اجتماع السيد نوري المالكي في 23سبتمبر 2026 مع القائم بالأعمال الأمريكي الجديد (ستيفن فاغن) يكتسب أهمية خاصة، إذ يأتي في لحظة دقيقة يتصدر فيها ملف حصر السلاح بيد الدولة المشهد السياسي، وقبل أيام من الموعد المعلن لطرح برنامجه.
فاللقاء جمع بين شخصية سياسية محورية داخل المشهد العراقي ودبلوماسي أمريكي عاد إلى بغداد لقيادة البعثة الدبلوماسية الأمريكية، في وقت تتحرك فيه واشنطن وبغداد باتجاه إعادة تعريف العلاقة من زاوية أوسع من الملف الأمني، لتشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والشراكة الاستراتيجية.
وقد أكدت مصادر عراقية أن المالكي وفاغن بحثا العلاقات الثنائية والتطورات السياسية والأمنية في العراق والمنطقة، فيما ركز المالكي على أن العلاقة مع الولايات المتحدة ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، في إطار اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين.
أولاً: لماذا يأتي اللقاء الآن؟
التوقيت هو العنصر الأكثر أهمية في قراءة الاجتماع. فالقائم بالأعمال الأمريكي الجديد لم يبدأ مهمته من بوابة واحدة، بل أجرى خلال الأسابيع الأولى من عودته إلى بغداد سلسلة لقاءات شملت رئيس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ومسؤولين أمنيين واقتصاديين وقيادات في إقليم كردستان. وفي هذه اللقاءات تكرر الحديث عن العلاقات الثنائية، والاستقرار، وحصر السلاح بيد الدولة، وتوسيع التعاون الاقتصادي.
وهذا يعني أن واشنطن تبدو معنية بالاستماع إلى مختلف مراكز القرار والتأثير في العراق، وليس الاكتفاء بالتواصل مع الحكومة التنفيذية.
ومن هنا تبرز أهمية لقاء المالكي تحديداً، لأنه يأتي ضمن محاولة لفهم موقف القوى السياسية العراقية المؤثرة من المرحلة المقبلة، ولا سيما أن ملف السلاح والعلاقة مع الولايات المتحدة يرتبطان بتوازنات سياسية وأمنية معقدة.
ثانياً: الرسالة الأبرز من المالكي.. حصر السلاح ولكن عبر الدولة
أكثر ما يستحق التوقف في حديث المالكي هو انتقال ملف السلاح من مستوى الشعارات العامة إلى الحديث عن برنامج وسقف زمني وآلية سياسية. فقد أكد أن العراق ماضٍ في حصر السلاح بيد الدولة، وأن لجنة شكلها الإطار التنسيقي تعمل على إعداد برنامج واضح، على أن تتم المعالجة بالحوار والتفاهم ووفق الدستور والقانون، مع الإعلان عن برنامج في 30 أيلول.
ويتقاطع ذلك مع لقاءات القائم بالأعمال الأمريكي ستيفن فاغن، ومنها بحثه مع رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان دور القضاء في دعم إجراءات حصر السلاح، إلى جانب تأكيد مسؤولين عراقيين التزام الحكومة بهذا المسار.
لكن ثمة اختلافاً في توصيف المرحلة، فحديث المالكي يميل إلى معالجة تدريجية وحوارية، فيما تحدث رئيس الوزراء سابقاً عن ضرورة إنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول، قبل أن تشير تصريحات لاحقة إلى أن الموعد قد يمثل بداية لمسار تفاوضي. لذلك ينتقل التحدي من مبدأ حصر السلاح إلى كيفية تنفيذه، وجدوله الزمني، ومصير الفصائل وموقعها داخل مؤسسات الدولة.
ثالثاً: المالكي يرسل إلى واشنطن رسالة “الدولة أولاً”
اللافت أن المالكي لم يقدم ملف السلاح باعتباره استجابة لضغط أمريكي، بل ربطه بالدستور والقانون والسيادة العراقية، وهذه نقطة سياسية مهمة.
فالعراق يحاول، وفق الخطاب الرسمي الحالي، أن يجعل قضية حصر السلاح جزءاً من بناء الدولة العراقية، وليس مجرد شرط للعلاقة مع واشنطن. وبذلك يصبح الفرق كبيراً بين مقاربتين:
الأولى ترى حصر السلاح باعتباره التزاماً تجاه الشركاء الخارجيين. والثانية تراه استحقاقاً داخلياً مرتبطاً بسيادة الدولة والدستور. فخطاب المالكي في اللقاء يميل بوضوح إلى المقاربة الثانية.
رابعاً: الرسالة الثانية.. العراق لا يريد علاقة أمنية فقط
الجانب الآخر المهم في اللقاء هو الاقتصاد. فالمالكي دعا الشركات الأمريكية إلى الحضور والمساهمة في مشاريع التنمية والإعمار، فيما أكد فاغن اهتمام الشركات الأمريكية بالعمل والاستثمار في العراق وضرورة تهيئة البيئة المناسبة لذلك. وهذا يتطابق مع تحرك أمريكي عراقي أوسع خلال الأسابيع الماضية.
فوزير المالية بحث مع فاغن تسريع مشاريع الشركات الأمريكية، ولا سيما في النفط والطاقة، فيما ناقش وزير التجارة توسيع مشاركة الشركات الأمريكية في السوق العراقية وتفعيل مذكرات التفاهم والعقود في قطاعات النفط والغاز والصحة. كما تحدث فاغن في تصريح سابق عن رغبة واشنطن في الانتقال بالعلاقة إلى مرحلة تقوم على فرص اقتصادية ونتائج ملموسة، مشيراً إلى الاتفاقات التي نتجت عن زيارة الوفد العراقي إلى واشنطن في تموز.
وهذا يفتح الباب أمام قراءة أوسع: العلاقة العراقية الأمريكية تبدو في طور الانتقال من نموذج التعاون الأمني إلى نموذج يجمع الأمن بالاقتصاد والاستثمار والطاقة.
خامساً: ماذا يريد الأمريكيون من بغداد؟
من الصعب اختزال الموقف الأمريكي في ملف واحد. لكن من خلال سلسلة اللقاءات التي أجراها فاغن منذ عودته إلى بغداد، تظهر مجموعة ملفات متكررة منها: دعم استقرار العراق، واستمرار التعاون الأمني والعسكري، وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، وتوسيع العلاقات التجارية والاستثمارية، ودعم مشاركة الشركات الأمريكية، وتعزيز قدرة العراق على بناء علاقات إقليمية مستقرة، والاستفادة من نتائج زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن.
وقد أكد فاغن خلال لقاءاته الأخيرة اهتمام بلاده بتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع العراق، كما أكد استمرار التعاون مع المؤسسة العسكرية العراقية. لذلك فإن واشنطن تبدو أمام معادلة متعددة الأبعاد: دولة عراقية مستقرة أمنياً، وقادرة على ضبط السلاح، ومنفتحة اقتصادياً على الشراكة والاستثمار.
سادساً: الدلالة السياسية لعودة ستيفن فاغن إلى بغداد
ستيفن فاغن ليس دبلوماسياً جديداً على الملف العراقي، فقد سبق له العمل في بغداد، كما شغل منصب السفير الأمريكي لدى اليمن قبل عودته إلى العراق. وتقول السفارة الأمريكية إن خبرته الإقليمية ستساعد في تعزيز العلاقة بين البلدين.
واللافت أن عودته تأتي في مرحلة تشهد إعادة صياغة عدد من الملفات العراقية الأمريكية.
لذلك فإن مهمته الجديدة يمكن أن تُفهم في إطار متابعة مرحلة ما بعد زيارة رئيس الوزراء إلى واشنطن، وتحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى ملفات عملية.
لكن نجاح ذلك سيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل البيانات والاتفاقات إلى مشروعات واستثمارات وإجراءات قابلة للقياس.


