يمر الاقتصاد العراقي بتحديات مالية متزايدة نتيجة اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، وارتفاع الإنفاق العام، والحاجة الملحّة إلى تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز الإيرادات غير النفطية. وفي ظل هذه الظروف، أقر مجلس الوزراء، خلال جلسته المنعقدة في 27 تشرين الأول 2026، تعديل قراره المرقم (336) لسنة 2026، بما يتضمن إطفاء المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية.
وبحسب القرار، يكون الإطفاء بنسبة 100% عند تسديد أصل الضريبة المستحقة خلال الأشهر الستة الأولى من صدوره، وبنسبة 50% عند التسديد خلال الأشهر الستة اللاحقة. وبذلك، فإن الإجراء لا يعني الإعفاء من أصل الضريبة، وإنما إسقاط الغرامات والمبالغ الإضافية مقابل تسديد الالتزامات الضريبية المتأخرة.
قد تبرر الحكومة هذا الإجراء برغبتها في تحصيل الضرائب المتراكمة، وتسوية الملفات العالقة، وتوفير سيولة للخزينة العامة بدلاً من استمرار تراكم ديون وغرامات قد يصعب تحصيلها. وهذا التبرير يمكن فهمه من الناحية المالية، لكن نجاح السياسة لا يُقاس بمجرد صدور القرار أو ارتفاع التحصيل خلال فترة التسوية، وإنما بحجم الإيرادات الإضافية التي ستتحقق فعلياً، مقارنة بما كان بالإمكان تحصيله دون منح هذه التسهيلات.
ومن هنا، تبرز ضرورة إجراء تقييم مالي يوضح إجمالي الضرائب المستحقة، وقيمة الغرامات التي سيجري إطفاؤها، وحجم المبالغ المتوقع تحصيلها. فهناك فرق اقتصادي بين التنازل عن غرامات يصعب تحصيلها مقابل استرداد أصل الضريبة، وبين إسقاط مستحقات كان بالإمكان تحصيلها بالإجراءات القانونية الاعتيادية. وفي الحالة الثانية، تتحمل الخزينة العامة كلفة مالية قد لا يقابلها تحسن حقيقي في الإيرادات.
ويبرز هنا سؤال آخر يتعلق بالعدالة الضريبية: لماذا تُمنح هذه التسهيلات للجامعات والكليات والمعاهد الأهلية تحديداً؟ وهل يستطيع أصحاب المشروعات الصغيرة والشركات التجارية الحصول على تسويات مماثلة إذا تأخروا في تسديد الضرائب؟ وما المعايير الاقتصادية والقانونية التي استندت إليها الحكومة في تخصيص هذا القطاع بالتسهيلات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية، لأن العدالة الضريبية لا ترتبط بمقدار الضريبة المفروضة وحده، وإنما تشمل أيضاً المساواة في تطبيق الالتزامات والتسهيلات بين المكلفين الذين تتشابه ظروفهم.
كما أن تكرار إسقاط الغرامات قد يضعف الانضباط الضريبي؛ إذ قد يدفع بعض المكلفين إلى تأجيل التسديد انتظاراً لقرارات إعفاء مستقبلية، خصوصاً إذا أصبح الاعتقاد سائداً بأن التأخر في الدفع يمكن تسويته لاحقاً دون تحمل كامل تبعاته المالية. وهذا احتمال ينبغي أخذه بالحسبان من خلال وضع ضوابط واضحة تمنع تحول الإعفاءات الاستثنائية إلى ممارسة متكررة تكافئ المتأخرين على حساب الملتزمين بمواعيد التسديد.
إن القضية ليست في اعتبار إطفاء الغرامات صحيحاً أو خاطئاً بصورة مطلقة، وإنما في مدى استناده إلى دراسة مالية واضحة، وما يحققه من إيرادات إضافية، ومدى عدالته مقارنة ببقية المكلفين. كما أن الشفافية تقتضي إعلان نتائج التسوية بعد انتهاء المدد المحددة، حتى يمكن معرفة ما حققته الخزينة فعلياً وما تنازلت عنه.
فإذا أدى القرار إلى تحصيل ضرائب متعذرة التحصيل، وتسوية ملفات عالقة، وتعزيز الالتزام الضريبي مستقبلاً، فقد تكون له مبررات اقتصادية مقبولة. أما إذا غابت البيانات المتعلقة بالمبالغ المعفاة والإيرادات المحصلة، فستظل تساؤلات مشروعة قائمة بشأن كفاءته المالية وعدالته الضريبية.
في زمن الأزمات المالية، لا يكفي أن تسأل الحكومة: كم سنحصل من الأموال؟ بل ينبغي أن تسأل أيضاً: كم سنتنازل عنه، ولماذا، وما المقابل الاقتصادي لهذا التنازل؟
فالنظام الضريبي المستدام يقوم على التحصيل الفعّال والشفافية والعدالة، وتبقى التسهيلات الاستثنائية وسيلة لمعالجة حالات مبررة، لا بديلاً عن تطبيق القانون.
وفي الختام، نود التأكيد أن الضرائب تُعد من أهم ركائز الإيرادات غير النفطية في العراق، وأن الاتجاه المطلوب في ظل الضغوط المالية الحالية هو تعظيم هذه الإيرادات، وتوسيع قاعدة المكلفين، وتحسين كفاءة التحصيل، لا التوسع في الإعفاءات والتنازل عن المستحقات دون مبررات مالية واضحة. فكل دينار تستطيع الدولة تحصيله بعدالة وكفاءة يسهم في تخفيف اعتماد الموازنة على النفط وتعزيز استدامة المالية العامة.


