منذ حكومة العبادي، مرورًا بحكومتي الكاظمي والسوداني، وانتهاءً بالحكومة الحالية، تعاملت الحكومات العراقية المتعاقبة مع العقوبات الأمريكية الأحادية المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران، وتكيّفت معها بدرجات متفاوتة، دون أن نرى موقفًا عراقيًا حازمًا يرفض مبدأ فرض هذه العقوبات من أساسه.
وكان أقصى ما تسعى إليه الحكومات السابقة والى الآن هو محاولة الحصول على استثناءات أو إعفاءات تسمح باستمرار استيراد الغاز والكهرباء من إيران، أو إيجاد ترتيبات أخرى لتجنب الاصطدام بالعقوبات الأمريكية. وتراوحت هذه الإعفاءات بين التمديد والتقليص والالغاء بحسب المرحلة والظرف السياسي.
وهنا نطرح سؤالًا منطقيًا..
ما الفرق، من حيث المبدأ، بين الاستجابة للضغوط الأمريكية عندما تكون بهدف محاصرة إيران اقتصاديًا وسياسيًا، وبين الاستجابة لها إذا تطورت يومًا إلى ضغوط قاسية بهدف الدخول في مواجهة عسكرية معها؟
إذا كان المبدأ واحدًا، والضغط واحدًا، والذريعة واحدة، فما الذي يجعل البعض يستبعد احتمالية أن يأتي يوم يُطلب فيه من العراق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن ينخرط في مواجهة أو حرب ضد الجمهورية الإسلامية؟
نحن لا نتحدث هنا عن التنبؤ بالمستقبل، ولا نزعم أن ذلك سيحدث حتمًا، وإنما نطرح احتمالية سياسية تستند إلى تجربة واقعية،
كلما تصاعدت الضغوط الأمريكية على إيران، وجد العراق نفسه أمام خيارات صعبة، وغالبًا ما كان يحاول التوفيق بين متطلبات علاقته بواشنطن وحاجته إلى علاقته الاقتصادية والأمنية مع طهران. وحتى في ملف الطاقة، واصل العراق البحث عن بدائل لتقليل اعتماده على إيران، تحت ضغط العقوبات الأمريكية. لا يمكن اختزال علاقة العراق بإيران في الحسابات السياسية والاقتصادية وحدها؛ فبين الشعبين امتد تاريخ طويل من التداخل الثقافي والديني والاجتماعي، وتشكّلت عبره روابط إنسانية عميقة تتجاوز تبدّل الحكومات والظروف. ولذلك فإن النظر إلى إيران بوصفها مجرد طرف خارجي يغفل جانباً مهماً من الواقع الاجتماعي للمنطقة، حيث المصالح المتبادلة والروابط العائلية والدينية وحركة الزائرين والتبادل الثقافي أسهمت في بناء مساحة واسعة من التواصل بين المجتمعين. ومن هنا فإن أي نقاش حول العلاقة مع إيران يحتاج إلى قراءة هادئة تحفظ مصالح العراق، من دون تحويل الاختلاف السياسي إلى قطيعة اجتماعية أو خصومة بين الشعوب.
وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الجميع دون استثناء وبوضوح تام هو:
إذا كان قبول الضغوط الاقتصادية والسياسية يُبرَّر اليوم بالمصلحة العراقية، فما الضمان ألّا يُطلب غدًا تحت وطأة ضغوط أكبر، وصولًا إلى الانخراط في مواجهة عسكرية؟ وأين هو الخط الأحمر الذي لن يتجاوزه العراق؟
ومن يرى أن هذا الاحتمال غير منطقي أو غير وارد، فليقدّم دليله المنطقي، وليوضح لنا ما الضمانات التي تمنع انتقال الضغط من مرحلة العقوبات والحصار إلى مرحلة الحرب والمواجهة.
وليرينا غيرته وشجاعته في رفض الخنوع للارادة الخارجية .
ومن يرفض الخضوع والارتهان، فنحن معه.
نعم نحن معه !


