بعد أن شاهدت لقاء الاعلامية منى سامي بالفنانة آلاء حسين وسؤالها عن عقيدتها وحبها للوطن ؛ أيهما أهم وأيهما أولى ؟
قررت ان أكتب حول هذه المسألة وأقول ؛
لماذا يُواجه الشيعي دون غيره في كثير من الأحيان، هذا السؤال: “أيهما أهم عندك وأحب إليك ؛ عقيدتك أم وطنك؟”
لقد أصبح هذا السؤال شائعًا في الأوساط الإعلامية وغيرها، وكأن الشيعي وحده مطالب بأن يضع عقيدته في كفة، ووطنه في كفة أخرى، ثم يقدّم إجابة يثبت بها ولاءه وانتماءه.
في حين لا نرى السؤال نفسه يُوجَّه بالقدر ذاته إلى إخوتنا من أهل السنة، مسؤولين كانوا أم من عامة الناس، ولا إلى إخوتنا الكورد أو المسيحيين، إلا في حالات محدودة حينما يكون الكوردي شيعيًا!
وهنا يحق لنا أن نتساءل ؛ هل المقصود التشكيك في وطنية الشيعي وحبه لبلده؟ أم الاستخفاف بعقيدته؟ أم أن الأمر امتداد لموروثات حقبة البعث العفنة، التي زرعت الشكوك والفرقة بين أبناء الشعب العراقي؟
لماذا يُطالَب الشيعي دائمًا بإثبات وطنيته، وكأن انتماءه موضع شك، بينما لا يُطالَب الآخرون بإثبات مماثل؟
أليست ثورة العشرين، بمرجعيتها وقيادتها وحضور أبنائها الشيعة البارز في مواجهة الاحتلال البريطاني، شاهدًا على عمق انتمائهم الوطني؟
ألا تكفي مواقفهم في مقاومة الاحتلال الأمريكي، وفي مواجهة تنظيم داعش الإرهابي وهزيمته؟
ألا تكفي تلك الآلاف المؤلفة من الشهداء، الذين احتضنتهم مقابر النجف الأشرف وسائر مدن العراق، دليلًا على ما قدموه لوطنهم؟
ألا تستحق هذه المواقف أن تُقرأ بوصفها صفحات من تاريخ العراق، بدلًا من أن يبقى الشيعي مطالبًا في كل مرة بإثبات ما أثبتته التضحيات والدماء؟
إن السؤال الأجدر بالطرح ليس أيهما أحب إلى الشيعي عقيدته أم وطنه؟
بل لماذا يُفترض أصلًا وجود تعارض بين عقيدة الإنسان وحبه لوطنه؟
متى كانت العقيدة الشيعية، بحد ذاتها، سببًا في الإضرار بالعراق أو الإساءة إليه؟ ولماذا يُصوَّر الانتماء المذهبي وكأنه نقيض للانتماء الوطني؟ فالوطنية تُقاس بالمواقف والأعمال، وصيانة الوطن واحترام حقوق أبنائه، لا بالمذهب الذي يعتنقه المواطن.
ومن هنا تبرز تساؤلات مهمة ..ما الغاية من تكرار هذه الإثارة الإعلامية؟ هل المقصود التشكيك في عقيدة الشيعة أم النيل من وطنيتهم؟ أم تكريس صورة نمطية تجعل هذا المكوّن في موضع الاتهام دائما؟
أم أن وراء الأمر أهدافًا أخرى تتجاوز ما يظهر على السطح؟
إن خطورة هذا الخطاب تكمن في أنه يعيد إنتاج حساسيات الماضي، ويزرع الشك بين أبناء الشعب الواحد، ويحوّل التنوع المذهبي إلى وسيلة للتخوين والمزايدة.
إن العراق وطن الجميع، وليس ملكًا لمذهب دون آخر. والشيعي، كالسني والكردي والمسيحي وسائر المكوّنات، لا ينبغي أن يكون مطالبًا بإثبات حبه لوطنه بسبب هويته الدينية أو المذهبية.
فالوطنية ليست امتحانًا يُفرض على الشيعة وحدهم، ولا تهمة يُطلب منهم نفيها، بل هي حق أصيل لكل عراقي ومسؤولية مشتركة بين الجميع.
إن قوة العراق في وحدة أبنائه، واحترام عقائدهم، وترسيخ المواطنة المتساوية. أما عقيدة الشيعة، التي يعتز بها أبناؤها ويرون فيها مصدرًا للإيمان والقيم والتضحية، فلا ينبغي أن تتحول إلى موضع اتهام جماعي أو ذريعة للتشكيك في ولائهم.
فالعراق لا يُحمى بالتشكيك في عقائد أبنائه، ولا بتوزيع شهادات الوطنية عليهم، بل بالعدل ووحدة الصف واحترام التنوع والولاء الصادق للوطن.
فلماذا يُطالَب الشيعي دائمًا بإثبات وطنيته؟
أليس من حقه أن يُحاكَم على أفعاله ومواقفه، لا أن يُشكَّك في انتمائه بسبب عقيدته؟


