حين أنهت الولايات المتحدة قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، بدا أن أحد أهم مرتكزات النظام النقدي الذي نشأ في بريتون وودز قد انهار. لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً: لم يستعد الدولار مكانته من خلال غطاء مادي جديد، بل عبر بناء شبكة من الطلب التجاري والمالي والجيوسياسي جعلت الاحتفاظ به ضرورة للاقتصاد العالمي.
كان النفط أحد أهم عناصر هذه الشبكة. فبعد أزمة 1973، عمّقت واشنطن علاقاتها الاقتصادية والمالية مع السعودية ودول الخليج، وأُنشئت عام 1974 اللجنة الأميركية–السعودية المشتركة للتعاون الاقتصادي، وكان من أهدافها المعلنة إعادة تدوير الفوائض النفطية في الاقتصاد العالمي والاستثمارات الأميركية. غير أن اختزال هيمنة الدولار في «اتفاق سري يفرض بيع النفط حصراً بالدولار» ليس دقيقاً؛ فلم يكن هناك عقد واحد أنشأ البترودولار بهذه الصورة، بل تداخلت تسعيرة النفط بالدولار مع عمق الأسواق الأميركية والاستثمارات الخليجية والعلاقة الأمنية بين واشنطن والرياض.
وبمرور الوقت، أصبحت قوة الدولار أوسع كثيراً من النفط. ففي الربع الأول من 2026، استحوذ الدولار على 57.1% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، متقدماً بفارق كبير على بقية العملات. وهذا يعني أن التفوق الأميركي أصبح مرتبطاً بحجم الاقتصاد الأميركي وسيولة أسواقه المالية وقدرة سندات الخزانة على استيعاب تريليونات الدولارات، وليس بالطاقة وحدها.
البنية المالية والعقوبات
العامل الثاني هو البنية التحتية المالية التي تجعل الدولار محوراً للمدفوعات الدولية. فنظام CHIPS الأميركي، على سبيل المثال، يسوي أكثر من تريليوني دولار من المدفوعات الدولارية في يوم العمل الواحد. وهذه المركزية تمنح السلطات الأميركية قدرة واسعة على فرض عقوبات على البنوك والشركات التي تعتمد على التسوية بالدولار.
لكن من الضروري التمييز بين هذه السيطرة وبين شبكة SWIFT. فالولايات المتحدة لا تملك SWIFT ولا تديرها منفردة؛ فهي مؤسسة تعاونية مقرها بلجيكا وخاضعة للقانون الأوروبي، وتشرف عليها مجموعة من البنوك المركزية. إلا أن العقوبات الأميركية والأوروبية استطاعت عملياً تقييد وصول بنوك إيرانية وروسية إلى أجزاء مهمة من النظام المالي الدولي، وهو ما جعل البنية المالية الغربية نفسها أداة من أدوات القوة الجيوسياسية.
كما عزز الانتشار العسكري الأميركي وضمان أمن طرق التجارة والممرات البحرية العلاقات بين النظام الأمني الذي تقوده واشنطن والنظام الاقتصادي القائم على الدولار. لذلك فإن قوة العملة الأميركية لا تستند إلى عامل منفرد، بل إلى تداخل القوة العسكرية والأسواق المالية والمؤسسات والقواعد التنظيمية.
العجز وسندات الخزانة
لكن لهذا النظام جانباً آخر: فهو يسمح للولايات المتحدة بتمويل عجز مالي ضخم من خلال إصدار سندات يشتريها المستثمرون والحكومات في أنحاء العالم. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ العجز الفيدرالي نحو 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2026، أي 5.8% من الناتج المحلي، وأن يصل الدين الذي يحمله الجمهور إلى نحو 101% من الناتج.
وهنا تؤدي مكانة الدولار دوراً حاسماً. ففي يونيو/حزيران 2026 بلغ إجمالي حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأميركية نحو 9.3 تريليونات دولار. وكانت اليابان أكبر حامل أجنبي بنحو 1.12 تريليون دولار، فيما امتلكت السعودية نحو 142.5 مليار دولار والإمارات نحو 114.8 ملياراً.
ولا ينبغي تفسير هذه الاستثمارات باعتبارها نتيجة «إجبار» الدول على تمويل الولايات المتحدة. فالأهم اقتصادياً أن سوق الخزانة الأميركية ظلت، بسبب حجمها وسيولتها، إحدى أكثر الوجهات قدرة على استيعاب الفوائض المالية العالمية. وهذا الامتياز نفسه يسمح لواشنطن بالاقتراض بكميات يصعب على اقتصاد آخر تحملها بالشروط ذاتها.
وتقدم اليابان نموذجاً مهماً. فعقود من أسعار الفائدة شديدة الانخفاض شجعت المستثمرين على الاقتراض بالين والاستثمار في أصول أعلى عائداً، ومنها السندات الأميركية، فيما يعرف بـ Carry Trade. لكن هذه البيئة تتغير؛ إذ رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 1% في يونيو 2026، وهو أعلى مستوى منذ ثلاثة عقود تقريباً، ما يقلل تدريجياً جاذبية الاقتراض الرخيص بالين للاستثمار في الخارج.
وهنا تظهر نقطة القوة ونقطة الضعف في الاقتصاد الأميركي معاً: الدولار يمكّن واشنطن من تمويل عجزها واستعمال نظامها المالي أداةً للنفوذ، لكن استمرار هذا الامتياز يعتمد في النهاية على ثقة العالم بأن الأصول الدولارية ستبقى أكثر سيولة وأماناً وجاذبية من البدائل. لذلك فإن مستقبل الهيمنة الأميركية لن يتحدد بحجم القوة العسكرية وحدها، بل بقدرتها على الحفاظ على هذه الثقة في ظل ارتفاع الدين والعجز وتنامي البحث العالمي عن بدائل مالية جديدة.


