على الرغم من وجود أكثر من (70) مصرفا حكوميا وخاصًا في العراق إلا أن ظاهرة الاكتناز المالي ما زالت قائمة، وما زال الناس يحتفظون بأموالهم النقدية خارج النظام المصرفي سواء أكان ذلك في منازلهم أم في أماكن أخرى، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها ضعف الثقة في القطاع المصرفي وانخفاض مستوى الثقافة المصرفية لدى المواطنين، وشبه غياب للمناخ الاستثماري بسبب العوامل الجيوسياسية في العراق الذي انعكس سلبا على عمل القطاع المصرفي ومستوى الاستقرار الاقتصادي، الأمر الذي يجب أن يدفع المصارف الحكومية والخاصة إلى الترويج عن نفسها ونشر الثقافة المصرفية بشأن حماية أموال المودعيين ومنح تسهيلات مصرفية للمودعيين لديها، وتقديم خدمات متنوعة للأشخاص والشركات المودعة، فضلاً عن زيادة الانتشار والوصول إلى مناطق أخرى وصولاً للشمول المالي الذي يعني إيصال الخدمات المصرفية إلى أبعد رقعة جغرافية ممكنة.
كما يؤثر الاكتناز المالي على عمل المصارف تأثيرا مباشرا ويعطل عجلة الاستثمار والدورة الاقتصادية التي تبدأ دورتها الطبيعية بإيداع الأموال في النظام المصرفي ومن ثم استثمارها في مشاريع ومجالات مختلفة، مما يفقد المصارف دور الوساطة غير المباشرة الذي من المفترض أن تقوم به بين أصحاب الأموال وأصحاب الأفكار والمشاريع.
لماذا يعد انخفاض نسبة الاكتناز المالي مؤشراً إيجابيا؟
إن قيام الافراد والشركات بإيداع أموالهم الفائضة في المصارف سيولد سيولة لدى المصارف، هذه السيولة ستحفز المصارف على استثمار هذه الأموال الفائضة في إقامة مشاريع بمجالات مختلفة، التي ستسهم في تخفيض معدلات البطالة الموجودة من خلال تشغيل قوى عاملة جديدة لإقامة المشاريع الجديدة أو تطويرها ومن ثم إدامتها بعد انطلاق المشروع، كما ستسهم هذه المشاريع الجديدة في تعزيز الاستثمار المحلي بصورة عامة وهكذا تعمل الدورة الاقتصادية التي تبدأ من عملية الإيداع في المصرف وتنتهي بأقامة المشاريع أو تطويرها.
دورة حياة الأموال في ظل النظام المصرفي:
١. أصحاب الأموال (المودعون)
٢. المصرف
٣.أصحاب المشاريع
لقد عمل البنك المركزي بدعم مباشر من مجلس الوزارء الذي أصدر قراره رقم (313/2016) الذي قضى بتحويل نظام دفع الرواتب للموظفين المدنيين إلى نظام دفع ألكتروني وما لحقها من قرارات انتهت بنتيجة المطاف إلى توطين رواتب جميع الموظفين لدى المصارف، مما سهل عمليات الاقتراض وزيادة الثقة بالجهاز المصرفي نسبيًا فضلاً عن دعم عملية الشمول المالي .
وعلى الرغم من ذلك ما زالت المصارف الحكومية والخاصة بحاجة الى دعم متواصل من الدولة والبنك المركزي، إذ يجب على المصارف أن تمنح تسهيلات وخدمات مصرفية متنوعة لكل من يفتح حسابا مصرفيا لديها. كعمل خصومات على المشتريات عن طريق البطاقة وخصومات على حجز تذاكر طيران والشراء عبر الانترنت وغيرها من الوسائل المتبعة في مختلف دول العالم المتقدمة، الأمر الذي يدعم عملية الشمول المالي ويعزز انتشار التعاملات الالكترونية ويخفض التعامل بالنقد الورقي .
مما يجعل تداول الأموال داخل القطاع المصرفي أكبر، كما أصدر مجلس الوزراء مؤخرا قرارًا يتضمن نشر أجهزة نقاط البيع (POS) والذي تضمن أيضاً إعفاء المصارف والشركات من ضريبة استيراد اجهزة الدفع والتحصيل (POS ATM) فضلا عن إعفاء جميع التعاملات بالدفع الالكتروني .
لذا فإن المتوقع أن تسهم كل هذه القرارات والتسهيلات على تخفيض نسبة الاكتناز المالي خارج النظام المصرفي وخاصة إن تنفيذ هذه القرارات تضمن مدة زمنية للتنفيذ تنتهي بتاريخ 1/6/2023
الاكتناز المالي بالأرقام
يمكن معرفة حجم العملة المكتنزة خارج النظام المصرفي من خلال احتساب إجمالي العملة المصدرة من البنك المركزي العراقي مطروحًا منها إجمالي العملة داخل النظام المصرفي وكما في الجدول أدناه .
العملة المصدرة والعملة داخل وخارج الجهاز المصرفي لغاية آذار / 2023
إجمالي العملة المصدرة: 97 ترليون دينار
إجمالي العملة داخل النظام المصرفي: 8 ترليون دينار
إجمالي العملة خارج النظام المصرفي: 89 ترليون دينار
نسبة العملة داخل النظام المصرفي إلى إجمالي العملة المصدرة: %8
نسبة العملة خارج النظام المصرفي إلى إجمالي العملة المصدرة: %8
المصدر: البنك المركزي العراقي / الموقع الاحصائي
تعطي الأرقام آنفاً دلالة واضحة على وجود أزمة ثقة وضعف عملية تسويق المصارف لمنتجاتها وخدماتها لاستقطاب حوالي (89) ترليون دينار والمتداولة خارج النظام المصرفي، مما يتطلب سياسات تسويق مصرفية جاذبة للزبائن كالتوسع في الاقتراض ومنح التسهيلات والخصومات وتسهيل عمليات الدفع الالكتروني وتوفير المباني الملائمة والأنظمة الالكترونية المتطورة فضلاً عن ضرورة الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وإعادة هيكلة تنظيمية ومالية لبعض المصارف العامة والخاصة، بما يضمن حماية وسلامة القطاع المصرفي.
ختامًا، ينبغي أن تتوجه الجهود لدعم القطاع المصرفي العراقي من قبل الحكومة والبنك المركزي العراقي بصورة متزايدة عن السابق على اعتبار هذا القطاع هو المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد وأن يكون الهدف الاستراتيجي القادم هو إعادة كل أو جزء من الـ (89) ترليون الموجود خارج النظام المصرفي إلى داخله وتخفيض نسبة الاكتناز المالي لدى الافراد بالتحديد ويتم ذلك من خلال وضع خطط مستقبلية للسنوات الخمس المقبلة، والمساهمة المشتركة من الحكومة والبنك المركزي والمصارف ذاتها لنشر الشمول المالي فعليا، وعلى المصارف تفعيل دور أقسام التوعية لديها لنشر الثقافة المصرفية للجمهور، وإعطاء دور أكبر للشركة العراقية لضمان الودائع وبيان أهميتها ودورها الاقتصادي، بما يضمن تعزيز الثقة وحماية أموال الجمهور وزبائن المصارف .

