تعد كل من العراق والنرويج دولاً تتمتعان بثروات نفطية ضخمة، إلا أن تجربتيهما في إدارة هذه الثروات قد اتخذت مسارين مختلفين، مما يطرح تساؤلات حول كيفية تعامل الدول المنتجة للنفط مع ما يمكن تسميته بـ”أزمة منتصف الطريق”. هذه الأزمة تتعلق بالتحدي الذي يواجه العديد من الدول المنتجة للنفط عندما تبدأ في إدارته بشكل غير مستدام أو عندما تجد نفسها في مرحلة فاصلة بين النمو الاقتصادي الحالي والتحولات المستقبلية التي يطلبها عالم متغير.
النرويج: نموذج لإدارة الثروات
في المقابل، استطاعت النرويج تجاوز أزمة منتصف الطريق بنجاح. فقد تمكنت من إنشاء صندوق الثروة السيادي الذي يعتمد على عائدات النفط ويُدار بطريقة مستقلة وشفافة.
هذا الصندوق استثمر في أصول متنوعة على مستوى العالم، مما سمح للنرويج بخلق احتياطي مالي يعزز استقرارها الاقتصادي على المدى البعيد.
النرويج، على عكس العراق، بدأت في مواجهة تحدي “أزمة منتصف الطريق” بشكل مبكر. كان التوجه نحو إنشاء صندوق الثروة السيادي مبنيًا على الفهم العميق أن الثروات الطبيعية، مثل النفط، ليست مصدرًا مستدامًا على المدى الطويل إذا لم يتم استثمارها بشكل حكيم. بالنظر إلى الاعتماد المستقبلي المتوقع على مصادر الطاقة المتجددة، كان من الضروري أن تعمل النرويج على تحويل عائدات النفط إلى أصول مالية يمكن أن تساهم في دعم الاقتصاد الوطني في المستقبل .
لغة الأرقام لا تخطئ :
في عام 1969، كان متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في كل من العراق والنرويج متساويًا، حيث بلغ حوالي 3,000 دولار. في ذلك الوقت، كان العراق يعتمد على النفط حتى قبل تأميمه رسميًا عام 1972 في عهد الرئيس أحمد حسن البكر. في المقابل، بدأت النرويج بتصدير أول شحنة نفطية عام 1970، لكنها اتبعت مسارًا اقتصاديًا مختلفًا تمامًا عن العراق مع حلول عام 1990، وهو العام الذي يمثل جوهر موضوعنا “أزمة منتصف الطريق”، اتخذت النرويج قرارًا استراتيجيًا بإنشاء صندوق الثروة السيادي، ليكون استثمارًا مستدامًا مملوكًا للدولة. في المقابل، اختار العراق مسار الأزمات والدخول في الحروب، مما أثر بشكل كبيرعلى تطوره الاقتصادي واليوم، في عام 2025 يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في النرويج 90,000 دولار، بينما لا يتجاوز في العراق 6,000 دولار فقط، مما يعكس الفجوة الاقتصادية الهائلة بين البلدين نتيجة لاختلاف سياسات إدارة الثروة النفطية.

