طيور عابرة أم أرواح سائرة؟

طيور عابرة أم أرواح سائرة؟
يتناول تحليق طيور الفلمنجو في كربلاء بالتزامن مع الأربعين من منظورين طبيعي وروحي، ويرى أن أهمية الظاهرة تكمن في دلالتها الوجدانية والرمزية لدى المؤمنين، حيث تتحول الطبيعة إلى مساحة لاستحضار العلاقة بين المقدس والوعي الجمعي...

من حيث الاعتقاد، نحن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) نعتقد برسوخ ويقين أن الطبيعة وما يدب ويتحرك فيها هي ضمن نظام الإعجاز أو الكرامة؛ بل نعتقد جازمين أن كل شيء ما خلا الإنسان يعرف قَدْر وعظمة المعصومين (عليهم السلام)؛ ألم يبكِ الحجر؟ ألم تُمطر السماء دماً عبيطاً؟ ألم تنُحِ الحمائم؟ وغير ذلك مما لا يتحرك أو يوجد من تلقاء نفسه.

وما حدث من “تحليق طيور” مهاجرة يوم ‘العشرين من صفر’ يُعد في نظر أهل المعنى والماورائيين له تفسيره المدهش؛ فمن الناحية العلمية البحتة، لا تمر خطوط هجرة طيور الفلمنجو (النحام) الرئيسية عادةً فوق مركز مدينة كربلاء بشكل معتاد؛ إذ إن مسارات هجرتها الطبيعية في العراق ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمسطحات المائية الكبرى، وأبرزها أهوار الجنوب العراقي والبحيرات والمستنقعات الواسعة التي تتخذها محطات استراحة وغذاء أثناء رحلتها الموسمية بين آسيا وأفريقيا.

وعلى الرغم من أن حركة الطيور محكومة بغريزة البقاء وتغيرات المناخ والبحث عن البيئة الرطبة الآمنة، إلا أن اقتران مثل هذه الظواهر النادرة بمناسبات كبرى وروحانية مثل “زيارة الأربعين” يفتح باباً واسعاً للتأويل الوجداني والنفسي لدى المتلقي.

ففي الوعي الجمعي والثقافة الشعبية والأدبية المرتبطة بملحمة الطف، يُنظر إلى الطبيعة ومخلوقاتها على أنها متفاعلة وجدانياً مع رمزية المكان وقدسيته؛ حيث تترجم هذه اللحظات غير العادية باعتبارها “معادلاً موضوعياً” ناطقاً بالدهشة والخشوع، وتعبيراً رمزياً عن خروج الكائنات عن مألوف مساراتها أمام عظمة “الحدث الإنساني والروحي” الجارف، لا سيما حين تجتمع ملايين القلوب في بقعة جغرافية واحدة. ويبقى بين صرامة الخريطة الجغرافية وشفافية القراءة الروحية متسع لتأمل الجمال حين يتقاطع مع المقدّس. وليس المهم في مثل هذه المشاهد إثبات كونها خارقة للعادة أو خاضعة لقوانين الطبيعة، بقدر ما تكشفه من أثرٍ عميق في الوجدان الجمعي. فالأحداث الكبرى تكتسب قيمتها من قدرتها على إعادة تشكيل المعنى في نفوس المؤمنين، حيث تتحول الظواهر العابرة إلى رموز تستحضر العلاقة بين الإنسان والمقدس، وتمنح التجربة الروحية أفقًا يتجاوز حدود التفسير المادي، ليبقى الإيمان هو اللغة التي يقرأ بها العاشق إشارات الكون من حوله.

الملايين يحيون ذكرى أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى مدار السنين الكثيرة مثل هذه الظاهرة مع طيور الفلمنجو لم تحدث، وهذا لا قيمة له أصلاً في يقين المعتقد بالحسين وعميق شأنه عند الله تبارك وتعالى، ولكن جمال الحدث هو لحظة استراحة روحية تأخذ العاشق إلى شطآن وضوء الروح وصلاة العقل، وهو يرى الكون طائعاً مستجيباً في لحظة قداسة تقول له: إنك على أروع مسار تدور مع فلكه الهوائم بكامل فطرتها.

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين يُسَدَّد على دولة الفقيه”

مقال آخر دمتم بنصر قادم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *