إنه النضج السياسي وتنامي الوعي لدى اليمنيين بمقتضيات المرحلة الراهنة، وبما تستلزمه من حسابات دقيقة لتحقيق نصر استراتيجي ناجز في حرب تتجاوز تداعياتها حدود اليمن، وتمتد آثارها إلى العالم بأسره.
فقد أعلنوا أن مرور السفن التجارية متاح لجميع دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، باستثناء السعودية. ويأتي هذا القرار تأكيدًا على أن حربهم مرتبطة بفك الحصار المفروض عليهم من جانب الرياض، من دون دوافع أخرى سياسية أو انتقامية.
ولذا، لا بد من بيان بعض الجوانب لهذا التوجه الملفت على النحو الآتي:
أولًا: لقد حرص أنصار الله على ألّا تتحول معركتهم مع السعودية إلى جزء من الحرب الإيرانية ــ الأمريكية، وألّا يُنظر إليهم بوصفهم تابعين لإيران أو طرفًا يتحرك وفق أجندتها، حتى وإن كانت انعكاساتها تصب في مصلحتها وتقوية جبهتها.
وهو يتوافق في جانب منه مع الخطاب الإيراني الذي يؤكد بصورة مستمرة أن لإيران حلفاء في المنطقة، وليس أدواتٍ تحركها متى شاءت، وأن هؤلاء الحلفاء يمتلكون قرارهم وإرادتهم المستقلة، ويتخذون مواقفهم باستقلالية تامة، وينخرطون في الصراعات الإقليمية انطلاقًا من تقديراتهم ومصالحهم، لا بوصفهم وكلاء لتنفيذ الإرادة الإيرانية.
ثانيًا: يدرك أنصار الله جيدًا أن إغلاق باب المندب، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز والتحكم به من قبل الإيرانيين، ستكون له تداعيات كارثية على المستوى العالمي. ومن شأن مثل هذا التطور أن يمنح السعودية ذريعة لتفعيل تحالفات دولية لاستهدافهم، بل قد يدفع الولايات المتحدة ودولًا أخرى إلى اللجوء إلى مجلس الأمن لاتخاذ خطوات أمنية وعسكرية تضع حكومة صنعاء في مواجهة المجتمع الدولي بأسره، وهو ما لا يصب في مصلحتها الاستراتيجية ولا مصلحة حليفتها إيران.
ومن هذا المنطلق، فإن حصار السفن السعودية يمكن تبريره بمبدأ التعامل بالمثل، إلى أن ترفع السعودية الحصار المفروض عليهم.
ثالثًا: في حال نجحت حكومة صنعاء برفع الحصار عنها، فإنها ستتمكن، على نحو سريع، من إعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وترسيخ تموضعها الجيوسياسي الجديد، بما يضيف قدرة نوعية جديدة إلى معادلة الصراع مع إسرائيل.
رابعًا: إن هذه الخطوة من شأنها أن تجنّب اليمنيين الدخول في مواجهة مع مصر وبقية دول المنطقة، وأن تكسبهم تعاطفًا دوليًا وإقليميًا فاعلًا، وتفتح لهم نافذة للعمل من أجل إرساء نظام ملاحي جديد في البحر الأحمر يعزز قدراتهم الأمنية والاقتصادية.
خامسًا: إن من شأن هذه الخطوة أيضًا أن تدفع الولايات المتحدة إلى العدول عن إنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة بربرة على أرض الصومال.
سادسًا: ستؤدي هذه الخطوة إلى استنزاف السعودية ووضعها في حالة من العزلة؛ فإما أن تستمر في حربها ضد اليمن، بما يؤدي إلى إنهاكها تدريجيًا، وإما أن ترفع الحصار عنهم، فتكون صنعاء وحلفاؤها قد حققوا انتصارًا استراتيجيًا كبيرًا جدًا.
سابعًا: لكن لماذا تسمح بمرور السفن الإسرائيلية؟
من المعلوم أن في غزة وقفًا لإطلاق النار برعاية دولية لا تزال تفاعلاته جارية، وهي لا تريد أن تكون طرفًا في انهيار هذا الاتفاق قبل أن يصل إلى نتيجته النهائية. كما أنها دفعت إسرائيل إلى عدم التفكير في الدخول في مواجهة مباشرة معها في البحر الأحمر.
ثامنًا: اليمنيون، كما الإيرانيون، لا يريدون امتلاك المضائق، وإنما يؤكدون حقهم في إدارتها، وألّا تتحول إلى أداة للتضييق عليهم ومحاصرتهم.


