ليس أشدّ إيلاماً على الشعوب العربية من أن ترى أوطانها تتعرض للحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية، بينما تقف منظومتها العربية عاجزة عن صياغة موقف موحّد يوازي حجم الأخطار، أو بناء مشروع استراتيجي يحمي أمنها القومي ويصون سيادتها ويحفظ مقدراتها . فالمأساة العربية لا تكمن فقط في الحروب التي اندلعت، ولا في الأزمات التي تراكمت، ولا في الأطماع الدولية والإقليمية التي وجدت طريقها إلى بعض العواصم، بل تكمن أيضاً في غياب الإرادة الجماعية القادرة على تحويل الروابط التاريخية والجغرافية والثقافية بين الدول العربية إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية فاعلة .
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن ضعف التضامن العربي، وتضارب المصالح السياسية، وتراجع التنسيق بين الحكومات، كانت عوامل ساهمت في إضعاف قدرة عدد من الدول العربية على مواجهة التحديات المصيرية . وحين يغيب الموقف المشترك، تصبح الدولة المنفردة أكثر عرضة للضغوط، وتتحول الأزمات الداخلية إلى منافذ للتدخلات الخارجية، ويجد أصحاب المشاريع المتعارضة فرصة لتوسيع نفوذهم على حساب استقرار المجتمعات وسيادة الدول .
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه النظام العربي اليوم ليس .. لماذا تتعرض أوطاننا لكل هذه الأزمات ؟ بل .. لماذا لم ننجح، رغم امتلاكنا من الإمكانات والثروات والموقع الجغرافي والروابط التاريخية ما يكفي لبناء منظومة تعاون تحمي مصالحنا المشتركة ؟
من المؤسف أن العالم العربي يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً يتحكم بممرات التجارة والطاقة، وطاقات بشرية وعلمية شابة، فضلاً عن امتداده الحضاري والتاريخي، ومع ذلك لم تتحول هذه المقومات إلى منظومة قوة متكاملة . فهناك دول تمتلك الثروة المالية، وأخرى تمتلك الموارد الطبيعية، وثالثة تمتلك الموقع الاستراتيجي، ورابعة تمتلك الكفاءات البشرية والعلمية، لكن هذا التنوع لم يتحول بالقدر الكافي إلى تكامل يخدم الجميع .
لقد تحولت بعض الخلافات السياسية بين الحكومات إلى حواجز أمام المصالح العليا للشعوب، وأصبح الاختلاف في وجهات النظر سبباً لتعطيل مبادرات التعاون، بل إن بعض التنافسات الإقليمية انعكست على علاقات الدول العربية، وأضعفت قدرتها على التعامل مع الملفات التي تمس مستقبل المنطقة بأسرها . فالسياسة ليست مجرد إدارة للمواقف الآنية، بل هي فن قراءة المستقبل والاستعداد لمخاطره . والحكومة التي تنظر إلى محيطها العربي باعتباره مساحة للمنافسة فقط، ولا تراه مجالاً للتكامل والشراكة، قد تكسب جولة سياسية، لكنها تخسر فرصاً استراتيجية أكبر .
وليس المطلوب أن تتطابق الأنظمة العربية في رؤاها السياسية، أو أن تتخلى الدول عن خصوصيتها الوطنية وقراراتها السيادية، وإنما المطلوب أن تتفق على الحد الأدنى من المصالح المشتركة، وأن تدرك أن أمن الدولة العربية لا يمكن فصله عن أمن جيرانها، وأن انهيار الاستقرار في بلد عربي قد يترك تداعيات تتجاوز حدوده الجغرافية .
وحين تضعف الجبهة الداخلية لأي دولة، وتغيب عنها المؤسسات القادرة على إدارة خلافاتها، تصبح أكثر قابلية للتأثر بالتدخلات الخارجية . وهذه حقيقة سياسية لا تعني أن الخارج هو المسؤول الوحيد عن كل ما جرى في المنطقة، لكنها تكشف كيف يمكن للفراغ السياسي والانقسام الداخلي أن يفتحا الأبواب أمام القوى التي تسعى إلى توسيع نفوذها وتحقيق مصالحها .
لقد شهدت دول عربية عديدة خلال العقود الماضية حروباً أهلية وصراعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية، كما عانت دول أخرى من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة . فالعراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان وفلسطين والسودان، وغيرها من الملفات العربية، تقدم صوراً مختلفة لأزمات لا يجوز وضعها جميعاً في سلة واحدة؛ فلكل دولة ظروفها وتاريخها وأسباب أزمتها. لكن القاسم الذي يستحق التأمل هو أن الانقسامات الداخلية، وتضارب الحسابات الإقليمية، وضعف التنسيق العربي، جعلت معالجة كثير من هذه الأزمات أكثر تعقيداً .
وفي الوقت الذي كانت فيه الشعوب تنتظر مبادرات سياسية عربية فاعلة، كانت الخلافات بين بعض العواصم تعطل فرص بناء موقف متماسك . وفي الوقت الذي كانت فيه الأوطان بحاجة إلى جهود مشتركة لإعادة الاستقرار، كانت بعض الحسابات الضيقة تتقدم على مقتضيات الأمن الجماعي. وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً جوهرياً .. هل كان بالإمكان تقليل حجم بعض الكوارث لو توفرت إرادة عربية مبكرة للوساطة، ومنع التصعيد، ودعم مؤسسات الدولة، وإبعاد الخلافات عن حسابات الشعوب ؟
تبقى القضية الفلسطينية من أبرز الاختبارات التي كشفت حدود العمل العربي المشترك، ليس فقط من زاوية المواقف السياسية، بل من زاوية القدرة على تحويل التضامن المعلن إلى أدوات عملية مؤثرة . ففلسطين ليست مجرد ملف تفاوضي أو قضية حدود، بل قضية شعب يعيش تحت الاحتلال، ويتمسك بحقه في الحرية وتقرير المصير، ويواجه معاناة إنسانية وسياسية وأمنية ممتدة .
وقد شهد التاريخ العربي مبادرات وقرارات ومواقف متعددة دعمت الحقوق الفلسطينية، إلا أن الفجوة بين الموقف السياسي المعلن والقدرة على تحقيق نتائج ملموسة ظلت موضع نقاش واسع . كما أن اختلاف السياسات بين الحكومات العربية، وتعدد الأولويات، وتباين العلاقات الدولية، جعلت العمل المشترك في هذا الملف يواجه تحديات مستمرة . إن التضامن الحقيقي لا يقاس بعدد البيانات التي تصدر، ولا بحجم الخطابات التي تلقى في المؤتمرات، بل بمدى القدرة على حماية المدنيين، وتوفير المساعدات الإنسانية، والتحرك الدبلوماسي والقانوني، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل على منع اتساع دائرة الحرب.
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن المنطقة العربية تمتلك إمكانات اقتصادية وموارد بشرية وطبيعية يمكن أن تؤسس لواحدة من أهم مناطق التكامل الاقتصادي في العالم، لكنها ما زالت تواجه تحديات في التجارة البينية، وتنسيق السياسات الإنتاجية، وتطوير البنى التحتية المشتركة. فكيف يمكن لدول تجمعها اللغة والجغرافيا والمصالح أن تبقى أسواقها أقل ترابطاً مما تقتضيه إمكاناتها؟ ولماذا لا تتحول الأموال والاستثمارات العربية إلى مشاريع إنتاجية وصناعية وزراعية مشتركة توفر فرص العمل وتعزز الأمن الغذائي ؟
إن التكامل الاقتصادي ليس ترفاً سياسياً، بل هو أحد أعمدة الاستقلال الوطني . فالدولة التي تنتج احتياجاتها الأساسية، وتنوع مصادر دخلها، وتبني علاقات تجارية متوازنة مع محيطها، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والضغوط . إن المطلوب هو الانتقال من اقتصاد العلاقات الثنائية المحدودة إلى اقتصاد المصالح العربية المتبادلة، من خلال مناطق صناعية مشتركة، وشبكات نقل وطاقة، ومشاريع زراعية، وتبادل الخبرات العلمية والتكنولوجية، وتسهيل انتقال السلع والاستثمارات وفق اتفاقات واضحة تحفظ حقوق جميع الأطراف .
أما جامعة الدول العربية، التي تأسست عام 1945 لتكون إطاراً للتنسيق والتعاون بين الدول الأعضاء، فقد كشفت مسيرتها عن صعوبات في تحويل القرارات السياسية إلى التزامات عملية، وعن تأثر أدائها بتباين مواقف الحكومات وأولوياتها . وهنا لا بد من التمييز بين المؤسسة وبين الدول التي تشكلها؛ فالجامعة ليست كياناً مستقلاً عن إرادة أعضائها، ولا تستطيع أن تحقق ما لا تتفق عليه الحكومات . ومن ثم فإن إصلاح العمل العربي لا يبدأ بتوجيه اللوم إلى مؤسسة واحدة، بل بمراجعة آليات اتخاذ القرار، وتطوير أدوات التنفيذ، وتعزيز الثقة السياسية بين الدول .
لقد تضمنت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة عام 1950 مبادئ واضحة بشأن اعتبار الاعتداء المسلح على دولة متعاقدة اعتداءً عليها جميعاً، والتشاور والتعاون في مواجهة التهديدات. لكن السؤال الذي يظل قائماً هو .. لماذا بقيت المسافة واسعة بين النصوص والواقع ؟ ولماذا لم تتطور هذه المبادئ إلى منظومة عربية مستقرة لإدارة المخاطر والأزمات ؟
إن المسؤولية السياسية لا تقف عند حدود حماية النظام السياسي أو المحافظة على العلاقات الدبلوماسية، بل تمتد إلى حماية مستقبل الأجيال وصيانة الأمن القومي العربي. فالحكومة التي لا تقرأ التحولات الدولية، ولا تدرك طبيعة التنافس على الموارد والممرات الاستراتيجية ومراكز النفوذ، قد تجد نفسها أمام أزمات لم تستعد لها . ومن هنا، فإن المطلوب من الحكومات العربية مراجعة مفهوم الأمن الوطني، بحيث لا يقتصر على حماية الحدود والمؤسسات داخل الدولة، بل يتسع ليشمل بناء بيئة إقليمية مستقرة، قائمة على التعاون واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية .
كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها بمعزل عن بقية الأطراف؛ فالنخب السياسية، والمؤسسات التشريعية، ومراكز الدراسات والبحث، والإعلام، والجامعات، جميعها تتحمل جانباً من مسؤولية بناء الوعي العربي المشترك. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة هو أن تتحول الخلافات السياسية بين الحكومات إلى قطيعة بين الشعوب، وأن تصبح الاختلافات في المواقف سبباً لتفكيك الروابط الاجتماعية والثقافية التي جمعت هذه المجتمعات عبر التاريخ. فالشعوب العربية ليست مسؤولة عن كل خلاف سياسي بين عواصمها، ولا ينبغي أن تدفع ثمن صراعات لا تملك قرار إشعالها أو إيقافها.
إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مشروع عربي واقعي يتجاوز المجاملات السياسية، ويضع مصالح الشعوب فوق الحسابات الآنية. ويمكن أن يبدأ هذا المشروع بإنشاء آلية عربية دائمة للوساطة تتولى التدخل الدبلوماسي المبكر لمنع تحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة، وتطوير منظومة للأمن العربي المشترك من خلال تبادل المعلومات والتعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الحدود، وبناء تكامل اقتصادي حقيقي في الصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا والأمن الغذائي، إلى جانب توحيد المواقف في القضايا المصيرية، ولا سيما فلسطين وحماية سيادة الدول العربية.
كما يتطلب الأمر إنشاء مركز عربي للدراسات الاستراتيجية يستشرف التحولات الدولية والإقليمية، ويقدم للحكومات رؤى علمية بعيدة عن ردود الفعل الآنية، وإصلاح مؤسسات العمل العربي المشترك وتطوير آليات اتخاذ القرار وتنفيذه، مع وضع مؤشرات زمنية لمتابعة الالتزامات والنتائج.
وليس المقصود بالاتحاد العربي أن تتخلى الدول عن استقلالها أو أن تذوب هوياتها الوطنية في كيان سياسي واحد، بل أن تتفق على منظومة مصالح ومبادئ تضمن أن تكون سيادة كل دولة جزءاً من قوة الجميع، لا ذريعة للابتعاد عن مسؤولياتهم المشتركة. فالاتحاد الحقيقي يبدأ من الثقة، ويترسخ بالمصالح، ويستمر بالعدالة والاحترام المتبادل.
ورغم كل ما شهدته المنطقة من أزمات وتصدعات، فإن الحديث عن نهاية المشروع العربي المشترك ليس قدراً محتوماً. فما زالت هناك إمكانات كبيرة، وما زالت العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الشعوب العربية تمثل أساساً يمكن البناء عليه. بل إن التحولات الدولية الراهنة تفرض على الدول العربية أن تعيد حساباتها؛ فالعالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية، والدول التي لا تمتلك القدرة على تنسيق مصالحها قد تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع قرارات الآخرين.
ولا يمكن تجاهل أن بعض الدول العربية حققت خطوات في التنسيق الدبلوماسي والوساطة والعمل المشترك، وأن هناك فرصاً يمكن تطويرها لتصبح مسارات أكثر استدامة. إن المطلوب اليوم ليس البحث عن زعامة عربية تفرض رؤيتها على الآخرين، بل بناء قيادة جماعية تتشارك المسؤولية، وتحترم خصوصيات الدول، وتؤمن بأن قوة المنطقة لا تتحقق بإضعاف دولة عربية لمصلحة أخرى.
كما ينبغي أن تتوقف سياسة إدارة الأزمات بعد وقوعها، وأن تحل محلها سياسة استباق الأزمات، لأن الوقاية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية أقل كلفة بكثير من إعادة بناء الدول بعد الحروب والدمار. والأهم من ذلك أن تكون الشعوب حاضرة في معادلة القرار، لأن الأمن الحقيقي لا يقوم على قوة المؤسسات العسكرية وحدها، وإنما يقوم أيضاً على العدالة، والاستقرار الاقتصادي، وكرامة المواطن، والثقة بين المجتمع والدولة .
إن دمار بعض البلدان العربية لم يكن نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزال أزماتها في ضعف التضامن العربي وحده؛ فهناك مسؤوليات داخلية تتعلق بطبيعة الأنظمة السياسية، وسوء الإدارة، والفساد، والانقسامات المجتمعية، والتدخلات الخارجية، والصراعات الإقليمية والدولية . لكن غياب العمل العربي المشترك كان عاملاً ساهم في إضعاف القدرة على مواجهة هذه التحديات واحتواء تداعياتها .
وهنا تكمن مسؤولية التاريخ أمام الحكومات العربية .. أن تعترف بأن استمرار التشرذم لا يحمي الدول، وأن الانكفاء على المصالح الضيقة لا يصنع أمناً دائماً، وأن ترك الأزمات العربية تتفاقم دون تنسيق جاد يضاعف كلفتها الإنسانية والسياسية والاقتصادية .
إن الوطن العربي لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي بانتهاء كلمات المتحدثين، ولا إلى بيانات تضامن تستهلكها نشرات الأخبار، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تؤمن بأن مصير الشعوب العربية مترابط، وأن سقوط الاستقرار في دولة قد ينعكس على جيرانها، وأن حماية السيادة ليست مسؤولية وطنية منفردة فحسب، بل مصلحة إقليمية مشتركة .
ولعل أكثر ما ينبغي أن تدركه الحكومات العربية أن التاريخ لا يحاسب الدول على ما امتلكته من ثروات فقط، بل على ما فعلته بهذه الثروات، ولا يقيس مكانتها بعدد الاتفاقيات التي وقعتها، بل بقدرتها على حماية شعوبها وصناعة مستقبلها .
فليس المطلوب أن تتشابه العواصم العربية في سياساتها، وإنما أن تتفق على ألا يكون اختلافها سبباً في ضياع أوطانها . إن خذلان التضامن العربي ليس مجرد إخفاق في العلاقات الدبلوماسية، بل خسارة استراتيجية تتجاوز حدود السياسة إلى مستقبل الأجيال . وحين تتقدم المصالح الضيقة على المصير المشترك، تصبح الأوطان أكثر هشاشة، وتصبح الشعوب أول من يدفع ثمن الانقسام .


