تتجدد بين حين وآخر موجات التوتر في منطقة الخليج العربي، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً يمس بشكل مباشر مصير الاقتصاد العراقي: ماذا لو أُغلق مضيق هرمز، ولو جزئياً أو مؤقتاً؟ فالعراق، الذي يستمد أكثر من تسعين في المائة من إيراداته العامة من صادرات النفط الخام، يقع في موقع بالغ الحساسية إزاء أي اضطراب يعتري هذا الممر المائي الضيق الذي تمر عبره كامل صادراته الجنوبية تقريباً. هذا المقال يقدّم قراءة واقعية، بعيدة عن التهويل أو التهوين، لطبيعة هذا التهديد الجيوسياسي المتكرر، ولانعكاساته المحتملة على الموازنة الاتحادية وسعر الصرف ومعيشة المواطن، مستنداً إلى منطق التحليل الاقتصادي والسياسي لا إلى التكهن.
أولاً: مضيق هرمز.. الشريان الحرج للطاقة العالمية
يُعَدّ مضيق هرمز، الذي يفصل بين إيران وسلطنة عُمان بعرض لا يتجاوز نحو ثلاثة وثلاثين كيلومتراً عند أضيق نقاطه، أهم معبر مائي استراتيجي لتجارة الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الخام والغاز المسال المنقولة بحراً، ما يجعله عصباً حساساً في معادلة أمن الطاقة الدولي. وتاريخياً، ظل هذا المضيق ورقة ضغط متكررة تلوّح بها أطراف إقليمية عند اشتداد الأزمات، دون أن يصل الأمر فعلياً إلى إغلاق كامل ومستمر، نظراً لتشابك المصالح الدولية فيه وارتباط اقتصادات كبرى، من بينها إيران نفسها، بحرية الملاحة عبره.
غير أن غياب سابقة لإغلاق كامل لا يعني غياب المخاطر؛ فالتصعيد العسكري المحدود، أو استهداف ناقلات بعينها، أو عمليات التفتيش الانتقائي، جميعها سيناريوهات وقعت فعلاً في محطات سابقة، وتكفي لإرباك حركة الملاحة ورفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما ينعكس اقتصادياً حتى دون إغلاق رسمي معلن.
ثانياً: عراق ما بعد ٢٠٠٣.. اقتصاد أحادي المصدر شديد الحساسية
يتفرد الاقتصاد العراقي بين اقتصادات دول الخليج المصدّرة للنفط بدرجة اعتماد شبه كاملة على منفذ تصديري واحد: موانئ البصرة النفطية في أقصى جنوب البلاد، والتي تُشحن عبرها الغالبية العظمى من الصادرات النفطية باتجاه الخليج العربي فمضيق هرمز. وخلافاً للسعودية التي تملك خط أنابيب بري (بترولاين) يربط الحقول الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل، أو الإمارات التي طوّرت خط أنابيب إلى ميناء الفجيرة على بحر عُمان خارج نطاق المضيق، لا يملك العراق اليوم بديلاً بنيوياً موازياً بالحجم نفسه.
صحيح أن خط أنابيب كركوك–جيهان التركي يمثل منفذاً بديلاً نظرياً عبر الأراضي التركية إلى البحر المتوسط، إلا أن هذا الخط عانى تاريخياً من توقفات متكررة لأسباب سياسية وفنية وقضائية، وطاقته الاستيعابية لا تقارن بحجم الصادرات الجنوبية، ما يجعله مخفِّفاً جزئياً لا بديلاً كاملاً. هذه البنية الأحادية تجعل أي اضطراب في مضيق هرمز أشد وطأة على العراق منه على أي من جيرانه الخليجيين.
ثالثاً: قنوات انتقال الأثر الاقتصادي
◈ قناة الإيرادات السيادية: أي تعطّل في التصدير يعني تراجعاً فورياً في تدفق الدولار إلى خزينة الدولة، وهي القناة التي تموّل الرواتب والتقاعد والاستثمار العام.
◈ قناة سعر الصرف: تراجع تدفقات العملة الصعبة يضغط على قدرة البنك المركزي على تلبية مزاد بيع العملة، ما ينعكس على سعر الصرف في السوق الموازية تحديداً.
◈ قناة التضخم المستورد: العراق بلد مستورد صافٍ لغالبية سلعه الغذائية والاستهلاكية عبر الموانئ الخليجية؛ وأي اضطراب في الملاحة يرفع تكاليف الشحن والتأمين وينتقل مباشرة إلى أسعار السلة الاستهلاكية.
◈ قناة الثقة والاستثمار: التوتر الجيوسياسي المتكرر يرفع كلفة المخاطر لدى المستثمر الأجنبي، ويؤجل مشاريع الطاقة والبنى التحتية التي يحتاجها العراق لتنويع اقتصاده.
رابعاً: جدول السيناريوهات البديلة
يقدّم الجدول التالي قراءة تحليلية لأربعة سيناريوهات متدرجة الحدة، مبنية على منطق احتمالي واقعي يأخذ بعين الاعتبار التجارب التاريخية لتوترات المضيق منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم، مع تقدير أثر كل سيناريو على الاقتصاد العراقي والإجراء المناظر له:
| السيناريو | الاحتمالية | المدة الزمنية | الأثر على الصادرات النفطية العراقية | الأثر على الموازنة والعملة | الإجراء العراقي المقترح |
| توتر لفظي وتصعيد إعلامي دون تعطيل فعلي للملاحة | مرتفعة | متقطعة ومستمرة | شبه معدوم؛ توقف الشحن غير وارد، لكن أقساط التأمين البحري ترتفع | ارتفاع أسعار النفط عالمياً بفعل “علاوة المخاطر”، ما يرفع الإيرادات النفطية مؤقتاً دون خطر تصديري | متابعة استخباراتية واقتصادية، وتحديث خطط الطوارئ دون تغيير تشغيلي |
| تعطيل جزئي أو تفتيش انتقائي للناقلات (دون إغلاق رسمي) | متوسطة | أيام إلى أسابيع | تأخر في مواعيد الشحن وتراكم للناقلات عند موانئ البصرة، مع تذبذب في المعدلات اليومية للتصدير | ضغط تضخمي محدود عبر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين؛ تذبذب في سعر صرف الدينار مقابل الدولار في السوق الموازية | تفعيل مخزون استراتيجي من العملة الصعبة، وتنسيق مع شركاء الشراء لتقديم مواعيد الشحن |
| إغلاق كامل قصير الأمد (أسبوع إلى أسبوعين) | منخفضة إلى متوسطة | ١ – ٢ أسبوع | توقف شبه كامل لصادرات موانئ البصرة (نحو ٩٥٪ من صادرات العراق النفطية)؛ خسائر يومية تقدَّر بمئات ملايين الدولارات | عجز تمويلي حاد في الموازنة التشغيلية والاستثمارية؛ ضغط على احتياطي البنك المركزي وسعر الصرف؛ ارتفاع فوري في أسعار السلع المستوردة | السحب من الاحتياطي الفدرالي للعملة، وترشيد الإنفاق غير الضروري، وتفعيل بدائل جزئية عبر خط جيهان-كركوك إن كان تشغيلياً |
| إغلاق ممتد مصحوب بتصعيد عسكري إقليمي واسع | منخفضة | أكثر من شهر | شلل شبه تام لقطاع الطاقة العراقي، وتوقف شبه كامل للإيرادات السيادية بالعملة الصعبة | أزمة سيولة حكومية حادة، مخاطر تأخر الرواتب، تسارع التضخم المستورد، وانهيار محتمل في سعر الصرف الموازي | طلب دعم من صندوق النقد الدولي وخطوط ائتمان طارئة، وتفعيل اتفاقيات مبادلة نفط/سلع مع دول الجوار، وترشيد استيرادي صارم |
خامساً: قراءة واقعية.. لماذا الإغلاق الكامل مستبعد لكن التهديد فعّال؟
من الناحية العلمية البحتة، يظل احتمال إغلاق كامل ومستمر لمضيق هرمز منخفضاً نسبياً، وذلك لأسباب موضوعية: أولها أن إيران نفسها تصدّر عبر المضيق ذاته وتتضرر من إغلاقه بقدر ما تتضرر منه الأطراف الأخرى؛ وثانيها أن أي إغلاق فعلي يستدعي حكماً تدخلاً عسكرياً دولياً واسعاً لإعادة فتحه، نظراً لارتباط اقتصادات كبرى كالصين واليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي بحرية الملاحة فيه؛ وثالثها أن التجربة التاريخية خلال “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي أثبتت أن التهديد بالإغلاق كان دوماً أكثر تأثيراً من الإغلاق الفعلي ذاته.
غير أن هذا الاستبعاد النسبي لسيناريو الإغلاق الكامل لا يعني أن العراق بمنأى عن الأثر؛ فالضرر الاقتصادي الأعمق تاريخياً لم يأتِ من إغلاق فعلي، بل من حالة عدم اليقين ذاتها: ارتفاع أقساط التأمين البحري، وتأخر الناقلات، وتردد شركات الشحن العالمية، وتقلب توقعات الأسواق. وبعبارة أدق، فإن العراق يخسر اقتصادياً من “احتمال” الإغلاق بقدر ما يمكن أن يخسر من الإغلاق ذاته، لأن اقتصاده مبني على ثقة الأسواق واستمرارية التدفق أكثر من بنائه على مرونة تحوّطية حقيقية.
سادساً: مؤشرات البنية الاقتصادية ذات الصلة
| المؤشر | الوضع الحالي التقريبي | الحساسية لإغلاق المضيق |
| حصة الإيرادات النفطية من الموازنة الاتحادية | أكثر من ٩٠٪ من الإيرادات العامة | مرتفعة جداً — تأثير مباشر وفوري |
| منفذ التصدير الرئيس | موانئ البصرة (البصرة، خور العمية، جزيرة العمية) عبر الخليج العربي ومضيق هرمز | حرج — لا بديل مكافئ للحجم المُصدَّر |
| المنفذ البري البديل (خط كركوك–جيهان) | طاقة استيعابية محدودة ومرتبط تاريخياً بخلافات تشغيلية وسياسية بين بغداد وأربيل وأنقرة | تخفيف جزئي فقط، لا يعوّض أكثر من جزء صغير من الصادرات الجنوبية |
| الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي العراقي | بحدود عشرات المليارات من الدولارات، يُستخدم لدعم استقرار سعر الصرف | خط دفاع أول، لكنه ليس بديلاً مستداماً لتوقف طويل الأمد |
| فاتورة الاستيراد الغذائي والسلعي | اعتماد مرتفع على الاستيراد عبر الموانئ الخليجية والتركية | ترتفع تكاليف الشحن والتأمين فور أي توتر، وتنعكس تضخماً محلياً |
سابعاً: دروس من أزمات هرمز التاريخية
لم تكن هذه المرة الأولى التي يقف فيها العراق على حافة القلق من إغلاق مضيق هرمز، فتاريخ المنطقة حافل بمحطات مشابهة تقدّم دروساً عملية يمكن استخلاصها. ففي الفترة الممتدة بين عامي ١٩٨٤ و١٩٨٨، خلال ما عُرف إعلامياً بـ”حرب الناقلات” ضمن الحرب العراقية الإيرانية، تعرضت مئات الناقلات النفطية لهجمات واستهدافات في مياه الخليج العربي، دون أن يفضي ذلك إلى إغلاق كامل للمضيق، بل إلى ارتفاع حاد في أقساط التأمين البحري وتباطؤ في حركة الملاحة، وهو النمط ذاته الذي تكرر لاحقاً في أزمات أكثر حداثة شهدتها المنطقة، من استهداف ناقلات فردية إلى مصادرة سفن، إلى تهديدات متكررة برّية وبحرية لم تتطور إلى إغلاق رسمي معلن.
الدرس المشترك في كل هذه المحطات أن السوق العالمية تتفاعل مع “احتمال” الإغلاق أسرع بكثير من تفاعلها مع وقوعه فعلياً، وأن أسعار النفط ترتفع عالمياً بفعل علاوة المخاطر الجيوسياسية قبل أن يتغير شيء على أرض الواقع. وبالنسبة للعراق تحديداً، فإن هذا يعني أن أثر أي أزمة يبدأ في اللحظة التي تتصاعد فيها لغة التهديد إعلامياً وسياسياً، لا في اللحظة التي يُغلق فيها المضيق فعلياً إن حدث ذلك أصلاً؛ ما يستدعي جاهزية استباقية لا رد فعل متأخراً بعد وقوع الحدث.
ثامناً: ماذا يعني هذا كله للمواطن العراقي في حياته اليومية؟
قد يبدو الحديث عن مضيق يبعد آلاف الكيلومترات عن بغداد أو الموصل أو النجف بعيداً عن هموم المواطن اليومية، لكن الترابط بين هذا الممر المائي ومائدة الأسرة العراقية مباشر وسريع. فتذبذب تدفقات الدولار إلى خزينة الدولة ينعكس أولاً على سعر صرف الدينار في السوق الموازية، وهو المؤشر الذي يتحسسه المواطن يومياً في أسعار السلع المستوردة من الأجهزة الكهربائية إلى المواد الغذائية والأدوية. كما أن أي تأخر في تحصيل الإيرادات النفطية قد ينعكس، في الحالات الحادة، على انتظام صرف الرواتب والتقاعد لملايين الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على القطاع العام.
من هنا فإن الوعي الاقتصادي العام بحقيقة هذه المخاطر، بعيداً عن الذعر أو اللامبالاة، يشكل هو ذاته أداة حماية اجتماعية: فالمواطن المُلمّ بأن التوترات الإعلامية لا تعني بالضرورة انهياراً فورياً، أقل عرضة للانجرار نحو المضاربة على العملة أو التهافت على تخزين السلع بشكل غير عقلاني يفاقم الأزمة بدل احتوائها. وهذا بالضبط ما يجعل من الشفافية الحكومية والإعلام الاقتصادي الرصين شريكاً أساسياً في إدارة أي أزمة مقبلة، لا رفاهية إعلامية ثانوية.
تاسعاً: خيارات التخفيف المتاحة أمام صانع القرار العراقي
◈ الإسراع بتفعيل الطاقة الاستيعابية القصوى لخط كركوك–جيهان كصمام أمان جزئي، عبر تسوية الخلافات التعاقدية والفنية العالقة بين بغداد وأربيل وأنقرة بشكل استباقي لا رد فعل أزموي.
◈ الحفاظ على مستوى مريح من احتياطي البنك المركزي بالعملة الأجنبية، بما يكفي لتغطية عدة أشهر من فجوة الإيرادات في سيناريو الانقطاع المؤقت.
◈ تنويع مصادر الإيراد السيادي تدريجياً عبر تفعيل قطاع الغاز المصاحب وتقليل الحرق، والاستثمار في الطاقة الشمسية لتخفيف الاعتماد الكهربائي على الغاز المستورد الذي يتأثر هو الآخر بالتوترات الإقليمية.
◈ بناء مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية يقلل من الصدمة التضخمية الفورية عند أي اضطراب في خطوط الشحن.
◈ الانفتاح على أدوات تمويلية احترازية مسبقة (كخطوط ائتمان طارئة أو اتفاقيات تبادل عملة) بدل الاضطرار إلى التفاوض تحت ضغط الأزمة.
◈ تعزيز الشفافية والتواصل الحكومي مع المواطن بشأن حجم المخاطر الفعلي، لتفادي موجات الذعر الاستهلاكي والمضاربة على سعر الصرف في السوق الموازية عند أي تصعيد إعلامي.
خاتمة: الجغرافيا السياسية قدر لا يُلغى، لكن الهشاشة قرار يمكن تصحيحه
يبقى موقع العراق الجغرافي، واعتماده شبه الكامل على منفذ تصديري واحد يمر عبر أحد أكثر الممرات المائية توتراً في العالم، معطى بنيوياً لا يمكن تغييره بقرار سياسي أو مقال صحفي. لكن ما يمكن تغييره فعلاً هو درجة هشاشة الاقتصاد العراقي أمام هذا المعطى؛ فالفارق بين دولة تدار أزماتها بخطط طوارئ جاهزة ومخزون استراتيجي كافٍ، وأخرى تُفاجأ بها في كل مرة، هو فارق في الإرادة الإدارية لا في الجغرافيا. والدرس الذي تكرره أزمات هرمز المتعاقبة منذ عقود هو أن الاستثمار في التنويع الاقتصادي وبناء الاحتياطيات ليس ترفاً مؤسسياً، بل هو خط الدفاع الأول عن استقرار معيشة العراقيين في وجه تقلبات لا يملك العراق وحده مفتاح التحكم بها.


