كم سيدوم إنصياع العراق للحظر الأميركي على الطيران الإيراني؟ الزيدي وحكومته، أمام إستحقاقات الرفض الشعبي، وأدوات المساءلة البرلمانية

كم سيدوم إنصياع العراق للحظر الأميركي على الطيران الإيراني؟ الزيدي وحكومته، أمام إستحقاقات الرفض الشعبي، وأدوات المساءلة البرلمانية
يربط الطرح قيود الطيران مع إيران بالسيادة والاقتصاد الديني والطاقة والاحتياجات الإنسانية، ويدعو إلى التفاوض بدلاً من المواجهة. لكن بغداد حصلت بالفعل على استثناءات، واستؤنفت رحلات إيرانية إلى النجف ضمن ترتيبات محددة...

ما استجد من وضع جسيم في ملف الحرب الأميركية الإسرائيلية المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هو الحظر الأميركي على الطيران الإيراني، حيث فرضت واشنطن قيوداً على شركات الطيران الإيرانية وبضمنها تلك العاملة في الأجواء العراقي؛ هذا الامر أثار جدلاً واسعاً حول حدود سيادة العراق، وحقّه في إدارة ملفاته الاقتصادية والخدمية وفق مصالحه الوطنية، لا وفق إملاءات خارجية.
مراقبون محليون يرون أن العراق يمتلك حججاً قانونية واقتصادية وإنسانية قوية تبرّر له عدم الانصياع الكامل لهذا الحظر، بل وتفرض عليه التفاوض على صيغ بديلة تحفظ مصالحه الحيوية، وفي مقدّمتها استمرار الحركة الجوية مع إيران.
بقراءة إقتصادية، العراق اكبر البلدان في السياحة الدينية في المنطقة، حيث تشكّلُ العديد من مدنه الدينية مثل كربلاء المقدسة والنجف الاشرف والكاظمية وسامراء قبلةً للزائرين وخصوصاً الزائرين الإيرانيين طيلة أيام العام ناهيك عن الزيارات المليونية، فهو بالمحصلة وجهة ملايين الزائرين سنوياً، وغالبيتهم العظمى من إيران.
وطبقاً لمراجعة منطقية، فقبل فرض الحظر على الطيران الايراني، كانت إحصاءات مطار النجف على سبيل المثال لا الحصر تشير إلى أن 90% من رحلاته اليومية كانت متجهة او قادمة من إيران، وأن 85% من إيرادات السياحة الدينية في النجف تعتمد على الزائرين الإيرانيين. ومؤكد ان هذه الأرقام لا تعني مجرد حركة المطارات، بل تعني مئات الآلاف من الأسر وخصوصاً من الطبقات المتوسطة والفقيرة التي تعتاش وتعتمد على الزائرين في امورها المعاشية اليومية، خصوصا في الأسواق والفنادق والمطاعم والمحال التجارية ووسائل النقل وجميع الخدمات المرتبطة بالزيارة.
وبالتالي، فإن أيَّ إغلاق لهذا الشريان سيضرب بعمق في اقتصاديات محافظات النجف وكربلاء أولاً، ثم يمتد إلى بغداد وسامراء والمحافظات الجنوبية والوسطى، التي تتمدد فيها شبكات النقل والتجارة والخدمات المرتبطة بالزيارات الدينية المستمرة طيلة العام.
وهنا قد يغدو التساؤل مشروعاً: هل يمكن لحكومة السيد علي الزيدي أن تضحّي بعصب اقتصادي بهذا الحجم الكبير فقط إستجابةً لقرار أهوج ومستعجل وغير مدروس من قبل الرئيس الأميركي ترامب، وإن كان هذا القرار لا يخدم مطلقاً الشعب العراقي ولا مصلحة العراق المباشرة بشكل عام؟

الغاز والكهرباء.. ورقة ضغط إيرانية
المفارقة، ان قضية استجابة الزيدي وحكومته لتطبيق الحظر الاميركي على الطيران الإيراني، له أبعاد أخرى غاية في الخطورة، ترتبط ارتباطاً بملفات حساسة ومصيرية، لعل في اولاها ملف الطاقة في البلاد الذي يكاد يكون على رأس المحاذير التي قد ينجم عنها حظر حكومة الزيدي للطيران الإيراني.
ففي ملف الطاقة، العراق يستورد الغاز من إيران لتشغيل محطات الكهرباء، وهو يعتمد اعتماداً كبيراً على وارداته هذه في تشغيل محطات توليد الكهرباء الوطنية، ومؤكد ان لتصعيد العراق ـ اذا صح التعبيرـ ضد ايران لإنصياعه وإذعانه للرئيس الأميركي ترامب بحظر الطيران الإيراني تداعيات جسيمة ان لم نقل مصيرية، إذ حذّر نواب عراقيون من أن أي ردّ إيراني مضادٍ على حظر طيرانهم في المطارات العراقية سينجم عنه إيقاف إمدادات الغاز الموردة للبلاد؛ ما يعني توقف ما لا يقل عن ثلث محطات توليد الكهرباء في العراق، والنتيجة ستكون كارثية، انقطاعاً واسعاً للتيار الكهربائي، ما ينذر بإنهيارٍ كبيرٍ في الخدمات المقدمة في المستشفيات ومحطات معالجة المياه والمرافق الحيوية وسوى ذلك كثير من القطاعات الحيوية واللوجستية.
وبالطبع، هذا السيناريو لا يهدد الاقتصاد فقط، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي برمته، ويضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع غضب ونقمة شعبية هي في غنىً عنها، ومؤكد هذه النقمة لا تميز بين (قرارٍ أميركيٍ)، او (حكومة عراقية منفذة).

المرضى والطلبة.. بُعد إنساني لا يُتجاهل
إلى جانب البعد الاقتصادي، هناك بُعد إنساني بالغ الحساسية. آلاف العراقيين يتعالجون في مستشفيات إيرانية، وآلاف الطلبة يدرسون في الجامعات الإيرانية، والحظر العراقي على الطيران الإيراني سيفرض على هؤلاء حرماناً من الانتفاع من خدمات الطيران واستبدالها بطرقٍ بريةٍ شاقة تتجاوز رحالاتها باقل التقادير (12 ساعة)، وهو أمر بالغ القسوة على المرضى وكبار السن والطلبة، ومؤكد ان هذا بُعد لا يمكن لحكومة الزيدي أن تتجاهله وتتغافل عنه ببساطة متجاوزةً النقمة والسخطة الشعبية حيال هذا الامر.

حجج قانونية وسيادية
على أية حال، من الناحية القانونية، يستند معظم العراقيين الرافضين لإنصياع الزيدي وحكومته لقرار ترامب بحظر الطيران الإيراني على أن العراق دولة ذات سيادة، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض قوانينها على بغداد خارج إطار قرارات مجلس الأمن الدولي. كما أن هناك سابقة مهمة في ملف الغاز والكهرباء، حيث حصل العراق على إعفاءات أميركية سابقة، ما يعني أن التفاوض على استثناءات أو صيغ بديلة ليس بالامر المستحيل، ولعل هذا هو المسار العملي والأكثر واقعية في خضم هذه الازمة.

ماذا يمكن للبرلمان أن يفعل؟
الدستور العراقي لعام 2005 يمنح مجلس النواب أدوات رقابية واضحة وحازمة يمكن تفعيلها في إطار هذه الازمة، إذ يمكن الركون الى (الاستجواب)، فمن البديهي ان 25 نائباً يكفي لإستدعاء رئيس الوزراء أو وزير النقل لتقديم تفسيرات رسمية عن سياسة الحكومة في هذا الملف.
او التوجه نحو خيار (المناقشة العامة)، فـ 25 نائباً يمكنهم طرح الموضوع للنقاش العام في البرلمان، ما يضع القضية في قلب الرأي العام، وامام فضاءات تداعياته المفتوحة.
أو قد يصار الى تفعيل (الاستجواب الرسمي، الذي يفضي إلى المساءلة)؛ إذ يتطلب هذا الامر 25 نائباً أيضاً، وهو الخطوة التمهيدية لسحب الثقة كخطوة لاحقة.
أو قد تتجه الأمور بنهاية المطاف صوب (سحب الثقة)، وهذا يتم إذا ما قَدَّم خُمس أعضاء البرلمان (نحو 66 نائباً)، حيث يتم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة، وبالطبع إذا ما سُحبت الثقة من رئيس الوزراء، تُعتبر الحكومة بأكملها بحكم المستقيلة.
هذا التعريج على الإمكانات والأدوات المتاحة امام البرلمان في خضم هذه الازمة، تعني أن بإمكان البرلمان ان لا يكتفي بأن يبقى متفرجاً حيال حيثيات وتداعيات حظر العراق للطيران الإيراني استجابة لأميركا، بل للتذكير بأن أعضاء البرلمان يمتلكون القدرة على تحويل هذا الملف الحساس والمصيري الى قضية سياسية كبرى، طبعاً إذا توافرت الإرادة السياسية المستجيبة والملبية لآراء الناس الناقمة والساخطة على هذا القرار الترامبي الاهوج، ونقمتهم من الاستجابة غير المدروسة من قبل الحكومة.

الخشية من الغضب الشعبي
وطبقاً لإرهاصات هذا الملف الشائك، قد لا يمكن فصله بسهولة عن الذاكرة الشعبية العراقية؛ فبالامس القريب خرجت عشرات الملايين من العراقيين في مواكب حاشدة لتشييع قائد المقاومة الذي واجه الاستكبار الأميركي والإسرائيلي حتى استشهاده ألا وهو المرشد الإيراني السيد الشهيد علي الخامنئي (رحمه الله). وبموازة ذلك، لا يمكن التغافل عن حجم الخدمات والدعم الذي يقدمه العراقيين طواعية لزائري الامام الحسين في الزيارات المليونية التي بحجمها الوافد فهي قادمة من ايران، ما يعني ان ليس من المستبعد ان يتحرك الشارع بقوة لكسر هذا الحظر الجائر ضد الطيران الإيراني في المدن العراقية، وباحتمالات كبيرة ستزحف حشود كبيرة لتولد ضغطاً شعبياً كبيراً على حكومة السيد الزيدي، وقد يكون هذا الضغط الشعبي أخطر على الحكومة من الضغط الأميركي نفسه.

المخرج العملي: صيغة بديلة لا مواجهة
ولعل في ظل هذه المعادلة المعقدة، والازمة الطارئة، يبرز حل عملي يعتمد الوسطية، فبإمكان بغداد ان تضغط باتجاه فتح مسار تفاوضي مع واشنطن على صيغة تستثني المطارات العراقية من هذا الحظر الأميركي الجائر على الطيران الإيراني، الى جانب السماح لشركات الطيران العراقية بشمولها باستثناء مشابه بغية نقل المسافرين والزائرين فيما بين البلدين. ودون شكن، فإنَّ هذا الاستثناء سيحول دون انزلاق العراق في أتون تطورات وتصعيدات سياسية وشعبية هو في غنىً عنها، فبقاء ممر السياحة الدينية مفتوحاً، وعدم قطع الطريق امام زائري الامام الحسين هو أمر ديني قبل ان يكون اقتصادياً وريعياً، فبه ليس فقط تُحفظ المصالح المعيشية والاقتصادية لمئات الآلاف من العراقيين، بل يجنب البلاد من الانزلاق في أتون فتنة قد يكون باعثها قطع الطرق امام زائري الامام الحسين ع، وهو امر نفذه طغاة وجبابرة عبر التاريخ لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً.
المهم، لعل السؤال الأكثر إلحاحاً الان، ليس (الى متى يبقى العراق منصاعاً لقرار ترامب الاهوج بحظر الطيران الإيراني؟)، بل السؤال هو (كيف سيدير العراق هذا الملف بما يحفظ سيادته ومصالح شعبه؟).
فالمنطق السيادي والدستوري، يقضي بان الحجج الاقتصادية والإنسانية والقانونية تمنح بغداد مساحة حقيقية للرفض أو التفاوض، والبرلمان العراقي يملك أدوات المساءلة، والشارع يملك القدرة على الضغط. وفي النهاية، فإن الحلول الأكثر عقلانية هي البحث عن استثناء أميركي إزاء هذا القرار، او ايجاد صيغة بديلة تحفظ للعراق ممراته الحيوية، دون الدخول في مواجهة مفتوحة لا أحد يعرف مداها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *