لا يتصور الحماية إلا من خلال جماعته؛ وحين يرفع السياسي شعار الوطن، بينما يحتكم في الممارسة إلى حسابات الولاء والتوازن؛ وحين تتكرر كلمات مثل العراق والحقوق والمواطنة، لكن معانيها تختلف بحسب موقع المتحدث وانتمائه. تبدو اللغة واحدة، فيما تتنازعها تصورات متباينة عمّن يستحق الدولة، ومن يملكها، ومن يحق له تعريف المصلحة العامة.
وتنتقل هذه التصورات إلى الأجيال الجديدة عبر ما تتعلمه في الأسرة والمدرسة والفضاء العام والخطاب السياسي. فلا يرث الفرد المواقف وحدها، بل قد يرث أيضًا طرق تفسير الأحداث وتحديد الصديق والعدو. وحين يتكرر نمط واحد من التفسير، يصبح البديل غريبًا أو غير واقعي، لا لأنه مستحيل، بل لأنه يطالب الفرد بمراجعة ما اعتاد اعتباره بديهيًا.
لهذا لا تكمن المشكلة في نقص الحلول السياسية وحده، بل في الكيفية التي تُفهم بها الحلول وتُستقبل. فقد تُسن القوانين من دون أن تتغير التصورات التي تعطل تطبيقها، وقد تتبدل الوجوه فيما تستمر قواعد السلوك ذاتها. لكن ذلك لا يعني أن الإصلاح الثقافي ينبغي أن يسبق الإصلاح المؤسسي أو يحل محله؛ فالعلاقة بينهما متبادلة. المؤسسات العادلة تعزز الثقة والمواطنة، فيما تساعد الثقافة النقدية على حماية المؤسسات من الاستحواذ والتوظيف الفئوي.
العراق، بهذا المعنى، لا يعيش أزمة دولة فحسب، بل أزمة في معنى الدولة كما يتشكل داخل الخطاب والممارسة. ولا يعيش أزمة نظام سياسي فقط، بل أزمة في التصورات التي تمنح هذا النظام شرعيته، أو تبرر اختلالاته، أو تعيد إنتاجها. ومن هنا تصبح مساءلة الوعي جزءًا من فهم الأزمة، لا بديلًا عن تحليل المصالح والبنى والمؤسسات التي تسهم في صنعها.
إذا كان ثمة طريق مختلف، فإنه يبدأ من سؤال لا يقل أهمية عن سؤال من يحكم: كيف نفهم الدولة أصلًا؟ من أين جاءت تصوراتنا عن الوطن والجماعة والحقوق؟ ولماذا نمنح بعض قناعاتنا حصانة من النقد، بينما نطالب الآخرين بمراجعة قناعاتهم؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف الانتماءات في ذاتها، بل تختبر قدرتها على التعايش مع الاختلاف، وقبول الأدلة، والتراجع حين يتبين الخطأ.
فالدولة ليست صورة ذهنية فقط، وليست مؤسسات منفصلة عن المجتمع؛ إنها علاقة تتشكل بين القانون والممارسة والثقة والمعنى. وحين تتحول تصوراتنا عنها إلى يقينيات مغلقة، يصبح من الممكن إعادة إنتاج الانقسام حتى داخل مشاريع الإصلاح نفسها. لذلك لا يبدأ بناء الدولة من تغيير ما نراه في المؤسسات وحده، بل يتطلب أيضًا أن نفحص ما نحمله في وعينا عنها. فالمؤسسات قد تُعاد صياغتها، لكن العقل الذي يبرر اختلالها قادر على إعادة إنتاجها بأسماء جديدة. وهنا تحديدًا تكمن خطورة العقل المفخخ: ليس في أنه يمنعنا من رؤية المشكلة، بل في أنه قد يجعلنا نرى المشكلة بوضوح، ثم يدفعنا إلى تبرير الأسباب التي تعيد إنتاجها.


