انهيار الأخلاق الرقمية: ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب الاختلاف بالراي

الأخلاق الرقمية وانهيار الحوار بسبب الاختلاف بالرأي
قراءة في ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض في الفضاء الرقمي العراقي، وأسبابها المرتبطة بالعنف السياسي وغياب القانون والاستقطاب...

الأخلاق الرقمية وأزمة الاختلاف بالرأي

أثار استغرابي، عندما أقرأ تعليقات المجتمع على منشورات سياسية وتاريخية، بل وحتى رياضية، أن تصل بعض الردود إلى حد الطعن بالأعراض فقط لأن صاحبها يختلف مع غيره بالرأي. فمن يخالفهم يجب، في تصورهم، أن يكون «ابن حرام»، لأنهم يجزمون أن رأيهم معصوم من الخطأ. وهذا قمة الجهل والانحراف، وهو مع الأسف في تكاثر عجيب، ويكشف جانباً خطيراً من انهيار الأخلاق الرقمية.

كان يجب أن يكون الاختلاف في الرأي هو المحرك الأساسي لتوليد الأفكار، وتطوير السياسات، وإثراء التنوع الفكري والثقافي. غير أن المشهد في المجتمع العراقي يشهد انحرافاً حاداً ومقلقاً عن هذه القاعدة. إذ يتحول التباين في وجهات النظر من مساحة للحوار البناء إلى حلبة صراع مفتوحة تُستباح فيها الكرامة الإنسانية، وتغيب فيها لغة العقل لصالح ثقافة السب، والشتم، والتجاوز الشخصي.

ولهذه الظاهرة تجلياتها العميقة في مجتمعنا. فحين يتصفح المرء منصات التواصل الاجتماعي، أو يستمع إلى النقاشات العامة في الشارع العراقي، يفاجأ بحجم الكثافة اللفظية الهابطة، وبسهولة الانزلاق نحو التخطئة والتشهير بمجرد أن يطرح شخص رأياً مخالفاً للمألوف. فما أسباب هذه الظاهرة المستشرية؟ وكيف يمكن للمجتمع العراقي أن يتعافى منها ليبني ثقافة حوار تستوعب الجميع؟

من المؤكد أن الظاهرة لها أسباب، فهي ليست وليدة الصدفة. بل هي ثمرة تفاعل معقد بين عدة عوامل تاريخية ونفسية واجتماعية وسياسية.

أولاً: الإرث الصدمي وتراكمات العنف السياسي والاجتماعي

لعقود طويلة، تركت السلطات الغاشمة والحروب العبثية والسياسات الرعناء إرثاً دامياً حفر ندوباً عميقة لا تُمحى في ذاكرة ووجدان الشعب العراقي. فلم يكن الدمار الماثل في البنى التحتية سوى واجهة هزيلة لخراب نفسي واجتماعي أشد وأقسى، صاغته آلة الموت الطاغوتية، والعقوبات الدولية الظالمة التي أكلت الأخضر واليابس.

إن التاريخ السياسي الحديث للعراق يعج بالاستبداد المطلق، الذي غاب فيه صوت العقل، وأُسكتت الألسنة بالقمع والاعتقال والتصفية الجسدية المنهجية لمعارضي السلطة. وهو مناخ قائم على الإرهاب الحكومي، زرع في الفرد رعباً جذرياً، وجعل التعبير عن الرأي خطيئة تكلف الإنسان حياته.

ومن رحم هذا الواقع نشأ مجتمع مأزوم يعيش في حالة استنفار عصبي دائم. فبعد ديكتاتورية الدم، جاءت حروب عبثية متلاحقة، ثم سنوات عجاف من الحصار الدولي القاسي في التسعينيات، وهو حصار أفقر العباد ودمر الطبقة الوسطى وجعل البقاء معركة شرسة.

وما إن تنفس المجتمع الصعداء حتى زُج به في أتون حرب أهلية وعنف طائفي وإرهاب أعمى بعد عام 2003. وفي تلك المرحلة تحولت الهوية والكلمة إلى سبب للقتل الفوري، فأفرغت هذه الصدمات المتلاحقة المؤسسات الاجتماعية من قدرتها على الاحتواء، وحولت الشارع إلى غابة يحكمها قانون الخوف.

ونتيجة لهذا التراكم المرير، تحول الأمر إلى مجتمع تدافعي متوتر، يفقد فيه الفرد القدرة على تقبل الحوار أو الاختلاف الطبيعي. لذلك يرى في الرأي الآخر خنجراً موجهاً إلى رقبته، ويلجأ غريزياً وبشكل عدائي إلى الهجوم الاستباقي، والشتائم، والرفض المطلق، كدرع واقٍ يحمي به هشاشته النفسية العميقة.

ثانياً: غياب دولة المؤسسات وسيادة القانون وهشاشة الردع

حين تتهاوى هيبة الدولة المدنية، وتتراجع سيادة القانون لتتوسد المذلة لصالح الأعراف الفرعية والعشائرية والانتماءات الحزبية الضيقة، يرتع الغوغاء في ساحة الفوضى. وينتج عن ذلك شعور مقيت بالحصانة الوهمية في الفضاء الرقمي والواقعي على حد سواء، وكأنهم فوق العقاب وفوق المبدأ.

إن غياب السلطة الرادعة، وغياب التطبيق الصارم للقانون ضد جرائم التشهير والسب العلني، حوّلا وسائل التواصل الاجتماعي من فضاء للتواصل والارتقاء إلى مزبلة علنية. كما جعلاها مساحة مباحة بلا خجل للتنفيس عن العقد النفسية والأمراض المستحكمة، من دون أدنى خشية من ملاحقة أو مساءلة.

فصار الشاتم الجبان آمناً مطمئناً من أي عقاب، يمارس سفالته اليومية محتمياً بضعف الدولة وبتواطؤ منظومة مجتمعية تبارك الابتزاز والانحطاط. وبهذا تحولت الشاشات إلى خنادق يطلق منها السفهاء سمومهم، وهم يظنون أنهم خالدون لا يمسهم سوء، في أبشع صورة لانهيار الأخلاق وضياع الحقوق تحت طائلة الإفلات الفاضح من العقاب.

ثالثاً: ثقافة الاستقطاب العصبي والهويات الفرعية

تباً لهذا الوحل الآسن الذي يسمى خطابات عامة في العراق، حيث تتقاذفه عصابات الحزب والطائفة ونتن العشائر والمناطقية البغيضة. إنها مهزلة تاريخية فرغت الوطن من معناه، وجعلت العيش فيه جحيماً لا يُطاق.

في ظل هذه الهويات المغلقة والمتحجرة، انحدر الفكر إلى أدنى درجات الانحطاط. فلا مكان لشريك في الوطن، ولا لصوت عاقل يطرح رؤية تُفحص بمنطق أو حوار. بل يُرمى المخالف في الرأي بنعوت التخوين، ويُصنف كـ«خصم» نجس يجب تسقيطه وقتله معنوياً وإلغاؤه من الوجود بلا هوادة.

إن هذا الاستقطاب الحاد والمقيت قد حول ساحات النقاش إلى ميادين للرعاع. فقد بات التجاوز اللفظي والشتائم السافحة العملة الرائجة، والوسيلة الدنيئة الوحيدة لإثبات الولاء الأعمى للجماعة وتأكيد الانتماء للقطيع.

وهكذا صار الوغد يتفاخر ببذاءته طالما أنها تُرضي غرور حزبه أو عشيرته. وهذا أبشع سقوط أخلاقي يثبت أن هذه العصبيات دمرت عقل الأمة، وأغرقت حاضرها في مستنقع الجهل والاستئصال.

رابعاً: الانفجار الرقمي وغياب التربية الإعلامية

إن هذا الانفجار التكنولوجي الأعمى هو الذي ألقى بهواتف الذكاء والغباء معاً في أيدي قطيع همجي، يفتقر إلى أدنى مقومات الثقافة الرقمية أو الوعي الإنساني. فبدلاً من أن تكون منصات التواصل نوافذ للرقي والمعرفة، تحولت بفضلهم إلى مفرخات للجهل والبذاءة، تقذف سمومها في كل وجه بلا حياء أو رادع.

إن غياب أي أبجدية لآداب الحوار الرقمي قد تزاوج مع داء «الجيوش الإلكترونية» الجبانة وحساباتها الوهمية المأجورة، التي تقودها عصابات وأحزاب لا تعرف سوى التخريب. وهكذا أصبح المجتمع أسير حسابات رخيصة تبحث عن تفاعل تافه، وتصنع «ترنداً» قذراً على أطلال القيم والأخلاق.

ويتم ذلك عبر إثارة غرائز الغوغاء، وإشعال حروب الصراعات الوهمية، وكل ذلك لأجل إرضاء نزوات مرضية أو قبض ثمن بخس من سحت الحزب والزعيم. إنها مهزلة رقمية فاضحة تجسد أبشع صور الانحطاط القيمي، وتثبت أن التكنولوجيا حين تقع في أيدي الجهلة تصبح سلاحاً مدمراً، يغرق المجتمع في بحر من الشتائم والانحطاط غير المسبوق.

أفكار وحلول لمعالجة أزمة الأخلاق الرقمية

إن معالجة هذا الخلل الثقافي والأخلاقي تتطلب شجاعة مجتمعية وجهوداً متكاملة على عدة مستويات، بعيداً عن الحلول الترقيعية.

تفعيل القوانين الرادعة للجرائم الإلكترونية والتشهير

لا يمكن أبداً الحد من هذه التجاوزات اللفظية الوضيعة والشتائم ما لم تُسنّ فوراً تشريعات قانونية صارمة كالسيف، تُطبق بعدالة مطلقة على الكبير قبل الصغير. فهذه التشريعات ضرورية لمنع مهزلة الإساءة والتشهير والابتزاز الإلكتروني التي تعيث فساداً في كل مكان.

إن تاريخ العبث هذا لن يتوقف إلا بقانون صارم يضع حداً قاطعاً لسياسة الإفلات الفاضح من العقاب، التي أمن بها السفهاء. ولذا يجب أن تُفرض هيبة الدولة بقرارات صارمة ترسخ رسالة واحدة لا تقبل التأويل: حرية التعبير المزعومة ليست ترخيصاً للسب والبذاءة.

إن حرية التعبير حق تنتهي حدوده الفاصلة فوراً حيث تبدأ كرامة الآخرين وحرياتهم المصونة. لذلك يجب أن يعلم كل وضيع أن القانون بالمرصاد لكل من تسول له نفسه انتهاك أعراض الناس وكراماتهم.

إصلاح المناهج التعليمية وغرس ثقافة الاختلاف

إن التعليم هو حجر الأساس الصلب الذي لا مفر منه لأي تغيير حقيقي ومستدام في بنية المجتمع العراقي، الذي أنهكته عقود الجهل والتخلف المنهجي. ولذا بات لزاماً وبشكل عاجل إعادة صياغة المناهج الدراسية، لتتحرر من أسر التلقين والحفظ الأعمى الذي يفرز عقولاً جامدة تفتقر إلى الوعي.

وينبغي أن تتجه هذه المناهج بشكل مكثف وحاسم نحو بناء إنسان واعٍ، عبر إدراج مواد وبرامج تركز بقوة على تعليم مهارات التفكير النقدي والمنطقي. فهذه المهارات تمكن النشء من تفكيك الأكاذيب ورفض التبعية العمياء، وتدريب الأجيال الجديدة عملياً ونظرياً على كيفية الاستماع للرأي الآخر وتقبله برحابة صدر، بدلاً من غريزة الإلغاء والتكفير السائدة.

وفضلاً عن ذلك، يجب غرس مفاهيم آداب الحوار وأخلاقيات النقاش الديمقراطي الراقي منذ المراحل المدرسية المبكرة، لتكون جزءاً لا يتجزأ من الهوية الفكرية للطفل. وبذلك يمكن ضمان نشوء جيل يقدس الحجة بالحجة، ويحترم كرامة المختلف عنه، مقتلعاً جذور البذاءة والتعصب العشائري والحزبي من عقلية الأمة قبل أن تترسخ.

دور النخب الثقافية والدينية والإعلامية في تهذيب الخطاب

تحمل النخب المؤثرة في المجتمع العراقي، من صناع محتوى وإعلاميين ومثقفين ورجال دين، مسؤولية أخلاقية وتاريخية كبرى في هذا السياق. إذ يجب عليهم القيادة بالقدوة الحسنة، والامتناع بشكل قاطع عن استخدام لغة التخوين والتحقير في برامجهم ومنابرهم التي تساهم في تسميم الوعي الجمعي.

ويجب أن يتوازى ذلك مع مقاطعة الأصوات الشعبوية الرخيصة التي تقتات على إثارة الفتن والشتائم، لتحقيق أعلى نسب المشاهدات والترندات الوضيعة. وفي المقابل، يجب الترويج بكل حزم للشخصيات الرصينة والكفاءات الواعية التي تطرح أفكارها برقي وهدوء، لإنقاذ المشهد العام من براثن الغوغائية والابتذال.

ختاماً: استعادة الأخلاق الرقمية وهيبة الكلمة

إن إنقاذ العراق من هذا المنحدر السحيق، وتطهير وعيه الجمعي من أدران البذاءة والتعصب، لا يتحقق بالأماني المؤجلة. بل يتطلب انتفاضة شاملة تبدأ من صرامة القانون وحزم الدولة لتطال كل عابث، وتمر عبر ثورة تعليمية تقتلع جذور التلقين الأعمى.

كما تستلزم موقفاً أخلاقياً حاسماً من النخب لتقويم البوصلة وضبط الخطاب العام؛ فوطن بلا حوار هو وطن بلا مستقبل.

إن استعادة هيبة الكلمة واحترام الإنسان هما الممر الإجباري الوحيد لإخراج المجتمع من سراديب الخوف والجهل، نحو فضاءات الدولة المدنية العادلة والآمنة. ومن دون استعادة الأخلاق الرقمية، سيبقى الفضاء العام أسيراً للشتائم والطعن بالأعراض والانحطاط في إدارة الاختلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *