يمثل 30 أيلول 2026 محطة مهمة في تاريخ العلاقة العراقية–الأمريكية، مع اكتمال خروج القوات الأمريكية من العراق بصيغتها العسكرية الحالية. غير أن أهمية هذا التاريخ لا تكمن في مغادرة القوات الأجنبية بحد ذاتها، بقدر ما تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه على الدولة العراقية: هل يستطيع العراق أن يحول انتهاء الوجود العسكري الأجنبي إلى بداية فعلية للاستقلال الاستراتيجي؟
فالسيادة لا تُقاس فقط بوجود القوات الأجنبية أو غيابها، وإنما بقدرة الدولة على امتلاك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي، وفرض سلطتها على كامل أراضيها، وامتلاك أدوات القوة التي تمكنها من حماية مصالحها الوطنية. وقد اتفقت بغداد وواشنطن في عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف العسكرية في العراق والانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية، مع استمرار التعاون في مكافحة الإرهاب وتطوير قدرات القوات العراقية. ولذلك فإن 30 أيلول لا يمثل بالضرورة نهاية العلاقة بين البلدين، وإنما انتقالها إلى مرحلة جديدة.
أولاً: السيادة بين النص القانوني والقدرة الفعلية
يمتلك العراق، من الناحية الدستورية، مقومات الدولة ذات السيادة، إلا أن ممارسة السيادة على أرض الواقع تحتاج إلى قدرات سياسية وأمنية واقتصادية ومؤسساتية. فالسيادة الحقيقية تعني أن يكون القرار العراقي نابعاً من مؤسسات الدولة، وأن تستطيع الحكومة إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، دون أن تتحول العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية إلى عوامل تحد من استقلال القرار. ومن هنا، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي يجب ألا يُفهم باعتباره نهاية تلقائية لكل أشكال التأثير الخارجي، بل بوصفه فرصة لإعادة تنظيم علاقات العراق الخارجية على أساس المصالح المتبادلة والندية.
ثانياً: بناء القوة الأمنية والعسكرية
يُعد بناء قوة أمنية وعسكرية وطنية من أهم متطلبات الاستقلال الاستراتيجي. فخروج القوات الأجنبية يضع الدولة العراقية أمام مسؤولية أكبر في حماية حدودها وأجوائها ومياهها ومؤسساتها ومواجهة التهديدات الإرهابية. وهذا يتطلب تطوير قدرات القوات العراقية في مجالات الدفاع الجوي، والقوة الجوية، والاستخبارات، والمراقبة والاستطلاع، وحماية الحدود، والأمن السيبراني، فضلاً عن تطوير منظومات القيادة والسيطرة. وقد ارتبط مسار الانتقال منذ سنوات بتطوير قدرات القوات العراقية وتحويل دور التحالف من العمليات القتالية إلى التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات. ولذلك فإن المرحلة الجديدة ستختبر إلى أي مدى تستطيع المؤسسات الأمنية العراقية الاعتماد على قدراتها الوطنية في إدارة التحديات الأمنية.
ثالثاً: حصر السلاح وقرار استخدام القوة
لا يمكن الحديث عن استقلال استراتيجي كامل من دون معالجة مسألة تعدد مراكز القوة المسلحة. فالدولة ذات السيادة ينبغي أن تكون صاحبة القرار الحصري في استخدام القوة، وأن تكون جميع التشكيلات المسلحة خاضعة للدستور والقانون وسلسلة القيادة الرسمية. وتزداد أهمية هذا الموضوع مع انتهاء الوجود العسكري الأمريكي، إذ تشير تقارير حديثة إلى استمرار الخلافات بشأن مستقبل بعض الفصائل المسلحة وعلاقتها بالدولة. وبالتالي، فإن بناء الدولة القوية لا يعني فقط امتلاك السلاح، وإنما امتلاك القرار السياسي والقانوني في استخدامه.
رابعاً: السيادة الاقتصادية
لا يمكن فصل الاستقلال السياسي والأمني عن الاقتصاد. فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد أو ترتبط بشكل واسع بمنظومات مالية خارجية تكون قدرتها على المناورة السياسية أقل ،ولهذا يحتاج العراق إلى تعزيز اقتصاده الوطني من خلال تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتطوير القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، وتقوية القطاع الخاص، وإصلاح النظام المصرفي. ولا تعني السيادة الاقتصادية الانعزال عن الاقتصاد العالمي، وإنما تعني أن يكون العراق قادراً على الدخول في علاقاته الاقتصادية الدولية من موقع أكثر قدرة على حماية مصالحه الوطنية.
خامساً: تنظيم الوجود الأجنبي
إن الحديث عن السيادة العراقية لا ينبغي أن يقتصر على الوجود الأمريكي فقط. فالمعيار الأساسي هو قدرة الدولة العراقية على تنظيم أي وجود عسكري أو أمني أجنبي داخل أراضيها، أياً كان مصدره، وفق القانون والاتفاقات الرسمية. وفي هذا السياق، فإن الاتفاق العراقي–التركي الأخير بشأن التسليم التدريجي لمعسكر بعشيقة–زليكان للحكومة العراقية يمثل مثالاً على أهمية إعادة تأكيد سلطة الدولة وتنظيم الوجود العسكري الأجنبي وفق التفاهمات الرسمية بين الدول.
سادساً: الاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة
من الخطأ فهم الاستقلال الاستراتيجي باعتباره قطعاً للعلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول. فالعراق يحتاج إلى علاقات دولية واسعة، وإلى التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والتدريب.
لكن الفرق يكمن في طبيعة هذه العلاقات: هل تقوم على التعاون المتبادل، أم تجعل الدولة تعتمد بصورة أساسية على طرف خارجي في حماية أمنها أو إدارة اقتصادها أو تحديد خياراتها السياسية؟
ومن هنا، فإن الهدف ليس عزل العراق عن محيطه الدولي، وإنما بناء دولة قادرة على التعاون مع الجميع من دون الارتهان لأحد.
خاتمة
إن 30 أيلول 2026 يمكن أن يكون نقطة تحول مهمة في مسار الدولة العراقية، لكنه لن يكون وحده دليلاً على اكتمال السيادة أو الاستقلال الاستراتيجي. فالاستقلال الحقيقي يبدأ عندما تمتلك الدولة قوة أمنية قادرة، وقراراً سياسياً مستقلاً، وسلاحاً خاضعاً للقانون، واقتصاداً أكثر قدرة على حماية مصالحها، وسياسة خارجية متوازنة، وقدرة على تنظيم أي وجود أجنبي داخل أراضيها. وعليه، فإن السؤال الأهم بعد 30 أيلول ليس: هل خرجت القوات الأمريكية من العراق؟ وإنما: هل أصبح العراق يمتلك الأدوات التي تمكنه من حماية قراره وأمنه ومصالحه؟ فخروج القوات الأجنبية قد يمثل نهاية مرحلة، لكن بناء القوة الوطنية والمؤسسات القادرة هو الذي يمكن أن يحول هذه النهاية إلى بداية حقيقية للاستقلال الاستراتيجي للعراق.


