الحصار الجوي على إيران:الورقة الأمريكية الخاسرة وسبل تجاوز الخناق

الحصار الجوي على إيرانالورقة الأمريكية الخاسرة وسبل تجاوز الخناق
تزيد العقوبات والقيود المفروضة على قطاع الطيران الإيراني كلفة النقل والتجارة والاتصال الخارجي، لكن الموقع الجغرافي لإيران واستمرار علاقاتها مع قوى إقليمية ودولية يمنعان تحول هذه القيود بسهولة إلى عزلة جوية واقتصادية شاملة...

تستمر الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة سياسة الضغط الأقصى ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وكان آخر تجليات هذه السياسة فرض ما يشبه “الحصار الجوي” الشامل عبر إدراج عشرات شركات الطيران الإيرانية.

والشركات المساندة للخدمات الملاحية والتزويد بالوقود على قوائم العقوبات التشديدية.

وتهدف واشنطن من هذه الخطوة إلى عزل طهران تماماً عن محيطها الإقليمي والدولي وتجفيف منافذ التبادل التجاري والدبلوماسي والإنساني.

غير أن القراءة الدقيقة لمعطيات التاريخ والواقع تؤكد أن هذه الورقة الأمريكية باتت غير جدية ولا تعدو كونها مناورة سياسية بلا فائدة عملية ملموسة على المدى الطويل.

​استجابة الدول ورفض الخضوع للعقوبات

​على الرغم من إرضاخ الإدارة الأمريكية لبعض البلدان والمطارات الإقليمية عبر التهديد بالعقوبات الثانوية لتعليق الرحلات (كما حدث مؤخراً في مطارات الإمارات والعراق وأذربيجان)

إلا أن خطة العزل الشاملة اصطدمت برفض صريح ومباشر من دول كبرى ومحورية على الساحة الدولية.

​فقد رفضت الصين عملاق الاقتصاد العالمي هذا الحصار ووصفته بأنه عقوبات أحادية غير قانونية

واستمرت رحلات الطيران المباشرة بين طهران والمدن الصينية مثل غوانزو وشنغهاي دون انقطاع.

كما حافظت روسيا على خطوطها الجوية مفتوحة مع إيران في إطار الشراكة الاستراتيجية والتجارية المتنامية بين البلدين.

وفي الوقت ذاته أبقت دول مثل تركيا وأرمينيا وباكستان وقطر على مسارات ومجالات جوية حيوية تُسهم في كسر هذا الطوق المالي والإداري الذي تحاول واشنطن فرضه.

​كيف ستتجاوز إيران هذا الحصار الجوي؟

​تمتلك إيران خبرة تراكمية ممتدة لأكثر من أربعة عقود في مواجهة مختلف القيود الاقتصادية واللوجستية.

وستعتمد على عدة إستراتيجيات مدروسة للتغلب على التضييق الجوي الحالي:

​العبور عبر دوائر الوساطة (Hub-and-Spoke): الاعتماد المكثف على مدن ترانزيت في دول صديقة كالصين وروسيا وتركيا حيث يتنقل المسافرون وتُنقل البضائع إلى هذه المحطات الموازية ومن ثم يتم إعادة توجيهها بمرونة.

​استخدام الأسطول الوطني الخاص والشركات غير المسجلة

إعادة تشغيل خطوط الطيران عبر شركات إقليمية أو صغيرة غير معروفة دولياً للتملص من رقابة نظام “أوفاك” التابع للخزانة الأمريكية.

​تفعيل البدائل البرية والبحرية تعزيز شبكات النقل السريع للركاب والبضائع برياً عبر حدود تركيا وأرمينيا والعراق وبحرياً عبر موانئ بحر قزوين والخليج العربي لتخفيف الضغط عن قطاع الطيران المدني.

​الاعتماد على العملات المحلية والأنظمة الموازية

إبرام اتفاقيات تجارية قائمة على التبادل السلعي (البارتر) أو استخدام العملات الوطنية مع الشركاء للالتفاف على نظام الدولار وشبكة “سويفت” التي تستخدمها واشنطن كأداة ضغط مالي.

​شواهد تاريخية: دول تجاوزت الحصار الجوي والاقتصادي

​يكشف التاريخ الحديث أن سياسة الحصار الجوي لم تنجح يوماً في تركيع الدول صاحبة الإرادة والاستراتيجيات الموازية:

​قطر (2017): حين أُغلق مجالها الجوي الإقليمي تمكنت خلال أيام معدودة من فتح خطوط جوية بديلة عبر المجال الجوي الإيراني والتركي ووجدت حلولاً لوجستية كاملة أجهضت الحصار تماماً في فترة قياسية.

​روسيا (2022): رغم فرض أكبر حصار جوي وغربي في التاريخ الحديث عليها وإغلاق أجواء أوروبا وأمريكا بوجه طائراتها استطاعت موسكو تحويل مساراتها الجوية نحو آسيا والشرق الأوسط وظلت حركتها الجوية والتجارية نشطة.

​كوبا ونيكاراغوا: استمرت هذه الدول عقوداً تحت الحظر الجوي والأمريكي الصارم وتجاوزته عبر بناء شبكات تجارية ودبلوماسية موازية مع الصين وروسيا والدول النامية.

​ورقة أمريكية بلا فائدة

​إن الحصار الجوي الأمريكي على إيران لا يعدو كونه ورقة ضغط استعراضية فقدت قيمتها التأثيرية الفعلية.

فالمرونة الجغرافية التي تتمتع بها إيران وسط آسيا والمشرق العربي مدعومةً بوجود حلفاء دوليين كبار لا يخضعون للإملاءات الأمريكية تجعل من هذا الحصار مجرد عائق مؤقت يرفع تكلفة السفر والتجارة لكنه عاجز تماماً عن تحقيق أهدافه السياسية أو شل حركة الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *