لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد خلاف سياسي أو أزمة دبلوماسية قابلة للاحتواء عبر التصريحات المتبادلة، بل أصبحت واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في النظام الدولي، لما تحمله من أبعاد عسكرية واقتصادية وأمنية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولتين لتطال أمن الخليج العربي والعراق والشرق الأوسط بأكمله . ومع استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في الثامن والعشرين من شباط 2026، وارتفاع مستويات التوتر في الممرات البحرية، وتواصل التحركات الدبلوماسية غير المباشرة، يعود السؤال الأكثر إلحاحاً إلى الواجهة .. هل تقرع واشنطن وطهران طبول حرب جديدة، أم أن ما نشهده ليس سوى رسائل ضغط متبادلة تسبق ولادة تسوية سياسية جديدة ؟
إن قراءة المشهد الراهن تتطلب الابتعاد عن الانفعال السياسي والتصريحات الإعلامية، والنظر إلى طبيعة المصالح التي تحكم سلوك الطرفين، فالدول لا تتخذ قرارات الحرب والسلام بناءً على الخطابات وحدها، وإنما وفق حسابات القوة والكلفة والنتائج والقدرة على إدارة مرحلة ما بعد المواجهة. ولذلك فإن اجتماع لغة التهديد مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية ليس تناقضاً بالضرورة، بل قد يكون انعكاساً لاستراتيجية التفاوض تحت الضغط، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل الوصول إلى اتفاق .
وفي ضوء التطورات الأخيرة حتى الثاني من تشرين الثاني 2026، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، خصوصاً بعد جولات الاتصالات التي شهدتها الدوحة بوساطة قطرية ومشاركة باكستانية، والتي لم تحقق اختراقاً حاسماً، لكنها أبقت قنوات التواصل مفتوحة بين الجانبين . وقد برزت في هذه التحركات محاولة إيرانية لتقديم صيغة تفاوضية مختصرة، تتضمن معالجة سريعة لملف مضيق هرمز وإعادة فتح الممر البحري، مقابل الاستجابة لمطالب تتعلق بإنهاء الحصار البحري وتخفيف الضغوط الاقتصادية . وفي المقابل، لا تزال واشنطن تتمسك بمطالبها المتعلقة بالملف النووي الإيراني والضمانات الأمنية وحرية الملاحة الدولية . وهذا يعني أن الخلاف لم يعد محصوراً في وقف العمليات العسكرية، بل أصبح مرتبطاً بمستقبل العلاقة بين الطرفين وبطبيعة الترتيبات الأمنية التي ستحدد ملامح المنطقة خلال المرحلة المقبلة .
وتكتسب التصريحات الأمريكية الأخيرة أهمية خاصة، ولا سيما حديث الرئيس دونالد ترامب عن إمكانية إنهاء الحرب عبر الاتفاق أو القوة، وهي رسالة تحمل أكثر من دلالة سياسية . فمن جهة، تريد الإدارة الأمريكية إظهار قدرتها على فرض شروطها والحفاظ على صورة الردع الأمريكي، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الحرب يفرض أعباءً عسكرية واقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها . فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً، لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية مستقرة، كما أن توجيه ضربات مؤثرة لا يضمن إنهاء مصادر التوتر أو منع تجدد المواجهة . وتزداد هذه الحسابات تعقيداً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، وما تفرضه من اعتبارات داخلية تتعلق بالاقتصاد والرأي العام وكلفة الانخراط العسكري الخارجي .
وفي المقابل، تواجه إيران معادلة صعبة تجمع بين حماية سيادتها والحفاظ على قدراتها الدفاعية ومواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة . فاستمرار الحصار البحري وتعطل حركة التجارة والطاقة يضع الاقتصاد الإيراني أمام تحديات كبيرة، ويزيد من الأعباء التي يتحملها المواطن الإيراني . ومع ذلك، لا تبدو طهران مستعدة لقبول اتفاق يُفسر داخلياً باعتباره تراجعاً تحت الضغط العسكري أو الاقتصادي، ولذلك تتمسك بالحصول على ضمانات واضحة وملموسة قبل تقديم تنازلات استراتيجية . ومن هنا يمكن فهم الجمع بين التصريحات التي تؤكد الاستعداد للرد العسكري وبين استمرار التواصل عبر الوسطاء، إذ تحاول القيادة الإيرانية الحفاظ على أوراق القوة وعدم إغلاق باب الحل السياسي في الوقت نفسه .
ويبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات تعقيداً في هذه المواجهة، فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمانات تمنع تطوير قدرات نووية عسكرية، وتطالب بآليات رقابة وتحقق دولية بشأن مستويات التخصيب ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تؤكد طهران حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وترفض نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة ستين بالمئة إلى دولة ثالثة وفق التصريحات الإيرانية الأخيرة . وهذا التباين يكشف أن الوصول إلى اتفاق لا يتعلق فقط بوقف الحرب أو فتح مضيق هرمز، بل يحتاج إلى تفاهمات فنية وسياسية وقانونية تعالج المخاوف المتبادلة وتحدد الالتزامات بصورة واضحة . ومن دون آليات رقابة دولية وضمانات متبادلة، سيبقى أي اتفاق معرضاً للاهتزاز عند أول خلاف جديد .
أما مضيق هرمز، فقد أصبح أحد أبرز مفاتيح المعادلة السياسية والاقتصادية، فهو ليس مجرد ممر بحري، بل شريان استراتيجي لتجارة الطاقة العالمية . وأي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس على أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية . وقد زادت المخاوف خلال الأيام الأخيرة بعد تداول تقارير عن حوادث بحرية واحتراق ناقلات نفط ووقوع أضرار في سفن تجارية، وسط اتهامات متبادلة بشأن طبيعة هذه الحوادث ومسؤولية الأطراف عنها . ومن الضروري التمييز بين المعلومات المؤكدة والاتهامات التي تحتاج إلى تحقيق مستقل، لأن تحويل الحوادث البحرية إلى اتهامات سياسية غير مثبتة قد يفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن السيطرة على نتائجه .
إن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط قد يمنح الأطراف مساحة تفاوضية، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر تتجاوز قدرة الدول المتنازعة على احتوائها . فتعطل حركة الملاحة لا يضر الولايات المتحدة وإيران وحدهما، وإنما يطال دول الخليج والدول المستوردة للطاقة، ومنها الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، فضلاً عن انعكاساته المباشرة على أسواق النفط العالمية . ولذلك فإن ضمان حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية ينبغي أن يكونا جزءاً أساسياً من أي اتفاق، بعيداً عن منطق الابتزاز أو فرض الأمر الواقع، وبما ينسجم مع القانون الدولي ومصالح الدول الساحلية والتجارة العالمية .
ولا يمكن فصل هذه المواجهة عن مواقف القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الصين وروسيا، فاستمرار الحرب يضع مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية أمام تحديات متزايدة، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والتجارة وموازين النفوذ الدولي . فالصين معنية باستقرار إمدادات الطاقة وحرية الملاحة، وروسيا تتابع انعكاسات الصراع على التوازنات الجيوسياسية وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ومع أن هذه القوى تستطيع ممارسة ضغوط دبلوماسية والمساهمة في توفير مسارات للتفاوض، فإن قدرتها على فرض اتفاق تبقى محدودة ما لم تتوافر إرادة حقيقية لدى واشنطن وطهران لإنهاء المواجهة .
وفي خضم هذه التطورات، يحتل العراق موقعاً بالغ الحساسية، فهو ليس بعيداً عن تداعيات الصراع بسبب موقعه الجغرافي وارتباط اقتصاده بأسواق الطاقة وعلاقاته السياسية والأمنية مع الطرفين. وأي تصعيد عسكري واسع قد ينعكس على استقراره الداخلي، وحركة التجارة والاستثمار، وصادراته النفطية، وأمنه الوطني. ومن هنا تبرز أهمية اعتماد سياسة عراقية متوازنة تقوم على حماية السيادة الوطنية، ورفض استخدام الأراضي والأجواء العراقية في أي عمليات عسكرية تستهدف دولاً أخرى، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية .
إن العراق بحاجة إلى موقف دبلوماسي واضح لا يقوم على الاصطفاف أو الانحياز، وإنما على حماية مصالح الشعب العراقي وصيانة القرار الوطني المستقل . كما أن علاقاته مع واشنطن وطهران يمكن أن تشكل مدخلاً إيجابياً للمساهمة في خفض التوتر، إذا ما جرى توظيفها ضمن رؤية وطنية تضع استقرار العراق فوق حسابات المحاور. وليس المطلوب من بغداد أن تكون طرفاً في الصراع، بل أن تكون جزءاً من الجهود التي تمنع توسعه وتدعم الحلول السياسية وتحمي شعوب المنطقة من كلفة حرب جديدة .
أما الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، فإن مصالحها تقتضي الانتقال من موقف مراقبة الأحداث إلى بناء تحرك دبلوماسي مشترك يدعم التهدئة ويعزز أمن المنطقة . فالمنطقة عانت طويلاً من الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية، وأثبتت التجارب أن غياب منظومة إقليمية للحوار والتعاون يجعل الأزمات قابلة للتكرار والتوسع . ومن هنا تبرز ضرورة التنسيق بين جامعة الدول العربية والأمم المتحدة، والعمل على صياغة مبادئ مشتركة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وضمان أمن الممرات البحرية، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية .
إن الوساطات القطرية والباكستانية تمثل فرصة مهمة لإبقاء الحوار قائماً، لكنها تحتاج إلى دعم دولي وإقليمي يضمن تحويل الاتصالات إلى اتفاقات عملية . فالنجاح لا يتحقق بمجرد عقد الاجتماعات أو تبادل المقترحات، بل يتطلب معالجة جوهر الخلافات، وتحديد جدول زمني لتنفيذ الالتزامات، ووضع آليات للتحقق والمراقبة، وإنشاء قنوات اتصال تمنع سوء الفهم والتصعيد غير المقصود. كما ينبغي ألا تقتصر التسوية على المصالح الثنائية بين واشنطن وطهران، بل أن تأخذ في الاعتبار أمن العراق ودول الخليج وسائر دول المنطقة .
ومن المهم إدراك أن التفاوض ليس دليلاً على الضعف، مثلما أن استخدام القوة لا يمثل ضمانة للنصر السياسي . فالدبلوماسية الناجحة هي التي تستطيع تحويل الخلافات إلى تفاهمات، وتوفير ضمانات تمنع العودة إلى المواجهة . أما استمرار سياسة التهديد المتبادل فقد يؤدي إلى سوء تقدير أو حادث عسكري محدود يتحول إلى مواجهة واسعة، خصوصاً عندما تتعدد الأطراف والساحات وتتشابك المصالح .
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المنطقة اليوم ليس من يمتلك القدرة على توجيه الضربة الأقوى، بل من يمتلك الإرادة السياسية لمنع الضربة التالية . فالحرب قد تغير موازين القوة، لكنها لا تضمن صناعة الاستقرار، والعقوبات قد تفرض ضغوطاً اقتصادية، لكنها لا تستطيع وحدها بناء تفاهمات مستدامة . أما الاتفاق القائم على المصالح المتبادلة والاحترام والضمانات الدولية، فيمكن أن يشكل بداية لمسار جديد يعيد ترتيب العلاقات الإقليمية على أسس أكثر استقراراً .
وفي المحصلة، تقف واشنطن وطهران أمام اختبار سياسي وتاريخي بالغ الأهمية، فإما أن تتحول لغة التهديد إلى تفاهمات تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام معالجة الملفات العالقة، وإما أن تعود المنطقة إلى دائرة المواجهة بما تحمله من خسائر بشرية واقتصادية وأمنية يصعب تقدير حدودها . وبين طبول الحرب وطبول التفاوض تبقى مسؤولية القيادات السياسية أن تدرك أن الشعوب لا تحتاج إلى انتصارات إعلامية أو استعراضات عسكرية بقدر حاجتها إلى الأمن والاستقرار والتنمية وصيانة الكرامة الوطنية .
وبالنسبة إلى العراق، فإن الأولوية يجب أن تبقى حماية السيادة وتحصين الجبهة الداخلية والحفاظ على علاقات متوازنة مع الجميع، والعمل على جعل الدبلوماسية أداة فاعلة لمنع الحرب لا وسيلة لانتظار نتائجها .
فطبول الحرب قد تكون مرتفعة الصوت، لكن قيمة القيادة السياسية تظهر عندما تستطيع إسكاتها، والانتصار الحقيقي للدول لا يقاس بعدد المعارك التي تخوضها، بل بقدرتها على حماية شعوبها وتجنيب أجيالها كلفة الحروب .


