يتطلع العراقيون بأمل لما بعد الانسحاب الأمريكي الكامل بتأريخ 30-9-2026 اذ سيتخلصون من عامل ضاغط ومؤثر على السياستين الداخلية والخارجية العراقية ومن ثم لابد من وضع سياسة عامة ناجعة تعمل على تصويب وتقويم أخطاء المرحلة السابقة ومن ثم تقويم اعوجاج البناء السياسي للنظام لكي تسير البلاد بالاتجاه الصحيح وهنا يضع الباحث عدداً من المقترحات علها تسهم بترك إثر إيجابي وتصحح من مسار العملية السياسية وتجلب الرفاه للمجتمع العراقي.
اولاً/ العمل على تنويع مصادر الدخل القومي العراقي: يواجه العراق مشكلة أساسية او بالأحرى معضلة اقتصادية تتمثل بأحادية الدخل اذ يعتمد العراق على ما يزيد عن ال 90% من دخله القومي على واردات النفط وهذه الاعتمادية لها اثار سلبية اذ تصبح عجلة التنمية الاقتصادية ودخل الفرد رهينة لتقلبات سعر السوق ورهينة للتقلبات السياسية وتركة لنا ازمة مضيق هرمز خير مثال على كلامنا هذا اذ أصاب الاقتصاد العراقي الركود بسبب انخفاض صادراته النفطية والتي يخرج معظمهما من المضيق أعلاه بشكل جعل الدولة متلكئة من سداد النفقات التشغيلية من رواتب واجور مستحقة وهنا لا بد من التحرك باتجاهين ويتمثل الاتجاه الأول في العمل على تنويع مصادر تصدير النفط من خلال الاستفادة من الموقع البحري لدول الجوار( سوريا، تركيا، الأردن)،( جيهان، بانياس، العقبة) اما الاتجاه الثاني فيتمثل بتنويع مصادر الدخل القومي وكسر الاعتمادية المطلقة على النفط من خلال استغلال باقي الثروات الطبيعية .
فمثلاً يقع العراق في دائرة الملاحة الجوية العظمى وهذا الموقع يوفر له الكثير من العوائد المادية بفعل حركة الترانزيت فهو حلقة وصل ما بين قارات العالم القديم (اسيا، افريقيا، اوربا) كذلك العراق ذو قدرة شبابية عالية بالإمكان الاعتماد عليها وتطويرها نوعاً وكماً او تصديرها في حال عدم الاستفادة منها بشكل منظم عبر وزارة متخصصة بهذا الشأن تؤمن فرص العمل خارجياً بالتنسيق مع الدول، فرص عمل لائقة بدل من ترك هذه الثروة الاقتصادية فريسة للهجرة غير الشريعة وما تحمله من مخاطر على حياة المواطن العراقي وبذلك نكون وفرنا فرص عمل خارجية بعد ان عجزنا عن توفيرها داخلياً وحققنا مصدر مضاف الى الدخل القومي وهذه الفكرة طبقتها سابقاً جمهورية مصر العربية في ثمانينات القرن المنصرم من خلال تصدير العمالة المصرية بشكل منظم ودليل كلامنا هذا هو موضوع الحوالات الصفراء التي تمثل مستحقات العمالة المصرية عندما غادرت العراق مجبرة عام 1990 اذ طالبت وزارة العمل المصرية بها وتم تسديدها بشكل كامل عام 2013 وعلى شكل دفعات من قبل العراق وتبلغ قيمتها الاجمالية (408) مليون دولار امريكي؛ كذلك يمتلك العراق ثروة من الغاز الطبيعي وعلى شكلين الأول مصاحب لاستخراج النفط بنسبة 70% والثاني حر وبنسبة 30% ويحتل العراق المرتبة الحادية عشر في الاحتياط العالمي للغاز بينما يحتل المرتبة السابعة والخمسون في الإنتاج وفي ذلك مفارقة غريبة والاشد غرابة هو اعتماد العراق على الغاز المستورد من دول الجوار في تشغيل محطاته الكهربائية ؛ كذلك يمتلك العراق 9% من الاحتياطي العالمي لمادة الفوسفات والتي تدخل في الصناعات الحربية والطبية والزراعية ويستخرج منها عنصر اليورانيوم ولدى العراق ثلثي الاحتياطي العالمي من الكبريت والذي يدخل في صناعة الأسمدة والمبيدات الحشرية والبارود والأدوية.
جل هذه الثروات غير مستغلة لأسباب داخلية وربما تكون لأسباب خارجية.
ثانياً/ إعادة صياغة تجربة الإدارة المحلية: في سبيل توفير الحاجات المحلية وتحقيق التنمية المقرونة بالاحتياج الحقيقي للسكان المحليين ينبغي إعادة صياغة تجربة الإدارة المحلية في العراق بالاستفادة من أخطاء المراحل السابقة؛ مرحلة الإدارة المحلية الشكلية قبل عام 2003، ومرحلة بدايات التطبيق الفعلي المتمثلة بالأمر الإداري لسلطة الحاكم المدني رقم 71 لسنة 2004، ومرحلة صدور قانون رقم 21 لسنة 2008 المعدل لثلاث مرات؛ المتتبع لمسار تجربة الإدارة المحلية في العراق يجد ان هنالك ضبابية وبوان ما بين الاختصاصات الدستورية وما بين الاختصاصات القانونية، فمثلاً المادة (115) من الدستور العراقي في الباب الرابع باب اختصاصات السلطات الاتحادية إشارة الى ان (( كل مالم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من اختصاصات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والاقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حال الخلاف بينهما)). فهل تمتلك المحافظات غير المنتظمة في إقليم اختصاص التشريع
كذلك إشارة المادة (119رابعاً) الى حق تأسيس مكاتب للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في السفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والإنمائية فهل أسست الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة هذه المكاتب!
ولو فرضنا جدلاً أنها أسست ففي ذلك مخالفة لمبدأ دستوري ثابت وهو حصرية التمثيل الخارجي للحكومة المركزية، وهنا اود أن أشير الى ان الإدارة المحلية لو حسن توظيفها قادرة على تحقيق عدداً من المكتسبات وهي
1- الحكم الرشيد Good Governance)): والذي يعني قيادات سياسية مختارة من قبل الشعب تفرز ملاكات إدارية كفؤة خاضعة للمسألة وتتمتع بالشفافية وتسعى الى تحقيق الرفاه والتنمية للمجتمع، وللحكم الرشيد ابعاد عدة منها البعد الإداري والذي يتحقق من خلال تجربة الإدارة المحلية وهي كذلك أي الإدارة المحلية احدى خصائص الحكم الرشيد ومن ثم أصبح هنالك اقران ما بين الاثنين ليخرج لنا مصطلح (Good local governance) والذي يعني الحكم المحلي الرشيد
2- التنمية المستدامة: الإدارة المحلية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة بشكل امثل بحكم معرفتها بحاجات السكان المحليين فهي قريبة عليهم اذ هم ذراعها التقريري الرقابي وكذلك هم الذراع التنفيذي من خلال ممثليهم فأهل مكة أدرى بشعابها وهم شديدون الحرص على مواردهم المحلية من النضوب حفاظاً على مستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة والاتجاه العالمي لا سيما بعد تجربة ازمة كورونا يميل الى توطين التنمية المستدامة بجعل الوحدات المحلية هي من تنفذ اهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بينما تنشغل الحكومات المركزية بالملفات الكبيرة التي تشكل اهدافاً قومية من خلال خلط نموذجي الدولة الحارسة والمتدخلة ليخرج لنا هذا النموذج الجديد.
3- إدارة الصراع والتنوع: الإدارة المحلية قادرة على إدارة الصراع المجتمعي في مجتمعات ما بعد الصراع وهي قادرة ايضاً على إدارة التنوع في المجتمعات المتنوعة من خلال معالجتها لأهم أزمات التنمية السياسية وهي ازمة التوزيع أي توزيع المنافع والخدمات اذ لا تذهب الإيرادات المحلية الى الحكومة المركزية ويتم الاستفادة منها محلياً بشكل منافع وخدمات.
من استعراض تجربة الإدارة المحلية لمرحلة ما بعد 2003 يتبين لنا ان قانون رقم 21 لسنة 2008 وبسبب تعديلاته الثلاث اصبح مفرغ من محتواه مقارنة بما ورد في الدستور وكذلك بسبب قرارات المحكمة الاتحادية العليا وفتاوى مجلس الدولة ؛ فالمحافظات غير المنتظمة لا تمتلك اختصاص التشريع وبناءً عليه لا تستطيع فرض الضرائب والرسوم ولا تستطيع تأسيس الشركات وجرى تقليص الدوائر منقولة الاختصاصات من 8-6 وهي في الحقيقة خمسة دوائر اذ لم تنقل وزارة المالية دوائرها بوصفها وزارة اتحادية وتخضع المحافظات الى السياسة العامة الموضوعة من الدولة والى تعليمات وزارتي المالية والتخطيط التي تتولى أي التخطيط المصادقة على المشاريع المرفوعة من المحافظات وفي حال عدم المصادقة يرفض تنفيذ المشروع كما انها أي المحافظات غير المنتظمة تخضع لتعليمات تنفيذ الموازنة الاتحادية ولصور الرقابة المتنوعة خلافاً للاعتقاد السائد الذي يستند على نص المادة (122) الفقرة الخامسة من الدستور العراقي.
مقترحات لتطوير الإدارة المحلية
في سبيل تطوير الإدارة المحلية وتفعيلها تم وضع عدداً من المقترحات بشكل يجعلها قادرة على التفاعل مع المتغيرات السابقة
1- تشريع قانون جديد للأدارة المحلية ليكون بديلاً عن قانون رقم 21 يأخذ بعين الاعتبار المواد الدستورية وتوافقها مع المواد القانونية مع الاخذ بآراء الخبراء واحكام المحكمة الاتحادية العليا وفتاوى مجلس الدولة وذلك لكثرة التعديلات التي جرات على قانون رقم 21 لسنة 2008 ولكثرة التفسيرات والتأويلات التي جرت عليه
2- تخفيض المنافع الاجتماعية لممثلي الشعب في الوحدات المحلية بمختلف مستوياتها اذ يتقاضى المحافظ راتب شهري يعادل الراتب الشهري لوكيل الوزير وكذلك رئيس مجلس المحافظة بينما يتقاضى أعضاء مجلس المحافظة والقائم مقام راتب شهري يعادل الراتب الشهري للمدير العام وأعضاء مجلس القضاء ومدير الناحية يتقاضون راتب شهري يعادل الراتب الشهري لمعاون المدير العام.
الامتيازات أعلاه اثقلت كاهل الموازنة السنوية للدولة العراقية وجعلتها غير قادرة على سداد النفقات التشغيلية وهو امر غير معمول به في اغلب دول العالم اذ لا توجد مثل هكذا امتيازات.
3- تعديل قانون الشركات رقم 22 لسنة 1997 بشكل يسمح للمحافظات بتأسيس الشركات كونها تمتلك الشخصية المعنوية القانونية ومن ثم تعمل على توفير احتياجات المحافظة وتوفير فرص عمل للسكان المحليين
4- منح اختصاصات متناظرة لوحدات الإدارة المحلية بمختلف مستوياتها كونها تنطلق من قاعدة واحدة وهي قاعدة الانتخاب
5- اعتماد أسلوب الدمج الكلي من خلال الغاء منصب المحافظ ونائبيه والمستشارين والمعاونين ويتولى رئيس مجلس المحافظة وأعضاء مجلس المحافظة من خلال اللجان مهمة متابعة التنفيذ بالأشراف المباشر على الموظفين المحليين كما هو معمول به في المملكة المتحدة
هذه المقترحات لو اخذت بنظر الاعتبار فأنها ستعمل على تطوير الإدارة المحلية في العراق ولا ننسى ان اهم مكتسب من مكتسبات الإدارة المحلية هو العمل على تنمية الشعور بالهوية الوطنية فالفرد سيكون مسؤول عن وحدته وتقديم الخدمات لها ولباقي سكان الوحدات المحلية ومن ثم سيعمل جميع السكان على تطوير وحداتهم وتقديم الخدمات لأنفسهم مما يعزز الشعور بالتعايش والتكييف والاستقلالية.
ثالثاُ/ تعزيز المشاركة السياسية من خلال تبني نظام انتخابي فاعل:
لتعزيز المشاركة السياسية المباشرة وغير المباشرة ومن ثم تعزيز الاستقرار السياسي للبلد ينبغي تبني نظام انتخابي فاعل ومؤثر يحقق التمثيل العادل ويكون كمرآة عاكسة لمكونات المجتمع داخل المؤسسات التمثيلية، نظام يفسح المجال امام الأحزاب السياسية الناشئة، اغلب النظم الانتخابية المتبناة خلال الانتخابات (البرلمانية والمحلية) بالفترات السابقة كانت النظام الانتخابي النسبي الذي يفسح المجال لجميع الأحزاب المتنافسة بالحصول على مقاعد برلمانية تعادل نسب اصواتها في الانتخابات ، هذا النظام يسمح للكل المتنافسين انتخابياً بالحصول على مقاعد برلمانية واهم عيوبه انه تنتج عنه حكومات ائتلافية هشة ومع ذلك تبنت القوى الكبرى هذا النظام واعتمدت معه طريقة سانت ليغو لغرض توزيع المقاعد النيابية وفي طريقة سانت ليغو الاصلية يتم قسمة مجموع أصوات الأحزاب السياسية المتنافسة على (1، 3، 5، 7…) الا ان الطريقة العراقية إضافة عشر للقسمة على رقم 1 وكل زيادة في العشر تكون لصالح الأحزاب السياسية الكبرى المهيمنة اذ استقرت الأحزاب على 1،7 للقسمة.
لذلك يقترح الباحث تبني نظام الصوت الواحد غير المتحول وهو نظام بسيط وسريع في اعلان النتائج مع اعتماد دوائر انتخابية صغيرة أحادية التمثيل تتنافس فيها الأحزاب المشاركة في الانتخابات على المقاعد بشكل عادل.
هذا النظام اعتمد في الانتخابات التشريعية لعام2021، بموجب قانون رقم 9 لسنة 2020 ونتج عنه تغيير في نتائج الانتخابات بشكل نسبي لصالح الأحزاب السياسية الصغيرة مما دفع القوى المهيمنة على المؤسسة التشريعية الى العودة الى نظام التمثيل النسبي مع اعتماد طريقة توزيع المقاعد النيابية (سانت ليغو، 1،7) وهذا الامر سبب عزوف لدى الناخبين عن المشاركة المباشرة في العملية الانتخابية مما انعكس سلباً على الاستقرار السياسي للبلاد.
رابعاً/ تعديل الدستور او بعض مواد الخلافية والغامضة:
الدستور هو القانون الأسمى في كل نظام سياسي فهو يرسم شكل الدولة ان كانت بسيطة موحدة او مركبة معقدة كما يحدد حقوق المواطنين وحرياتهم فضلاً عن بيان العلاقة التي تربط المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وثبات الدستور يمنح النظام السياسي الاستقرار لذلك تميل اغلب الأنظمة السياسية الى الاخذ بالدستور الجامد لاسيما الدول الفدرالية (اللامركزية السياسية) لكن هذا الجمود ليس بالجمود المطلق ولا سيما ونحن نعيش في عصر القفزات التكنلوجية وازدياد الحاجات وتنوع الرغبات وتوالي الازمات لذلك تلجاً اغلب الدساتير لتعديل نصوصها لتواكب التطورات حتى الجامد منها الذي يضع قواعد خاصة ومعقده لتعديله تختلف عن قواعد تعديل الدستور المرن والذي تتماثل إجراءات تعديله مع إجراءات تعديل القانون العادي.
ولنعد الى بيت القصيد وهو الدستور العراقي الذي يتصف بصفة الجمود اذ تناولت المادتين 126و142 إجراءات التعديل وفق المراحل التالية.
مراحل التعديل وفق المادة 126
* مرحلة الاقتراح: اذ يحق لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين تقديم مقترح لتعديل مواد الدستور العراقي كما يحق لخمس أعضاء مجلس النواب تقديم مقترح التعديل
* مرحلة الإقرار: إقرار تعديل مواد الدستور بقاعدة موافقة اغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب
*مرحلة الموافقة: موافقة الشعب باستفتاء دستوري على تعديل المواد
*مرحلة المصادقة: موافقة رئيس الجمهورية على التعديلات الدستورية خلال سبعة أيام وفي حال انقضاء السبعة أيام تعد الموافقة حاصلة بشكل تلقائي
فرضت المادة 126 حضر زماني وموضوعي اذ منعت تعديل المواد الأساسية الواردة في الباب الأول ومواد الحقوق والحريات الا بعد انقضاء دورتين برلمانيتين هذا فيما يتعلق بالحضر الزماني اما الحضر الموضوعي فقد منعت اجراء تعديلات دستورية على المواد التي تمس مصالح الأقاليم غير المتعلقة بالاختصاصات الحصرية مالم توافق المؤسسة التشريعية للإقليم وسكان الإقليم من خلال استفتاء دستوري.
مراحل التعديل وفق المادة 142
*مرحلة تشكيل لجنة: تُشكل لجنة من ممثلي مكونات المجتمع العراقي عند بداية عمل مجلس النواب وتقدم تقريرها لتعديل المواد الدستورية خلال أربعة أشهر من تشكيلها
*مرحلة الإقرار: إقرار التعديلات على مواد الدستور دفعة واحدة وبالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب
*مرحلة الموافقة: موافقة الشعب باستفتاء دستوري خلال شهرين من تاريخ الإقرار النيابي مالم يعترض ثلثي السكان او أكثر في ثلاث محافظات
وتستثنى احكام المادة 142 من احكام المادة 126 لحين الانتهاء من البت بالتعديلات الدستورية.
يتبين من احكام المادة 142 إمكانية تعديل احكام الباب الأول (المبادئ الأساسية) والحقوق والحريات ومصالح الأقاليم او الإقليم.
وهنا يثار تسأل وفق أحكام اية مادة يتم تعديل الدستور هل وفق المادة 126 ام وفق المادة 142 هذا الخلاف تسبب بعدم تعديل المواد القانونية للدستور على الرغم من مرور عقدين من الزمن بالرغم من بروز قضايا خلافية منشائها الاختلاف في تفسير النصوص الدستورية وكأنه دستور مؤبد وليس جامد.
القراءة المتأنية والمتفحصة تبين لنا أن المادة 126 هي الأساس وان المادة 142 هي الاستثناء أضيفت بناءً على رغبات حزبية ضيقة اذ نصت المادة 142 في فقرتها الأولى على تشكيل لجنة في بداية عمل مجلس النواب أي في الدورة الأولى فلو أراد المشرع الدستوري لهذه اللجنة الديمومة لصاغ الفقرة على الشكل التالي (تشكل لجنة لوضع التعديلات على النصوص الدستورية في بداية عمل كل دورة نيابية) كذلك كلمة الاستثناء التي وردت في الفقرة الخامسة من المادة 142 (ويستثنى ما ورد في هذه المادة من احكام المادة 126 المتعلقة بتعديل الدستور الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة. وهذا اعتراف صريح بان المادة 142 هي استثناء مؤقت خلافاً للقاعدة 126.
لكن لو كان الامر كذلك لماذا تعرقلت التعديلات الدستورية بعد احداث تشرين 2019 ولماذا تم تشكيل لجنة من النواب ولم يعتمد على قاعدة خمس الأعضاء.
اما أبرز المواد الخلافية فهي على سبيل المثال لا الحصر فهي:
1- م 49 اولاً: ((يحل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه بناءً على طلب ثلث أعضائه او طلب من رئيس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية)).
في هذه المادة لم يأخذ المشرع الدستوري العراقي بمبدأ التوازن وهو احد اهم مقومات النظام البرلماني، اذ تمتلك المؤسسة التشريعية بموجب هذا المبدأ سحب الثقة من المؤسسة التنفيذية وتمتلك المؤسسة التنفيذية سلاح حل البرلمان مع عدم جواز الحل اثناء مرحلة استجواب المؤسسة التنفيذية بشكل فردي او تضامني، هنا المشرع الدستوري بموجب المادة أعلاه وضع قرار حل المؤسسة التشريعية بيد أعضاءها وهو امر غير ممكن ان يحل صاحب المصلحة والفائدة نفسه وفي ذلك مخالفة لمبدأ التوازن ما بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية وهو من اهم مبادئ النظام البرلماني حتى وصف النظام العراقي بانه نظام الجمعية الوطنية من قبل بعض الباحثين لسطوة الأخيرة على المؤسسة التنفيذية.
2- م76 اولاً والخاصة بتكليف رئيس الوزراء من قبل رئيس الجمهورية فهل هو مرشح الحزب الفائز بالانتخابات ام هو مرشح الكتلة الأكبر المؤتلفة بعد اعلان نتائج الانتخابات وهنا المحكمة الاتحادية أدخلت البلاد في دوامة عدم الاستقرار السياسي بتفسرتها المتناقضة للمادة فقد لا يتمكن الحزب الفائز بأغلبية أصوات الناخبين من تشكيل الحكومة وقد تشكلها أحزاب أخرى أتلفت قبيل الجلسة الأولى لمجلس النواب وفي ذلك مخالفة صريحة للمبادئ الديمقراطية ومبدأ حكم الشعب كما حصل في الانتخابات البرلمانية لعام 2010 عندما استبعدت القائمة العراقية بزعامة ( اياد علاوي) من تشكيل الحكومة بالرغم من فوزه بالمركز الأول وليتمكن ائتلاف دولة القانون بزعامة (نوري المالكي) صاحب المركز الثاني انتخابياً من تشكيل الحكومة؛ فالمقترح هو لما كانت الديمقراطية تعني حكم الأغلبية وفاز حزب معين بأغلبية أصوات الناخبين فمن مسلمات العملية الانتخابية ان يتولى الحزب الفائز تشكيل الحكومة بشكل منفرد وليس مؤتلف وذلك للخروج من موضوع الانسداد السياسي وورقة ضغط الأحزاب الصغيرة وغيرها على الحزب الفائز انتخابياً وهذا يتلاءم مع اعتماد نظام الصوت الواحد غير المتحول كنظام انتخابي .
ومن المواد الخلافية الأخرى المادة 115 و119 الخاصة بالإدارة المحلية والتي سبق الحديث عنها.
خامساً/ معالجة ظاهرة الفساد المستشري في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية:
الفساد اصطلاحاً/ هو عملية استغلال الموقع الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية
الفساد لغةً/ هو تلف الشيء وعدم إمكانية الاستفادة منه مرة أخرى
وفي اللغة الإنكليزية تشير مفردة (CORRUPTION) كذلك الى التغيير من الصالح الى الطالح.
ويتخذ الفساد اشكالاً متعددة وهي (الفساد الأخلاقي، الفساد الوظيفي الإداري، الفساد السياسي) وموضوعنا هو الفساد الوظيفي والإداري الذي يتصف بعدد من الخصائص وهي
- عدم اقتصار الفعل على شخص واحد معين
- اتصاف العمل الفاسد بالسرية
- تستر الفاسدين وظيفياً وادارياً بالغطاء الديني والأخلاقي والترويج لهذا الغطاء اعلامياً
- التناقض ما بين الادعاء بتطبيق القوانين والضوابط الإدارية والسعي من جانب اخر للحصول على المصلحة الشخصية بشكل غير قانوني
أسباب تفشي ظاهرة الفساد بأشكاله المتعددة بين الأمم
- ضعف الوازع الأخلاقي
- المكسب المادي والايمان بفكرة ان المال مصدر للسلطة وزيادة مستوى الفقر التي تشجع على ممارسة الفساد بصوره المختلفة
- استبداد السلطة والاستيلاء على الموارد العامة من قبلها مما يدفع ويشجع الاخرين على الفساد في حال ضعفها او زوالها كما حصل في العراق بعد عام 2003 اذ شهد عمليات نهب للمؤسسات العامة
- انتشار بعض القيم الاجتماعية الخاطئة وتفشيها في المجتمع مثل (الما يحوف مو زلمه)
- ضعف المؤسسات القانونية وانعدام العقوبات في حال التجاوز على المال العام.
- مكانة العراق في مؤشرات الفساد
- نبحث هنا عن مكانة العراق في ضوء مؤشرات الفساد سعياً للحصول على التقييم الصحيح لحجم الفساد ومدى تأثيره على التنمية في العراق والتي تصدر أي المؤشرات عن منظمة الشفافية العالمية وهي منظمة دولية غير حكومية مقرها في برلين تقيم حجم الفساد في 182 بلد وفق مجموع نقاط من الصفر شديد الفساد الى 100 شديد النزاهة
- وفقاً لتقيم عام 2025 حصلت الدنمارك على درجة 89 لتحتل المركز الأول كدولة شديدة النزاهة وكانت درجة العراق 28 واحتل المركز 136 اذ يؤشر على العراق باللون الأحمر دلالة على حجم الفساد المتفشي فيه.
- ووفقاً لتقيم عام 2024حصلت الدنمارك على درجة 90 من 100 لتحافظ على المركز الأول فيما حصل العراق على درجة 26 ليحتل المركز ال 140.
- ووفقاً لتقييم عام 2023 حصلت الدنمارك على درجة 90 من 100 لتحافظ كذلك على المركز الأول وحصل العراق على درجة 23 ليحتل المركز 154.
- ووفقاً لتقييم عام 2020 حصلت الدنمارك على درجة 88 من 100 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 21 ليحتل المركز 160.
- ووفقاً لتقييم سنة 2015 حصلت الدنمارك على درجة 91 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 16 ليحتل المركز 161.
- ووفقاً لتقييم 2010 حصلت الدنمارك على درجة 89 لتحافظ على المركز الأول وحصل العراق على درجة 28 ليحتل المركز 136.
- من تحليل البيانات أعلاه يتبين ان دولة الدنمارك هي أكثر دولة تتوفر فيها النزاهة وينعدم فيها الفساد ويتبين ان العراق شهد ارتفاعاً حاداً في مؤشرات الفساد مع وجود تحسن طفيف نسبياً في السنوات الأخيرة والذي لا يتناسب مع حجم الفساد المستشري في العراق اذ لابد من اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة هذه الظاهرة قبل ان تتحول لواقعة اجتماعية تترسخ في المجتمع العراقي.
الحلول:
لتخفيض حجم مؤشرات الفساد ينبغي اتباع عدداً من الحلول المقترحة منها
- تفعيل وتنشيط الرقابة التدقيقية السابق منها لعملية الصرف واللاحق
- ربط اقسام وشعب الرقابة والتدقيق الداخلي ادارياً وفنياً بديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة وعدم ربطها بالمسؤول الإداري الأعلى في المؤسسة
- إحالة القضايا التي يثبت فيها الفساد الى هيئة النزاهة مباشرة دون الحاجة الى مصادقة الوزير المختص
- تفعيل الرقابة البرلمانية على الأجهزة الرقابة وباقي مؤسسات الدولة مع الاستعانة بخبراء متخصصين في حال عدم تمتع أعضاء البرلمان بالمؤهلات اللازمة
- تشديد العقوبات القضائية من خلال اصدار احكام مشددة لتكون وازع حقيقي لمنع حدوث وتكرار جرائم سرقات المال العام وجعلها من الجرائم التي تمس الامن الوطني للبلاد
- تنمية الواعز الأخلاقي والديني من خلال المؤسسات الدينية والتربوية لتمارس عملية تنشئة اجتماعية وسياسية مسؤولة
- تفعيل الحكم الرشيد بأبعاده الإدارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتكز على المشاركة الواعية وشفافية الحصول على المعلومات وإقامة المسؤولية على المقصر مع ضرورة اقترن الحكم الرشيد بالمستوى الثقافي الجيد ان لم يكن عالي
نستنتج ان العراق عانا لعقود طويلة من تفشي ظاهرة الفساد الامر الذي تسبب بضياع فرص التنمية الحقيقة.
وعلى هديً مما سبق يتبين ان العراق بحاجة الى تطوير الواقع السياسي والمجتمعي لما بعد الانسحاب الأمريكي وذلك بالاستفادة من أخطاء المرحلة السابقة في سبيل تصحيح البنيان وتقويم مساره ومن خلال الاستفادة من المقترحات في أعلاه


