تتأكد اليوم حقيقة جيوستراتيجية صارمة ومفصلية

تتأكد اليوم حقيقة جيوستراتيجية صارمة ومفصلية
تكشف المواجهة الأمريكية الإيرانية حدود القوة الصلبة في حسم الصراعات الإقليمية، وتبرز دور الجغرافيا والردع والاستنزاف، فيما يبقى مستقبل مضيق هرمز رهناً بتوازن متحرك لا يتيح لأي طرف فرض سيطرة مطلقة....

الشرق الأوسط يعيد رسم معادلات قوته وتوازناته الأمنية لأول مرة بمعزل عن الإرادة المطلقة للأقطاب الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

إن التصعيد الراهن بين واشنطن وطهران — بدءًا من الاعتداء الأمريكي المباشر على جزيرة “لارك” ذات الموقع الاستراتيجي في قلب مضيق هرمز.

ووصولاً إلى الرد الإيراني الصاروخي العابر للحدود ضد قواعد أمريكية في الأردن وإسقاط طائرة الاستطلاع المسيرة المتطورة من طراز (MQ-9).

ليس مجرد نوبة تصعيد عابرة بل هو تجسيد لغياب الرؤية الاستراتيجية الحاسمة وانكشاف حدود القوة الصلبة للإدارة الأمريكية الحالية.

​تُظهر هذه التحركات السياسية والميدانية صراعًا يُدار بعقلية استعمارية وتوسعية منفصلة تمامًا عن الواقع التكتيكي للقرن الحادي والعشرين.

حيث تسعى الإدارة الأمريكية لصناعة “إنجاز عسكري خاطف” يحول دفة الرأي العام المحلي الغاضب ويشتت الانتباه عن الأزمات السياسية والانتقادات الداخلية المتصاعدة. غير أن التاريخ العسكري يثبت دائمًا أن خوض المواجهات المفتوحة وغير محددة الأفق ضد قوى إقليمية متجذرة لا يؤدي إلا إلى استنزاف المعتدي وتورطه في رمال متحركة فالسيطرة على الممرات المائية الحيوية والنفوذ الإقليمي لا يُمكن حسمها عبر التصعيد المتقطع أو الاستعراض الناري المسرحي.

​تاريخيًا تُعيدنا هذه المعطيات إلى أزمات واستحقاقات سابقة أثبتت فيها إيران قدرتها على الاستفادة من حالة الصراع غير المباشر وتحويل الضغوط الخارجية إلى مكاسب استراتيجية تثبت حضورها كقوة إقليمية نافذة:

​حرب الناقلات (1987 – 1988): رغم التدخل العسكري الأمريكي المباشر لحماية ناقلات النفط وحجم الخسائر المادية.

أثبتت طهران أن العامل الجغرافي والقدرة على المناورة الذكية في مضيق هرمز يمنحانها ورقة ضغط دائمة لفرض معادلة “الردع المقابل” وتعطيل ملاحة الطاقة العالمية.

​إسقاط الطائرة (Global Hawk) في حزيران/يونيو 2019: شكل حادث إسقاط طائرة تجسس مسيرة بقيمة مئات الملايين فوق مياه الخليج نقطة تحول حاسمة، فرضت فيها طهران قواعد اشتباك جديدة وأكدت جاهزيتها الدفاعية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

​استهداف قاعدة عين الأسد (كانون الثاني/يناير 2020): استبدل الرد الصاروخي المباشر على القواعد الأمريكية قواعد اللعبة التقليدية وكشف عن جُرأة غير مسبوقة في كسر حاجز الهيبة العسكرية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

​إن المشهد الميداني الحالي الذي يأتي بعد أسابيع من الصمت وإعادة التموين والتحشيد البحري للأسطول الأمريكي يعكس أزمة عميقة في صانع القرار في واشنطن حيث أصبحت الذخائر والسلاح والعتاد والنفوذ السياسي هي الثمن الأبرز في فاتورة الاستنزاف الأمريكي المفتوحة.

بينما تدفع السيادة العربية والأمن القومي للإقليم الثمن الأكبر جراء هذا الصراع الممتد.

​على المدى القريب تنجح طهران في تثبيت هيمنتها الميدانية على المضيق وتأكيد سيادتها الميدانية.

أما على المدى البعيد فإن استمرار هذه المواجهات غير الحاسمة يكرس إيران كـ “قوة عظمى إقليمية” قائمة بذاتها.

مستفيدة من التراجع التدريجي لنظام القطب الواحد الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

إن منطق الغزو والسيطرة الفردية لم يعد صالحًا لإدارة الأزمات المعاصرة.

والشرق الأوسط اليوم يتجه بثبات نحو تشكيل توازنات جيوسياسية جديدة لا تُكتب خطوطها العريضة في واشنطن بل تُفرض فرضًا على أرض الميدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *