نحو فهم جديد لنيتشه

نحو فهم جديد لنيتشه
قراءة تأويلية معمّقة لفلسفة نيتشه، تسعى إلى تفكيك سوء الفهم حول الإلحاد والإنسان الأعلى، وتبرز إرادة القوة، وتنتقد استغلال أفكاره أيديولوجياً، مؤكدة أن «هكذا تكلم زرادشت» دعوة للتجاوز الأخلاقي والشجاعة لا للعنف أو العنصرية....

الكتب التي ألفت عن الفيلسوف نيتشه، وعن فلسفته ناهيك عن البحوث والمقالات.. الخ. أكثر من الكتب التي ألفها هو نفسه بمئات المرات، وبالتأكيد ستتضاعف هذه الكتب في المستقبل.

ياله من محظوظ نيتشه هذا! كتب كثيرة كتبت وستكتب عنه!

ولكن، لو كنت قارئا ممتازا، أي من النوع الذي يمكنه تقييم كتاب وتصنيفه بمجرد قراءته. لو كنت من هذا النوع سترى بأن معظم ما كتب عنه لم تفيه حقه، بمعني أنها بعيدة عمّا يريد نيتشه العزيز أن يقوله في كتاباته. أي أنهم كما يقول المثل العامي (يخوطون بصف الاستكانة).

لا شك أن أعظم ما كتبه فردريك نيتشه هو كتاب (هكذا تكلم زرادشت)، أو هكذا يقال دائما، ويمكن الاطلاع على مئات القراءات والكتب والمقالات عن هذا الكتاب ـ وهنا سأوجز لكم الطريقة الدرامية التي بدأت بأكثر الكتب التي أثرت في الناس في العصر الحديث.

بداية كلام زرادشت (1):

لما وصل زرادشت الى عمر الثلاثين أكتشف أنه لم يعد قادرا على العيش وسط الناس، فهم لا يفهمونه، وهو بدوره لم يعد يفهمهم؛ ولذلك قرر أن يترك الناس ويترك حياته الرغيدة، ويصعد للجبل؛ ينشد الهدوء والوحدة التي يرغب فيها. وبدلا عن الناس يكلم الشمس أو القمر، ويرافقانه في رحلته: نسره وأفعوانه.

وهكذا تمر على وحدته في الغار وتأملاته في الطبيعة واكتشاف ذاته عشرة أعوام.

وفي صباح ذات يوم خرج من مغارته وخاطب الشمس قائلا:

يا شمس! أية سعادة كانت ستكون لك لو لم تنر على الناس، ويستمتعوا بدفئك ونورك ويشيدون بك. لعشر سنوات تتردد عليّ وعلى مغارتي، ولولاي، ولولا نسري وأفعواني لأصابك الملل من نورك الذي ترسله الينا. ولكننا كنا ننتظرك كل صباح لتفيض علينا بنورك ونشيد بك. لولانا لكانت حياتك بلا معنى. الملاحظ أن الشمس مؤنث، باللغة الألمانية أيضا، ولكنه يخاطبها كنجم، والنجم مذكر.

أريد أن أقلدك وأكون مثلك أيها النجم.

سأترك الجبل لألتقي بالناس.

وينزل زرادشت حتى يلتقي بشيخ وحيد في الغابة. وقال الشيخ مع نفسه أنني أعرف هذا الرجل فقد مرّ بي منذ عشر سنوات وكان مطفئ، وهو الآن منوّر كوجه طفل قد تناول في فطورة بيضة وكأس حليب ورغيف خبز حنطة مرشوش عليه سمسم مع أستكان شاي عراقي. وسأله:

“لماذا تريد أن تجرجر جسدك بنفسك من جديد يا زرادشت؟”.

ــ أنني أحب البشر.

ــ ومن حبي للبشر تراني هنا في الغابة، ولكنني أحب الله أكثر!

وبعد الافتراق الذي ليس منه بد، قال زرادشت مع نفسه بصوت مسموع:

“أيعقل هذا، هذا القديس العجوز لم يسمع هنا في غابه بعد، أن الله قد مات!”.

وذهب زرادشت الى البشر.

وهكذا بدأت القصّة، وتلك كانت البداية.

والسؤال هو:

هل كان زرادشت ذاهبا ليستنجد بالبشر، أم لينجدهم؟

هكذا يجب أن نسأل أنفسنا!

ماذا قال نيتشه بلسان زرادشت للناس؟:

ــ أيها الناس، أنني أعلمكم الأنسان الأعلى (2). أن الأنسان شيء عليكم أن تتجاوزوه. ولكي يجعلنا نفهم ما يريد أن يقوله، فهو يدرك بحدسه أننا فينا شيء من الغباء، يقول بما معناه:

“كما أن القرد هو بالنسبة لحيوانات الغابة أضحوكة، هكذا هو الأنسان، أضحوكة بالنسبة للإنسان الأعلى الذي أثقف له، وأدعو اليه”.

وبهذه الطريقة الدرامية بدأت القصّة (3)، الرواية، الديوان الشعري، الشذرات، القصص.. الخ من التسميات، وهو من أكثر الكتب التي أثرت في أنسان العصر الحديث.

ماذا أراد أن يقول نيتشه:

لنعد الى بداية الحوار: طبعا أكثر الناس يعتقدون أن نيتشه هو ملحد صرف وغير مؤمن وداعية للألحاد ويثقف للألحاد. لأنه بشر (بتشديد الشين) بموت الله وقد أعترف بذلك كتابة في جملته الشهيرة في بداية كتابة (هكذا تكلم زرادشت) ولكن نحتاج الى تفكيك فلسفة نيتشه ولنبدأ بمستهل زرادشت:

لنبدأ بالأسئلة التالية:

1ـ ما هو الدليل بأن نيتشه كان ملحدا؟

2ـ ما هو الدليل أن نيتشه كان يدعو للألحاد؟

يبدو أن نقطة الخلاف هي جملته الشهيرة (أن الله قد مات) بعد مقابلته للشيخ المؤمن في الغابة، ولكن مهلا أنه في بداية لقاءه بالشيخ كان زرادشت حريص جدا ألا يسلب الشيخ أيمانه، أو يشككه في إيمانه، فهو كما نعلم قال (أحبّ الله). زرادشت كان يرى عند لقاءه بالشيخ أنه في غنى تام عن دعوته وتعاليمه. ومن هم بحاجة لسماع مواعظه أولئك الناس الذين يعيشون على الهامش وفي غفلة من حيواتهم؛ وهم بالتالي أناس خائفون وضعفاء ومرتبتهم هي الأنسان فقط وليس الأنسان الأعلى. ولهذا رحل عن الشيخ دون أن يعظه. وهذه نقطة يغفل عنها بعض الباحثون والكتاب.

3ـ هل كان نيتشه يقصد بجملته (أن الله قد مات)، بمعنى (أننا قتلناه في داخلنا) نستكشف من لقاءه بالشيخ في الغاب هذا الشيء تماما.

أذن الأنسان في نظر نيتشه كان، وربمّا لا يزال بحاجة الى شيء جديد يخرجه من الظلمات التي يعيش فيها ومن الخوف من المواجهة.

نيتشه كان يرى وبلسان زرادشت، وزرادشت هذا بطل الرواية الخيالي وليس النبي زرادشت نفسه كما لا يخفى. كان يرى أن الدين أعطى القوة لرجال الدين والضعف للناس فنتج عن ذلك رجال دين يستغلون الضعفاء. والضعيف هو أنسان متقهقر في إنسانيته أي أن الله قد قتل في داخله لأن الله قوي وشجاع ويدعو للمواجهة لا للاستسلام والخنوع. الى درجة أنه أي نيتشه شبهه بالقرد وربما لهذا خط تحت عنوان كتابة عنوانا فرعيا: كتاب للجميع ولا لأحد. أي أنه كتاب بإمكان أي فرد أن يقرأه ويفهمه، ولكن في الحقيقة لا أحد يفهمه (4). ولهذا أيضا نرى أن نيتشه كان يشكو من الناس دوما ويجهر أنهم يسيئون فهمه دوما. وهذا ما حصل فجميع الذين كتبوا عن نيتشه كانوا يعيشون في عالم غير عالم نيتشه. حتى أن أدولف هتلر كان يعتبره فيلسوف النازية وأستخدم مفاهيمه بصورة مغلوطة ليعلن بها تفوق العرق الآري باعتباره هو الأنسان الأعلى الذي كان الفيلسوف يقصده. ومن المثير أن يكون صديقنا نيتشه قد رد عليهم جميعا في زمانه بصورة استباقية قائلا في نفس الكتاب بلسان زرادشت الذي لم أحب اسمه يوما قائلا:

“أن صغار الناس يتحدثون عني في سمرهم دون أن يفكر أحدهم بي، فتذهب ضجتهم تحوك دثارا لتفكيري فأتمتع بنوع من السكون ما كنت أعرفه من قبل”.  

 مع نيتشه في كهف زرادشت

عن لدغة الأفعى (5)

النصّ من ترجمة: علي مصباح (6)

“استلقى زرادشت ذات يوم قائظ تحت شجرة تين، ونام محكما ذراعيه على وجهه. فجاءت أفعى ولدغته في رقبته مما جعله يصرخ من شدّة الألم. ولما أزاح ذراعيه عن وجهه نظر إلى الأفعى؛ عندها تعرفت على عينيّ زرادشت فاستدارت بحركة مضطربة تريد الانصراف. “لا تفعلي، قال لها زرادشت، فأنت لم تتقبلي بعد عبارات شكري! لقد أيقظتني في الوقت المناسب، لأنه ما تزال أمامي طريق طويلة”. ـ “إن طريقك غدت قصيرة، قالت الأفعى بشيء من الأسى، ذلك أن سمّي قاتل”. ابتسم زرادشت قائلا: “متى رأيتِ تنينا يموت بسمّ ثعبان؟ بل لتستردّي سمك! فأنت ما زلت غير غنية بما فيه الكفاية كي تمنحيني إياه”. وإذا الحيّة ترتمي مجددا على عنقه وتلعق جرحه.

ولما روى زرادشت هذا الأمر لتلامذته ذات مرّة سأله هؤلاء: ” وما هو مغزى حكايتك يا زرادشت؟” فأجابهم زرادشت هكذا:

مدمّر الأخلاق يدعوني أهل الصلاح والعدل: إن حكايتي لا تنطوي على حكم أخلاقي.

لكن إذا ما كان لديكم عدوّ فلا تجاوزوا شرّه بحسنة؛ إن ذلك سيجعله يشعر بالخجل. بل برهنوا له بأنه فد أحسن إليكم.

ولتنفجروا غضبا بالأحرى فذلك أفضل من أن تُخجلوا (بتاء مضمومة) أحدا. وإذا ما لعنتم، فإنه لن يعجبني أن أراكم تباركون لاعنكم. بل من الأحسن أن تلعنوا قليلا بدوركم!

وإذا ما أصبتم بمظلمة كبيرة، فلتسارعوا لي بإتيان خمسة مظالم صغيرة مقابلها!، لأنه فظيع مظهر ذلك الذي يرزح لوحده تحت وطأة مظلمة.

أما عرفتم هذا بعد؟ إن ظلما مقتسما يساوي نصف عدالة. وليأخذ الظلم على عاتقه ذلك الذي يقدر على تحمله!

إن قصاصا صغيرا لأكثر أنسانيّة من عدم القصاص. وإذا لم تكن العقوبة أيضا حقا وشرفا بالنسبة للمنتهِك، فأنني لا أرغب في عقوبتكم أيضا.

وإنه لأسمى أن يسند الواحد لنفسه مظلمة من أن يحتفظ بالحق لنفسه، خاصة عندما يكون المرء على حق. لكن على المرء أن يكون غنيا بما فيه الكفاية لمثل هذا الأمر.

لا أحبّ عدالتكم الباردة؛ وفي عينيّ قضاتكم يتراءى لي دوما وجه الجلاد ونصله البارد.

قولوا لي أين توجد العدالة التي هي حبّ بعينين بصيرتين؟

فلتبتدعو لي أذا الحبّ الذي لا يحمل كل العقاب فقط، بل كل الذنب أيضا!

ولتبتدعو لي إذا العدالة التي تبرئ الجميع، عدا القاضي.

أتريدون الاستماع إلى هذا الأمر أيضا؟ من يريد أن يكون عادلا كل العدل سيجعل من الكذب أيضا سماحة تجاه البشر. لكن كيف يمكنني أن أكون عادلا كلّ العدل! كيف يمكنني إعطاء كل حقه؟ بل يكفيني هذا: أن امنح كل أحد حقي الخاص.

وأخيرا، احذروا يا أخوتي أن تظلموا كل متوحد! من أين للمتوحد أن ينسى؟ ومن أين له أن يجازي بالمثل!

مثل بئر عميقة هو المتوحد. ليس صعبا أن يقذف فيها بحجر! لكن قولوا لي من بإمكانه استخراج ذلك الحجر إذا ما استقر في القاع؟

احذروا من إهانة المتوحد! لكن إذا ما فعلتم ذلك، فلتقتلوه بعدها إذا!

هكذا تكلم زرادشت.

تفكيك وتأويل النص:

تنبهت إلى الفلسفة بصورة عامة كنوع راق من الكتابة الإبداعية؛ بوسعها أن تحتوي على أجوبة في أعقد المسائل الحضارية والإنسانية التي شغلت وما تزال تشغل البشر. مذ أن كنت طالبا في الدراسة الإعدادية، أتجول بين مكتبات الموصل في أسواقها العامرة في بداية الثمانينات.

إلا أنني لم استغرق في قراءة نيتشه إلا بعد وصولي إلى المرحلة الرابعة من دراستي في كلية الإدارة والاقتصاد/ جامعة الموصل.

وحينها وجدت تشابها بين أسلوب نيتشه وطريقة شرحه لبعض الأمور لأستاذ لي في مادة التسويق، يدعى (أُبي الديوه جي) (7) بضم الألف. وهو ابن المؤرخ الموصلي المعروف (سعيد الديوه جي) الذي تناول المجتمع الأيزيدي كديانة وكمجتمع وأساء التقدير والوصف وكان له رأي متزمت فيهم.

كان لهذا الأستاذ الكبير ـ والذي أصبح لاحقا رئيسا لجامعة الموصل ـ كتابا في التسويق عنوانه (التسويق) مشوقا مكتوب بأسلوب فلسفي بسيط وواضح.

كنت احتفظ بهذا الكتاب القيم إلى أن بعثرت (داعش) مكتبتي في الثالث من آب 2014. أنصح بقراءة هذا الكتاب للوقوف على فن جميل في التأليف لا نجده هذه الأيام.

ثم، اشتريت كتاب (هكذا تكلم زرادشت) بعد أن شوقني إليه المؤرخ والكاتب العظيم (ول ديورانت) في كتابة (قصة الفلسفة) فبعد أن قرأت الفصل المتعلق بنتشه ودعوته إلى الإنسان السوبرمان أي الأعلى حسب ترجمة علي مصباح، وعدم ورود الرسالة كاملة في (قصة الفلسفة) كان على أن ألتفت إلى كتب نيتشه المترجمة إلى العربية فاقتنيت (هكذا تكلم زرادشت) وكان حينئذ من ترجمة الأديب (فلكس فارس).

الأستاذ (فلكس فارس) أديب وشاعر مرموق ولكن لم يعجبني محاكمته لنيتشه حسب المتن، وكذلك لم يعجبني اختصاره اسم (زرادشت) بطل الرواية إلى (زارا).

استغرق الأمر عشرات السنين حتى انبرى مترجم آخر يدعى (علي مصباح) ـ والنص أعلاه من ترجمته ـ ليسحب البساط من تحت أقدام المترجم (فلكس فارس). كلاهما لهما أسلوب مختلف في ربط بعض الجمل وترجمة بعض المصطلحات، ولكن شبيهان في تحقيق الغاية وبالتالي قراءة الاثنين متعة لا توصف.

على كل حال فهذا هو الكتاب الأكثر غموضا ورواجا فهو ضمن أفضل عشرة كتب في التاريخ البشري، وهكذا نرى ملحمة فلسفية بأسلوب شعري متمكن وحبكة روائية رائعة لحكيم يخرج من كهفة بغته بعد أن اكتفى من التأمل والوحدة؛ ليعلم الناس ويعطيهم حكمته دون مقابل وحسب ما يصادف من أناس ومارة في مغامراته عند القيام برحلته.

لا حاجة بنا لنستشهد بما قاله الأدباء والشعراء والفلاسفة عن هذا الكتاب فلا يمكن الوقوف عليها جميعا، ولنستشهد بما ذكره نيتشه نفسه عن (هكذا تكلم زرادشت) وحتى قبل أن يصدره.

يقول نيتشه في رسالة كتبها إلى (مالفيدا فون مايزنبورغ) في 20 أبريل 1823 ليعلن لها فيها عن هذا الكتاب قائلا: “…إنها قصة رائعة: لقد تحديت كل الديانات ووضعت كتابا مقدسا جديدا! وبكل جدية أقول إنه على غاية من الجد كما لم يسبق لكتاب آخر أن يكون، وإن استوعب الضحك وأدمجه في الدين”.

ماذا يريد نيتشه؟

يقول نيتشه:

“ما لا يقتُلنا يجعلُنا أقوى”.

وهو بذلك يدعونا إلى البحث عن القوّة، لا عن الحياة السهلة. وتركز فلسفته على ضرورة أن يكون المرء شجاعا وعلى أساس المرور بدرب الألم والتضحية تكون العظمة والنجاح.

ويأتي ذلك بالاعتماد على الغريزة فهي مصدر قوة الإنسان التي تمنحه السرور والنشوة وبالتالي القوة.

وخلاصة القول إن منهج نيتشه مستقل بذاته، وهو يسعى بذلك إلى تحقيق المعرفة الإنسانية.

للوصول إلى هذه الحقائق يجب العودة إلى نصوصه دائما ومن خلال البحث والتنقيب المستمرين يمكن إزاحة الأقنعة التي تحجب الحقيقة عنه.

ومن واقع تجربتي مع كتاب (هكذا تكلم زرادشت) مثلا أقول: القراءة الأولى لي كانت اكتشافا لوجود مادة ثمينة بين دفتي هذا الكتاب. وكانت القراءة الثانية بتأن أكبر.. وهكذا توالت القراءات ومع كل قراءة كان هنالك شغفا للخروج بالمزيد من الفوائد من نصوص الكتاب وإلى الآن.

نيتشه نفسه كان شاعرا ولغويا إضافة لكونه فيلسوفا يرى أن القيم أو الأخلاق هي أصعب ما يمكن للمرء أو المجتمع تغييره لأنها قوية الركيزة عميقة الجذور، لذلك حمل مطرقته ليهدم كل شيء ويعيد البناء من جديد.

عود على بدء:

حان الوقت لنعود إلى النصّ أعلاه والذي عنوانه (عن لدغة الأفعى). ومن قرأ (هكذا تكلم زرادشت) يرى بأن هذه هي المَرّة الأولى التي يُذكَر فيها نيتشه بلسان الحكيم (زرادشت) شيء عن التلاميذ يقدم لهم أستاذهم قصة رمزية بامتياز حيث نجد فيها:

1ـ إشارة إلى شجرة التين التي تذكرنا بالخائن (يهوذا الإسخريوطي) الذي شنق نفسه عليها بعد أن خان المسيح.

2ـ شجرة التين ملعونة في بعض الأدبيات اللاهوتية كالكوميديا الإلهية لدانتي والتي تمثل مركز الجحيم.

3ـ هذه الحدوتة لا تخلو أيضا من إشارات دينية (الأفعى، والتنين) أنظر سفر التكوين، الإصحاح الثالث.

 يقول الكاتب والمترجم السوري (إبراهيم جركس) في تناوله لكتاب (هكذا تكلم زرادشت) في مقالة في الحوار المتمدن:

“…ولكننا نجد إن نيتشه وبلسان بطل الرواية (زرادشت) يفسرها ضمن موضوع أشمل عن الحبّ. لكننا هنا في متن هذه الرواية ليس لدينا حبّ المرء لعدوّه. إنّ العلاقة مع العَدوّ إمّا أن تكون مثمرة بشكلٍ متبادل للتجاوز، أو أنّها مجرّد رابطة تافهة ومهينة بشكل متبادل، وهذه هي نفس الرسالة التي تقرّها في الكتاب الأول، قسم “عن الحروب والشعوب المحاربة”. إنّ العلاقة بالعدوّ هنا هي بشكلٍ عام انعكاس مرح أو تشويه للمبدأ المسيحي القائل بإدارة الخَدّ الآخر…”

يقول مراد سليمان علو: ألا يذكرنا هذا بالفرد الأيزيدي عندما يذهب إلى الصلاة (الدعاء) يدعو في نهاية دعاءه بالخير لإثنين وسبعين مله قبل نفسه وقبل عائلته وقبل عشيرته، فهذا هو نيتشه يهدم بمطرقته هذه الدعوة التي تنم عن خوف أو جهالة.

وأنني بدوري استنكر تلك الدعوات المريضة التي تنم عن خوف أو مصلحة للمصالحة مع قاتلي أطفالنا ومغتصبي نساءنا، بل علينا أن نبتعد عنهم لنتسلح بألف مطرقة مثل مطرقة نيتشه. نهدم كل شيء لنبني الإنسان الأيزيدي الأعلى من جديد.

إنّ مناقشة مفهوم العدالة بالمعنى الواسع يتحوّل بسرعة إلى حيّز العدالة الاجتماعية. إنّ فعل الخير والإحسان بالنسبة لبطل الرواية، حبّه للإنسان وهبَتَهُ له، كما رأينا، تتمثّل في إهداءه حكمته له وهي أي الحكمة لا تخدم الناس بشكلٍ عام، لكنها تخدم الإنسان الأعلى الذي يدعوا له نيتشه.

تخيّر الموت (8)

النصّ من ترجمة: فليكس فارس

“كثير مًنْ يتأخرون في موتهم، وكثير من يبكرون. فإذا قال قائل للناس بالموت في الزمن المناسب، رفعوا عقيرتهم مستغربين. وزارا يعلّم الناس أن يموتوا في الزمن المناسب. ولكن أنى لمن يعرف الحياة أن يتخيّر الموت في أوانه؟

أفما كان خيرا للدخلاء على الحياة لو أنهم لم يولدوا. ولكن هؤلاء الدخلاء يريدون أن يولي الناس أهمية كبرى لموتهم، وكم من نواة تباهي بأنها كسرت وهي جوفاء.

إنهم يعلقون أهمية على الموت لأنهم ما عرفوا بهجة الموت، فالناس لم يعرفوا حتى اليوم كيف يقدسون أبهج الأعياد. ولسوف أنبئكم بالموت الذي يقدس، الموت الذي يدفع الأحياء ويجتذبهم بحوافزه وآماله. إن من أكمل عمله يموت ظافرا وحوله من يحفزهم الأمل وتنطوي فيهم الأماني. تعلموا أن تموتوا هكذا، ولكن أعلموا أن لا ظفر لمن يموت إذا هو لم يبارك ما أقسم الأحياء بإتمامه.

تلك هي الميتة الفضلى، تليها في المراتب من يسقط في المعركة وهو ينشر عليها عظمة روحه. غير أن ما يحتقره المجاهدون والظافرون على السواء إنما هو ميتتكم الشوهاء التي تزحف لصا وتتقدم آمرا مطاعا.

ما أجمل ميتتي إذا أنا تخيرتها فجاءتني لأنني أطلبها.

ولكن متى يجدر بالإنسان أن يطلب الموت؟

إن من يتجه إلى مقصد في الحياة وله وريث، وجب عليه أن يتمنى الموت في الزمن المناسب لغايته ولوريثه، لأنه يأنف حرمة لهما /ن أن يلقي بالأكاليل الذابلة على هيكل الحياة.

أنني لا أريد أن أحبُك الخيوط وانسحب إلى الوراء كمن يفتلون الحبال.

من الناس من لا يتجاوزون بأعمارهم الحد اللائق بالحقائق والظفر، وخليق بالفم المجرد من ألا يتناول ببيانه جميع الحقائق. على الطامحين إلى الظفر أن يودعوا الأمجاد في الزمن المناسب ليتمرنوا على فن الرحيل عن الدنيا في الزمن المناسب أيضا، ومن واجب المرء أن يتوقف عن عرض نفسه للآكلين عندما يكفون عن تذوقها.

ولكن من الأثمار كالتفاح من تقضي طبيعته الحامضة عليه أن ينتظر النضوج إلى آخر أيام الخريف، فإذا هو ماثل للنظر باصفرار الشيخوخة وتجاعيد أساريرها.

ومن الناس من يدبّ الهرم إلى قلوبهم أولا، ومنهم من يدب الهرم إلى عقولهم، ومنهم من يشيخون في ربيع الحياة، غير أن من يبلغ الشباب متأخرا يحتفظ بشبابه أمدا طويلا.

ومن الناس من ضلوا السبيل في حياتهم، فأضاعوا عمرهم، فعلى هؤلاء أن يعملوا على بلوغ التوفيق في موتهم على الأقل.

وهنالك أثمار لا تنضج لأنها تتهرأ في الصيف ولكنها تبقى معلقة بأغصانها لأن جبنها يصدها عن السقوط. وهكذا نرى في العالم أناسا يلتصقون التصاقا بأغصانهم، فهل من عاصفة تهب على الشجرة لتسقط ما عليها من أثمار تهرأت ورعى الدود قلبها؟ ليتقدم دعاة الموت العاجل وليهبوا كالعاصفة على دوحة الحياة، غير أنني لا أرى غير دعاة للموت البطيء يعظون بالصبر واحتمال كل مصائب الأرض.

إنكم تدعون إلى مكابرة الأرض ومجالدتها، أيها المجّدفون والأرض صابرة عليكم صبرها الجميل.

والحق إن ذلك العبراني الذي يمجده المبشرون بالموت البطيء قد مات قبل أوانه، ولم يزل جمٌّ غفير يعتقد بان ميتته المبكرة كانت مقدورة عليه.

وما كان هذا المسيح العبراني فد عرف غير دموع قومه وأحزانهم وكيد أهل الصلاح والعدل، لذلك راودته فجأة شهوة الفناء.

صدقوني، أيها الأخوة، إن المسيح قد مات قبل أوانه، ولو إنه بلغ العمر الذي بلغت، لكان جحد تعاليمه، وقد كان له من النبل ما يكفيه لاقتحام العدول عنها، ولكنه لم يبلغ النضوج، ولم تبلغه النحبة في الشباب، فكره الناس وكره الأرض. وهكذا بقيت روحه مثقله ولم ينشر جناحه المهيض.

إن في الرجل من الطفولة ما ليس في الشباب، فالرجل الناضج أقل حزنا وأقدر على فهم الحياة والموت، لأنه يشعر بحريته للموت وبحريته في الموت، وإذا امتنع عليه أن يثبت شيئا أنكره.

حاذروا أن يكون موتكم تجديفا على الأرض والإنسان أيها الأصحاب. تلك هي النعمة التي استجديها من وداعة روحكم.

ليرسل فكركم وفضيلتكم آخر أشعتها في احتضاركم كما ترسل الشمس الغاربة آخر أنوارها على الأرض، وإلا فإن ميتتكم ستكون فاشلة. إنني هكذا أريد أن أموت ليزداد حبكم للأرض من أجلي، أيها الأصحاب. أريد أن أعود إلى الأرض التي خلقت منها لأجد الراحة في أحضانها.

لقد كان زارا يرمي إلى هدف وقد أطلق سهمه الآن فارموا إلى هذا الهدف بعدي، لأنني من أجلكم أطلقت سهمي الذهبي. فما أشتهي شيئا اشتهائي أن أراكم تطلقون سهامكم الذهبية أيضا، ولسوف أبقى على الأرض قليلا لأمتع عيني بهذا المشهد، فاغتفروا لي هذا التخلف إلى حين.

هكذا تكلم زرادشت.

 تفكيك النصّ وتحليله:

في هذا النصّ يقول نيتشه على لسان بطله:

“… يجب أن يكون موت المرء تذكارا خالدا، ومهرجانا حافلا، احتفالا بالحياة التي أحياها والتي دربها هو التغلب على الذات بعد معرفته حق المعرفة. يدعوا على لسان زرادشت من أجل العبور إلى مرتبة الإنسان الأعلى ـ الإنسان الخارق ـ (السوبرمان)، فالموت عنده ضرورة أخلاقية على المرء أن يعيش بطريقة تجعله يمتلك إرادة موته في الوقت الملائم”.

وما يزيد إثارة هذا النص الاستثنائي هو مناقشة نيتشه ـ طبعا على لسان بطل الرواية زرادشت ـ وكما يذكر الباحث والمترجم (إبراهيم جركس): ”

صراحَةً حياة يسوع كشكل من أشكال المفارقات التاريخية، متذمّراً من كونه مات صغيراً وشاباً يافعاً قبل أن يقضي في البرية وقتاً كافياً: ((لقد مات مبكّراً جداً ذاك العبراني الذي يمجّده الداعون إلى الموت البطيء: ومنذئذٍ غدا ذلك بالنسبة للكثيرين قَدَرَاً محتوماً أن ماتَ في سِنٍ مبكّرة… لو أنّه ظَلّ في الصحراء بعيداً عن أهل الصلاح والعَدل! لَعَلَّه كان سيتعلّم كيف يحيا وكيف يُحِبُّ الأرض والضحكَ إضافةً إلى ذلك)). يؤكّد نيتشه على لسان زرادشت أنّه ((كان نبيلاً بما فيه الكفاية كي يَقوَى على النقض والتراجع)). لكنّه لم ينضَج بعد. (ينبغي على المرء أن يقارن هذه المناقشة الموجَزَة ليسوع مع تلك الواردة في كتاب “ضدّ المسيح”).

وينتهي القسم بشكل مثير، فبعد مَدح الموت “في الوقت المناسب”، طلب البطل الصَّفحَ عن بقاءه “لفترة أطول قليلاً على الأرض”.

هل كان نيتشه يعتبر نفسه من مرتبة الإنسان الأعلى وبالتالي لا يهم بقاءه على قيد الحياة لتستفيد من حكمته الأجيال اللاحقة، ويزداد الغموض عندما يرحل دون أن يجيب بنفسه على هذا السؤال.

 تحليل النصّ من وجهة نظر أخرى:

في بداية موعظته يقول نيتشه: “كثير مًنْ يتأخرون في موتهم، وكثير من يبكرون. فإذا قال قائل للناس بالموت في الزمن المناسب، رفعوا عقيرتهم مستغربين. وزارا يعلّم الناس أن يموتوا في الزمن المناسب”.

وكأني به يخاطب الشعب الأيزيدي، وخاصة (الشنكالي) ويفهم الشعب المسكين من الدعوة (الموت) فقط فتقوم الفتيات الشنكاليات بصب النفط الأبيض على أجسادهن ويحرقهن أنفسهم (وحدث هذا بمئات الحالات قبل عام 2003 في سنوات الحصار وبنسبة أقل بين الشباب وكذلك بعد الفرمان الرابع والسبعون في مخيمات كردستان) دون أن يلتفتوا إلى ضرورة التأكد من إنهم أو الأقل قسم منهم إنما يبكرون دون أن يموتوا في الوقت المناسب.

ومن المهم أن نلاحظ إن نيتشه يضيف في نفس الفقرة ما يلي: “ولكن أنى لمن يعرف الحياة أن يتخيّر الموت في أوانه؟

وأولئك المساكين لم يعرفوا الحياة يوما ومع ذلك اختاروا الموت. وكان خيرا لهم لو لم يلدوا، وعلى عكس ما توقع المعلم نيتشه فإنهم لم يرغبوا أن يولي الناس أهمية كبرى لموتهم، ولم يتباهوا بأنهم نواة وقد كسروا بل كانوا يرغبون بشدة التخلص من بؤسهم وحرمانهم من الحياة فكانت الفتاة تتباهى بحصولها على قنينة من النفط الأبيض لتدلقها على ملابسها وتشعل فيها النار لتتفحم.

وأيضا على عكس ما توقع نيتشه فهؤلاء المساكين كانوا يعلقون أهمية على الموت (الانتحار) لأنهم ما عرفوا بهجة الحياة أبدا. فقط عرفوا دموع قومهم وأحزانهم وكيد أهل الصلاح والعدل، لذلك راودتهم فجأة شهوة الفناء.

ما أقبح الميتة التي طلبها الشباب وجاءتهم لأنهم طلبوها. يتساءل المعلم: “متى يجدر بالإنسان أن يطلب الموت؟

وجاوب الشعب الأيزيدي على هذا السؤال في بداية الفرمان الرابع والسبعون عند تحزموا لمحاربة (الدواعش) فسقط بعضهم في المعارك وكانت ميتة فضلى تجلت في رحيل القائد الشيخ (خيري الشيخ خدر) فتوج يوم رحيله يوما لشهداء عموم أيزيدخان.

وجاوب على تساءله (الرايخ الثالث) أيضا وبشكل خاطئ ومفرط كما سنرى.

(هكذا تكلم زرادشت) كتاب مقدس

لخص الفيلسوف فردريك نيتشه، أفكاره الفلسفية في كتابه: «هكذا تكلم زرادشت» الذي قال عنه إنه «دهليز فلسفته». ويعتبر هذا الكتاب بحق علامة من علامات الفلسفة الألمانية، فعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام على تأليفه إلا أنه لازالت لأفكاره صدى كبير؛ لدرجة أن البعض يعده من أعظم مائة كتاب في تاريخ البشرية. وقد أثرت أفكار هذا الكتاب في مجالات إنسانية عدة كالحرب، والسياسة، والفن؛ فعلى سبيل المثال: كان بعض الجنود في الحرب العالمية الأولى يضعونه في حقائبهم، ويرى البعض أن أفكاره عن «الإنسان المتفوق» مثلت الأساس الذي قامت عليه الأيديولوجيا النازية فأشعلت الحرب العالمية الثانية.

“هكذا تكلم زرادشت” تم تطويعه ليسهم في فصل الإنسان عن الدين. ليس هذا فحسب، إنما استغل الفكر الأوروبي المهووس آنذاك بفكرة فصل الكنيسة عن الدولة، استغل أفكار نيتشه لمحو أي تأثير للإله في حياة الإنسان من خلال فكرته الرئيسية المسماة “موت الإله” و”الإنسان الأعلى”.

يقوم مفهوم “الإنسان الأعلى” الذي دعا له نيتشه إلى محو تأثير الإله على حياة البشر، وهو، في أحد أوجهه، تجلٍّ صارخ لجوهر النظام الأوروبي الذي نشأ في القرن الـ 19 وتبلور في القرن العشرين، القائم على الغطرسة والهيمنة على غالبية سكان الأرض.

العنصرية في ثوبها النازي أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على استغلال أفكار نيتشه لتغذية خطاب سياسي متطرف، ونظام قمعي يعمل من خلال الهيمنة على البشر والتفريق بينهم، مع تغذية آلة القتل وشحذ معنوياتها من خلال تمجيد العرق الآري.

فكان كتاب نيتشه، “هكذا تكلم زرادشت”، أشبه بالكتاب المقدس عند النازية وقادتها وقاعدتها الاجتماعية، وكان يتم تلقين وتحفيظ أفكاره ورموزه ومفرداته.

العنصرية العرقية في أمريكا وتقييم الإنسان على أساس اللون من خلال تلقيب الأسود بـ “الزنجي” وتسخيره لخدمة الإنسان الأبيض وامتهانه وإذلاله وحتى تعذيبه من دون اعتبار لأي وازع إنساني، فالأبيض يرى نفسه “الإنسان الأعلى”، وهو الأحق بالأرض وخيرها، وغيره مسخر لخدمته لا شراكته. من ذات المنطلق، نبتت تبريرات حداثية لاحتلال البلدان ونهب خيراتها بأشكال شتى.

وبعودة إلى كتاب “هكذا تكلم زرادشت”، ألا يذكرنا فكر نيتشه وتأثيره الكبير على المجتمعات الأوربية، بانتشار رؤى وأفكار متطرفة استعانت بها الجماعات الإرهابية المتطرفة مثل “القاعدة” و”داعش” وغيرها في التأثير في المجتمعات العربية الإسلامية، على وجه الخصوص.

مسك الختام

1ـ عندما تقرأ عن نيتشه بلسان الناس، ربمّا ستقترب من هؤلاء الناس، ولكن، ستبتعد عن نيتشه.

2ـ ربمّا من يتألم، ويعاني هو وحده سيفهم هذا الكتاب الكبير: هكذا تكلم زرادشت؛ لأنه أثناء ألمه سيتعرف على إرادته، ويكون في طريقه إلى أن يتحول إلى إنسان أعلى.

هوامش الفصل الثاني عشر

(1) هذه ديباجة كتاب: هكذا تكلم زرادشت، ترجمة علي مصباح، وهي مطعمة من عندي بقليل من السريالية، فأرجو السماح من مريدي نيتشه.

(2) الإنسان الأعلى، أو المتفوق، أو أحيانا يطلق عليه السوبرمان: هي برأي مرحلة فكرية يصل إليها الفرد بالتزامن مع أفعاله التي تكون في ضفة الفضائل، والتي أفضلها لنيتشه: القوة، والشجاعة.

(3) يطلق على كتاب: هكذا تكلم زرادشت بالرواية، وأحيانا بالكتاب الشعري، أو بشذرات فلسفية.. الخ. والأصح أن نسميه باسمه الصريح: كتاب هكذا تكلم زرادشت للفيلسوف فردريك نيتشه.

(4) فلسفة نيتشه بصورة عامة هي فلسفة أخلاقية أي نقد للأخلاق، وهو بذلك يتبنى فلسفة وجودية تتمحور حول إرادة القوة، ونجد في كتاب هكذا تكلم زرادشت المواضيع التالية: موت الإله، الإنسان الأعلى، العود الأبدي.

(5) هذا فصل من الكتاب الأول، وهو يحتوي على 24 فصل، والكتاب نفسه يقسم إلى أربعة أجزاء. ويمكن تحليل وتفكيك والكتابة عن كل فصل، ولكنني اكتفيت بهذين الفصلين فقط.

(6) علي مصباح: روائي ومترجم تونسي مقيم في برلين من مواليد 1953. ترجم كتاب هكذا تكلم زرادشت من الألمانية مباشرة، ولهذا نرى بعض الاختلافات بين ترجمته وترجمة الأديب الراحل فلكس فارس الذي ترجمها من الفرنسية.

(7) الدكتور أبي سعيد الديوه جي. كان أستاذي في مادة التسويق في جامعة الموصل، ولاحقا أصبح رئيس الجامعة.

(8) في ترجمة (علي مصباح) عنوان النصّ هو “عن الموت اختيارا” وكذلك نرى معظم العناوين تبتدأ ب (عن…) ومن المفيد نقل الفقرة الأولى بترجمة (علي مصباح) التي يبدأ قائلا: الكثير من الناس يموت في وقت متأخر، والبعض يموت قبل الأوان، والحكمة القائلة: “لتمت في الوقت المناسب!” مازالت تبدو غريبة. لتمت في الوقت المناسب؛ هكذا يعلم زرادشت. لكن كيف يمكن لمن لم يعش في الوقت المناسب أن يموت في الوقت المناسب؟ ليته لم يولد أصلا! نلاحظ اختلاف الترجمتين مما يشعر القارئ باختلاف المعنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *