وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!

وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
تستحضر مأساة إيزيدية في سنجار عام 1844، وتحوّل الجبل إلى رمز للهوية والصمود، عبر سرد إنساني يمزج التاريخ بالذاكرة والفلسفة والطبيعة واللغة الشعرية...

“الانسان الكريم الخير يحب الجبال، مما يدل على أنه عظيم ومهيب كالجبال العالية” -كونفوشيوس

قدّم لي الروائي المبدع، والشاعر المرهف الأخ (مراد سليمان علو) مشكوراً، مسودة إحدى رواياته المعنونة (1844 رواية- الرحلة الأولى) للاطلاع عليها وتقويمها قبل دفعها للطبع.

تتكون مسودة الرواية من (104) مئة وأربع صفحات من الحجم الكبير (A4)، مقسمة على عدد من العناوين الجالبة للانتباه، وهي: أهل الجبل- الكهف- المغارة- العم حموكا- الجيران- علو- ليلى- الحكيم شيبو- ولادة على الجبل- موت على الجبل- نشيد الجبل- وادي العرائس- ليالي الشتاء الطويلة- شيخ شرف- دوران الروح- زريف- القرية)، ورغم أن (تمّو) يعتبر أحد أبطال الرواية، ويضحي بحياته (جانگۆری Cangorî) متأثراً بإصابته في الرأس بعد مصرعه لـ (جندرمه) شارك في حملة إبادة سنجار.

تدور أحداث الرواية عن احدى الفرمانات على سنجار عام 1844، وتشير هذا التاريخ، أغلب الظن، إلى حملة الإبادة التي قادها أحد أمراء البدرخانيين (عزالدين شير) على إيزيدية سنجار.

أبطال الرواية هم الوالدة (زريف)، التي استشهد زوجها في الفرمان وهي والدة كل من (تمّو) الذي فارق الحياة والتحق هو الآخر بوالده بعد أن قتل (جندرمه) بخنجره، و(علو) الطفل الحالم. و(العم حموكا)، والطفلين (علو وليلى) ملاذهم جبل سنجار الأشم بكهوفها ومغاراتها، رمز الصمر والحرية، وابطال الرواية رغم بساطتهم وكونهم قرويين، وأحلامهم بسيطة، لكن في المقابل أفكارهم وتربيتهم لـ (علو وليلى) هي أفكار الحكماء الصينيين أمثال (لا وتسه) وكذلك الفيلسوف (ياو تشو). الرواية مليئة بالرموز والصور الابداعية المستندة على عقيدة الدين الأيزيدي، سأشير إلى البعض منها لاحقاً.

وتستمد الرواية أهميتها من تناولها إحدى الفرمانات التي تعرض لها المجتمع الأيزيدي في سنجار سنة 1844، وهي مرحلة تاريخية شديدة الحساسية في الذاكرة الجمعية للأيزيديين. ومن الناحية النقدية، فإن تحويل الحدث التاريخي إلى مادة روائية لا يهدف إلى إعادة سرد الوقائع فحسب، بل إلى استعادة التجربة الإنسانية للضحايا والناجين.

يبدو أن الرواية تنتمي إلى ما يسمى في الدراسات الأدبية بـ “الرواية التاريخية الإنسانية”، حيث لا يحتل الحدث العسكري أو السياسي مركز السرد بقدر ما يحتله الإنسان البسيط الذي يعيش تداعياته اليومية.

تتميز الشخصيات الرئيسة (زريف، حموكا، علو، ليلى) بانتمائها إلى البيئة الريفية البسيطة، لكن الرواية تتجنب الصورة النمطية للقروي الجاهل، وتقدم نموذجاً مختلفاً يتمثل في “الحكمة الفطرية”.

وهنا تظهر إحدى نقاط القوة الفنية للرواية: زريف تمثل الأم الحافظة للهوية والذاكرة. العم حموكا يمثل الحكمة الشعبية والخبرة المتراكمة. (علو وليلى) يمثلان المستقبل واستمرارية الوجود. هذا البناء يجعل الشخصيات رموزاً اجتماعية وثقافية تتجاوز حدودها الفردية.

من أكثر العناصر تميزاً في الرواية الجمع بين الحكمة الأيزيدية المحلية وبين أفكار حكماء الشرق مثل لاو تسي ويانغ تشو من الفلاسفة الصينيين بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد.

هذا المزج يخلق بعداً فلسفياً مهماً، إذ يجعل الإنسان جزءاً من الطبيعة لا سيداً عليها، وهي فكرة مركزية في الفلسفة الطاوية وكذلك في كثير من التصورات الدينية الأيزيدية. ومن الناحية النقدية، فإن هذا التداخل الثقافي يمنح الرواية طابعاً إنسانياً عالمياً، فلا تبقى محصورة في إطارها المحلي.

أن جبل سنجار هو الشخصية المركزية الحقيقية في الرواية، وله رمزية خاصة؛ فالعبارات:

“الجبل من أكبر الكائنات الحية عمراً، وأكثرها وقاراً، انه أكثر وقاراً وحكمة حتى من الحكيم شيبو، بل من الشيخ شرف نفسه.”

“الجبل ليس مكاناً نعيش فيه، بل مكاناً يعيش فينا.”و “الجبل هو الحارس الذي لا ينام، والعملاق الذي يتنفس ببطء، والأب الحنون الذي يحضننا جميعاً”

“الجبل يعرف أبناءه من خطواتهم، ويعرف الغرباء من أنفاسهم.” و “أهل الجبل ملتصقون ببعضهم أكثر من أهل القرى”

و “القرية ليست مجرد مكان، بل قصيدة طويلة مكتوبة بالماء والضوء والثمار، تحفظها الضفادع، وتعيد السنونوات ترتيلها كل صباح قبل العجائز ورجال الدين” و “في القرية يكون لك أحلام عليك تتبعها، عكس الجبل لا تملك غير خطواتك وعليك التأكد أين تضعها”، إلى غير ذلك من عشرات الصور الإبداعية التي تمثل ما يسميه النقد الحديث بـ”أنسنة المكان” أو “تحويل المكان إلى ذات واعية”.

جبل سنجار هنا ليس جغرافيا جامدة، بل: ذاكرة جماعية. أبٌ روحي. ملاذ وجودي. رمز للحرية والصمود.

وهذا يذكر ببعض الأعمال الأدبية العالمية التي تحولت فيها الطبيعة إلى بطل موازٍ للشخصيات البشرية.

وان أغلب هذه الصور تدل على لغة ذات نزعة شعرية عالية. فعندما يقال: “الجبل يعرف أبناءه من خطواتهم، ويعرف الغرباء من أنفاسهم” فإننا أمام استعارة ممتدة تمنح الطبيعة وعياً وإدراكاً إنسانياً.

كما أن عبارة: “يكمن جمال الجبل وعظمته في احتواء الجميع بشراً وحيواناً” تحمل دلالة أخلاقية وإنسانية تتجاوز الوصف الطبيعي إلى فلسفة التعايش والاحتواء.

ومن منظور البلاغة الحديثة، فإن رواية كاتبنا الكبير الأستاذ مراد سليمان تعتمد على: التشخيص، الرمز، الاستعارة الكلية، الصورة المركبة؛ وهي أدوات تمنح النص عمقاً تأويلياً واضحاً.

البعد الأيزيدي

من أهم عناصر الرواية استنادها إلى الموروث العقائدي والثقافي الأيزيدي دون أن يتحول ذلك إلى خطاب وعظي مباشر. فالرموز المرتبطة بالجبل والطبيعة والحرية والصمود تبدو مندمجة عضوياً في السرد، وهو ما يمنح العمل أصالة ثقافية ويجعله وثيقة أدبية لحفظ الذاكرة الأيزيدية.

وفق المعطيات المتاحة، يمكن القول إن رواية كاتبنا المبدع (مراد سليمان) تنجح في الجمع بين أربعة مستويات متداخلة:

المستوى التاريخي: توثيق إحدى المآسي الأيزيدية.

المستوى الإنساني: معاناة الإنسان البسيط وأحلامه.

المستوى الفلسفي: الحكمة والعلاقة مع الطبيعة.

المستوى الرمزي والشعري: تحويل جبل سنجار إلى رمز كوني للصمود والحرية.

ان النص الكامل للرواية يحافظ على هذا المستوى من التماسك بين التاريخ والرمز والفلسفة، فإن «1844 – الرحلة الأولى» يمكن تصنيفها ضمن الروايات التي تسعى إلى بناء ملحمة إنسانية أيزيدية أكثر من كونها مجرد رواية تاريخية، وتكمن قوتها الأساسية في جعل جبل سنجار رمزاً للهوية والوجود والاستمرار في مواجهة محاولات الإبادة والاقتلاع.

أما من منظور النقد الأكاديمي، فأبرز عناصر التميز فيها تبدو: قوة الرمز المكاني، العمق الفلسفي، استحضار الذاكرة الجماعية، اللغة التصويرية الشعرية، وتحويل الشخصيات البسيطة إلى حوامل لقيم إنسانية كبرى.

خليل جندي- Bovenden في 18.6.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *