خروج قوات التحالف من العراق ليس مجرد حدث أمني أو عسكري، بل محطة سياسية يفترض أن تدفع إلى مراجعة شاملة لطريقة إدارة الدولة. فإذا كانت المرحلة السابقة قد فرضت ظروفاً استثنائية على العراق، فإن المرحلة الجديدة تتطلب دولة أكثر استقلالاً، ومؤسسات أكثر قوة، وقراراً سياسياً لا يخضع للوصاية أو التأثير الخارجي.
أولاً: إعادة النظر في العملية السياسية أحد أهم الملفات التي تحتاج إلى مراجعة هو قانون الانتخابات وطريقة تشكيل الحكومات. المطلوب وضع قاعدة واضحة تمنح الكتلة التي تحصل على أكبر عدد من المقاعد حق تشكيل الحكومة، مع آليات دستورية وقانونية تمنع الالتفاف على نتائج الانتخابات عبر تفاهمات لاحقة تُفرغ إرادة الناخب من مضمونها. الدستور العراقي ينص في المادة 76 على أن رئيس الجمهورية يكلّف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، لكن التجربة السياسية منذ 2010 أظهرت جدلاً حول تفسير “الكتلة الأكبر” وكيفية تشكلها.
ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد شعار، وإنما حسم هذه المسألة بتعديل قانوني أو دستوري واضح يمنع التأويل السياسي ويجعل نتائج الانتخابات أساساً لتشكيل الحكومة.
ثانياً: إنهاء المحاصصة السياسية العراق بحاجة إلى الانتقال من منطق توزيع المناصب بين القوى السياسية إلى منطق اختيار الكفاءات.
الوزارة ليست حصة لحزب، والسفارة ليست مكافأة سياسية، والوظيفة العامة ليست غنيمة انتخابية. المعيار يجب أن يكون: الرجل المناسب في المكان المناسب، على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة. وهذا لا يعني إقصاء القوى السياسية من الحياة الديمقراطية، بل يعني أن تكون المنافسة السياسية على البرامج والإنجاز، وليس على عدد المناصب التي يحصل عليها كل طرف.
ثالثاً: فتح الطريق أمام جيل الشباب لا يمكن أن تبقى الدولة أسيرة الوجوه السياسية نفسها لعقود طويلة. على القيادات الحزبية التي أخذت فرصتها في إدارة الدولة أن تفسح المجال أمام جيل جديد من السياسيين والمهنيين والشباب، من دون وصاية حزبية أو شخصية. العراق يمتلك طاقات علمية وإدارية وشبابية كبيرة، ومن غير المنطقي أن تبقى هذه الطاقات خارج دائرة القرار بينما تتكرر الأسماء نفسها في المناصب. التغيير السياسي الطبيعي لا يعني إلغاء دور الجيل السابق، وإنما يعني انتقالاً منظماً للخبرة إلى جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية.
رابعاً: القرار العراقي يجب أن يصنع في بغداد السيادة لا تُقاس فقط بعدد الجنود الأجانب الموجودين على الأرض. السيادة تعني أن يكون القرار العراقي عراقياً، وأن يختار العراقيون قياداتهم وحكوماتهم عبر المؤسسات الدستورية والانتخابات، بعيداً عن الضغوط أو الفيتوات أو التفاهمات التي تُعقد خارج الحدود.
العراق يستطيع أن يحافظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا والدول العربية وسائر دول العالم، لكن العلاقة المتوازنة شيء، والتدخل في اختيار القيادات العراقية شيء آخر. العراق ليس ساحة صراع بين الآخرين، ولا ينبغي أن يكون تشكيل حكومته نتيجة توافقات إقليمية أو دولية قبل أن يكون نتيجة إرادة الناخب العراقي. خامساً: السيادة الاقتصادية لا تقل أهمية عن السيادة السياسية إذا خرجت القوات الأجنبية من العراق، فمن الطبيعي أن يفتح ذلك نقاشاً أوسع حول استقلال القرار الاقتصادي والمالي. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار ارتباط جزء مهم من إدارة عائدات النفط العراقية بالنظام المالي الأميركي، رغم انتقال صندوق تنمية العراق من الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى البنك المركزي العراقي منذ عام 2014. كما تشير رويترز في تقرير حديث إلى استمرار الدور الأميركي في إدارة جانب من آليات عائدات النفط والمعاملات بالدولار ،،،، وهنا يجب أن يكون النقاش عقلانياً: المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع النظام المالي العالمي، وإنما بناء قدرة عراقية أكبر على إدارة الأموال والاحتياطيات والعلاقات المالية الدولية بما يحفظ مصلحة العراق ويقلل نقاط الضغط الخارجي عليه ،،،، سادساً: إعادة النظر في امتيازات المسؤولين من غير المقبول أن تكون الوظيفة السياسية طريقاً إلى امتيازات دائمة. النائب موظف لدى الشعب، والوزير مسؤول عن خدمة المواطنين، والرئيس أو المسؤول التنفيذي في الدولة مؤتمن على المال العام ،،، لذلك يمكن إعادة النظر في الامتيازات والمخصصات التي يحصل عليها أصحاب المناصب العليا، وربطها بضوابط واضحة وشفافة، مع إنهاء أي ازدواج في الرواتب أو المنافع التي لا تستند إلى قانون ،،،، وعند انتهاء الدورة النيابية أو المنصب العام، ينبغي أن يعود المسؤول إلى حياته الطبيعية، شأنه شأن أي مواطن، ما لم يكن هناك استحقاق قانوني محدد يتعلق بالتقاعد وفق ضوابط عامة تنطبق على الجميع،،،، سابعاً: أموال العراق يجب أن تكون لخدمة العراقيين.
العراق بلد غني بالموارد، لكن الغنى النفطي وحده لا يكفي لبناء دولة قوية. المطلوب هو توزيع عادل للثروة من خلال الخدمات، والصحة، والتعليم، والإسكان، وفرص العمل، والبنية التحتية، ودعم الفئات محدودة الدخل. كما يجب وضع سياسة مالية أكثر عدالة تجاه المتقاعدين، خصوصاً أصحاب الرواتب المنخفضة، لأن المتقاعد الذي أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة لا ينبغي أن يواجه ضيق المعيشة بعد انتهاء خدمته،،،، وفي الوقت نفسه، فإن معالجة الرواتب التقاعدية يجب أن تتم ضمن دراسة مالية شاملة تضمن العدالة والاستدامة وعدم تحميل الموازنة أعباء غير مدروسة.
ثامناً: العراق يحتاج إلى دولة مؤسسات لا دولة أشخاص المشكلة الأكبر ليست في تغيير شخص ووضع شخص آخر مكانه، وإنما في بناء نظام لا يتوقف على الأشخاص. نحتاج إلى مؤسسات رقابية قوية، وقضاء مستقل، وإدارة مهنية، وقوانين واضحة، وانتخابات نزيهة، ومحاسبة حقيقية، وموازنة شفافة، ومؤسسات أمنية وعسكرية تعمل وفق القانون والدستور. عندها فقط يصبح تغيير الحكومات تغييراً طبيعياً داخل النظام الديمقراطي، وليس أزمة وطنية في.


