طوفان الأقصى… بين الإدانة والتفهم واستخلاص العِبر!

طوفان الأقصى... بين الإدانة والتفهم واستخلاص العِبر!
يدعو الطرح إلى مراجعة نقدية لطوفان الأقصى دون إدانة مبدأ المقاومة، ويرى أن غياب التخطيط المشترك واستقلال الساحات وضعف التنسيق أسهمت في الخسائر الاستراتيجية، مؤكداً أن تصحيح المسار يبدأ بالاعتراف بالأخطاء وإعادة تقييم الأدوات والقيادة...

لا زالت معركة “طوفان الأقصى” مستمرة من طرف الاحتلال الاسرائيلي، لتحقيق هدفها الأساس وهو تهجير أهل غزة بالإكراه والترغيب، والتهجير الناعم هرباً من الجوع والقتل، وفق استراتيجية إطالة الحرب والاستفادة من غياب الإعلام العالمي لاستكمال الإبادة، دون أي ردة فعل عسكرية وشعبية وسياسية وإعلامية داخل فلسطين وخارجها.

تستمر الحرب ومعها النقاش حول “طوفان الأقصى” وإذا كانت الحرب قد ظهرت نتائجها الكارثية على محور المقاومة وأرباح المحور الأمريكي استراتيجياً وتكتيكياً، ولأول مرة منذ احتلال فلسطين تستطيع إسرائيل حصاد هذه النتائج الجغرافية والسياسية والمعنوية التي تتجاوز ما حصدته في حرب 1967، مع أن الجغرافيا التي احتلتها بعد طوفان الأقصى أصغر من جغرافيا سيناء المصرية، والضفة الغربية الفلسطينية، والجولان السوري.

لا يزال النقاش حول صوابية أو خطأ معركة “طوفان الأقصى” يعلو ويتوسع داخل محور المقاومة، على مستوى القواعد الشعبية والسياسية والدينية ، التي دفعت أثماناً كبيرة لموقفها المسانِد لطوفان الأقصى سواء باستشهاد قياداتها وتهجير أهلها، وتدمير قراها، واستشهاد عشرات الآلاف من المقاومين والمدنيين ،خاصة في لبنان، الجبهة الوحيدة التي بادرت لإسناد غزة عسكرياً ، ولا زالت تخوض الحرب بعد توقف جبهة غزة!

تتوزّع الآراء والمواقف حول “طوفان الأقصى” بين الإدانة او التفهم والتأييد ، مع وجود رأي محايد يلتزم الصمت وإخفاء رأيه ، إما بحجة أن الحرب لم تنتهِ وأن أي نقاش يؤدي إلى التفرقة وتشتيت الكلمة سيخدم العدو، أو أنه لا يمكن إعطاء موقف نهائي للحكم على حربٍ لم تنتهِ بعد، وربما تنقلب نتائجها في جولاتها الأخيرة ويصبح المهزوم منتصراً والمنتصر مهزوماً، أو تؤدي لتسوية سياسية وعسكرية لحفظ حقوق الأطراف المتحاربة وأما الرأيان الواضحان فهما:

– الرأي الأول يقول بخطأ “طوفان الأقصى” واعتباره مغامرة غير محسوبة أو مراهقة عسكرية اعتمدت على القرارَ الشخصيُ الانفعالي الذي اساء تقدير الموقف، بمواجهة كيان يملك القوة الأكبر وليس منفصلاً عن منظومة عالمية إرهابية تقودها أمريكا.

– الرأي الثانيّ يميل إلى التفهم أكثر من التأييد، باعتبار “طوفان الأقصى” خياراً وحيداً، لفك الحصار القاتل عن غزة، ومحاولة لتحريك الأوضاع الراكدة لربح بعض المكاسب، وأن التأخير وعدم المبادرة سيزيد حالة الحصار واليأس وعدم القدرة على التغيير مستقبلاً.

ان محاكمة طوفان الأقصى تُوجب الارتكاز على أمر ثابت ،يتلخص بعدم جواز محاسبة المظلوم المُحاصَر أو إدانته، لأنه لا يمكن إدانة أي عمل مقاوم أو تجريم المقاومين، وهذا مخالف لأبسط مبادئ الإنسانية والدين والأخلاق وأن ما يمكن فعله، وهو مطلوبٌ وواجب، البدء بمراجعة الفعل المقاوم ومناقشته وتحليله لاتخاذ العِبرة، وكشف الثغرات ونقاط الضعف، وتقييم الوسائل والأهداف، لأن الخسارة التي وقعت في غزة ولبنان، والتي أعقبتها الخسارة الاستراتيجية  في سوريا والحرب على إيران، لم يكن  سببها محصوراً بالقوة الإسرائيلية المتوحشة والمتفوّقة فقط مع أنها تمثل النسبة الأكبر من أسباب الخسارة، لكن محور المقاومة يتحمل نسبة غير قليلة من أسباب الخسارة  وبعض “العِبر-الأخطاء” التي يمكن استخلاصها من معركة “طوفان الأقصى” التي لم تنتهِ بعد ولا زالت تتوسع جغرافياً هي:

– أظهرت الأحداث أن محور المقاومة لم يكن محوراً موحّداً ،إلا على مستوى العنوان الرئيسي(العداء لإسرائيل) مع استقلالية ميدانية وسياسية خاصة حركة “حماس” لاعتبارات دينية وسياسية .

– غياب التنسيق والتخطيط في معركة “طوفان الأقصى” حيث انفردت “حماس” بالتخطيط وبدء معركتها كميدان مستقل، مما فاجأ وأحرج حلفاءها ووضعهم أمام أمر واقع ،إما الالتحاق بها بشكل متسرّع كما في لبنان، أو الحياد كما في إيران، وكلا الأمرين لم يكونا في صالح محور المقاومة.

– قتال محور المقاومة باستراتيجية الساحات المنفردة ، مما أضعف قوة محور المقاومة التي تعاني أصلاً من عدم تكافؤ القوى مع إسرائيل وأمريكا حتى لو كانت موحّدة!

– وقوع قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية في كمين الخذلان العربي والإسلامي ،فخسرت التأييد الشعبي والديني، بالتلازم مع تآمر الأنظمة السياسية المتحالفة مع العدو الإسرائيلي، حتى صارت قوى المقاومة جزيرة مُحاصرة في بحر التحالف العربي-الإسرائيلي-الأمريكي.

لم تنتهِ الحرب، ويمكن لمحور المقاومة أو ما تبقى منه ،إذا أحسن إدارة المعركة واستفاد من أخطاء الفترة السابقة إمكانيةُ تعديل موازين القوى، واستعادة الكثير من خسائره، أما إذا استمر بالقتال وفق استراتيجية “تشتت” الساحات فستزداد الخسائر، تُفتح الطرق أمام المشروع الأمريكي-الإسرائيلي.

الاعتراف بالخطأ ، ثم تشخيص الأسباب والبدء بمعالجة الأخطاء… أول خطوات التصحيح وإنكار الوقائع والمكابرة انتحار غير شرعي غير جائز!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *