جاء في التصريح الأخير للسيد مسعود بارزاني: (من يعتمد على أمريكا سيأتي يوم ويسقط).
من وجهة نظري، من أكثر الأطراف التي دفعت ثمن الرهان على السياسة الأمريكية في المنطقة هم الأكراد وقضيتهم. فقد جرى توظيف القضية الكردية مرارًا ضمن صراعات ومصالح إقليمية ودولية، وصُرفت أموال هائلة على جماعات الضغط والمشاريع السياسية على أمل تحقيق حلم الدولة الكردية، لكن النتيجة في أكثر من ساحة كانت مختلفة تمامًا عن الوعود والطموحات.
وما نشاهده اليوم يعكس حجم التحول الذي أصاب المشروع الكردي في المنطقة.
في سوريا، انتهت (قسد) كقوة عسكرية مستقلة، وأُعلن اندماجها الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتحول قائدها مظلوم عبدي من قائد قوة مسلحة كانت تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية إلى مستشار لدى رئاسة الجمهورية السورية.
وفي تركيا، انتقل الصراع مع (حزب العمال الكردستاني) إلى مسار التسوية ونزع السلاح بعد عقود طويلة من المواجهة، بالتزامن مع تغيرات كبيرة في وضع الحزب داخل العراق.
أما في شمال العراق، فقد اتفقت بغداد وأنقرة على التسليم التدريجي لمعسكر (بعشيقة–زيلكان) إلى الحكومة العراقية، بالتوازي مع العمل على بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل في سنجار وإنهاء وجود الجماعات المسلحة الأجنبية المحظورة فيها.
وفي إيران، تعرضت جماعات المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة داخل إقليم كردستان لضغوط وضربات إيرانية متكررة. وفي النهاية، أثبتت التجارب أن القوى الدولية والإقليمية تتحرك وفق مصالحها أولًا، وليس وفق أحلام الشعوب أو الجماعات التي تتحالف معها.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في الرهان على الخارج: عندما تتغير المصالح، تتغير التحالفات، وقد يجد الحليف المحلي نفسه وحيدًا.
وبرأيي، كان أكراد العراق أقل خسارة نسبيًا من أكراد دول أخرى في المنطقة، لأنهم استطاعوا بناء إقليم يتمتع بوضع دستوري ومؤسسات سياسية وإدارية ضمن الدولة العراقية، فضلًا عن مشاركتهم في مؤسسات الدولة الاتحادية وتوليهم مناصب قيادية فيها، وفي مقدمتها منصب رئيس الجمهورية.
ولهذا أرى أن الحراك الكردي العراقي اليوم باتجاه اندماج أعمق في المنظومة الوطنية العراقية يمثل مسارًا مهمًا في هذه المرحلة.
فالاندماج الوطني الحقيقي لا يعني إلغاء خصوصية إقليم كردستان أو حقوقه الدستورية، ولا يعني إضعاف بغداد لصالح أربيل أو إضعاف أربيل لصالح بغداد، وإنما بناء علاقة تقوم على المصالح الوطنية المشتركة لأبناء الوطن الواحد، بكل مكوناته وأطيافه.
وعندما أطالب، كعراقي، بأن تكون بغداد قوية، فهذا لا يعني أن تكون أربيل ضعيفة. على العكس، بغداد القوية تحتاج إلى أربيل قوية داخل الدولة، وأربيل القوية تحتاج إلى دولة عراقية مستقرة وقوية تحمي حقوق الجميع.
قوة العراق لا تُبنى بإضعاف أحد مكوناته، وإنما ببناء دولة يشعر الجميع أن قوتها قوة لهم، وأن استقرارها يحمي مستقبلهم.
في النهاية، المصالح الدولية تتغير، والتحالفات الخارجية تتبدل، لكن الجغرافيا لا تتغير، والعراق يبقى هو الإطار الدائم الذي يجمع العراقيين جميعًا.
وأتفق مع مقولة كاكا مسعود، لكنني أختصرها بمثل عراقي أبسط:
المتغطي بأمريكا (يبقى عريان).


