أزمة السيولة المالية في العراق
لم تعد أزمة السيولة المالية في العراق مسألة ظرفية يمكن التعامل معها بتأخير بعض المدفوعات أو اللجوء إلى الاقتراض قصير الأجل.
بل أصبحت هذه الأزمة تعكس اختلالاً أعمق في بنية المالية العامة. كما تعكس خللاً في العلاقة بين الدولة والجهاز المصرفي والاقتصاد الحقيقي.
وقد طرح عدد من الخبراء الاقتصاديين حلولاً تركزت في اتجاهين رئيسيين. الاتجاه الأول هو الاقتراض الداخلي أو الخارجي لتغطية الفجوة التمويلية.
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في ضغط النفقات العامة ودمج بعض الوزارات والمؤسسات وتقليص الإنفاق غير الضروري.
وهذه أدوات قد تكون مطلوبة ضمن حزمة إصلاحية متكاملة. لكنها لا تستنفد جميع البدائل المتاحة أمام الدولة العراقية.
ضعف الوساطة المالية
المشكلة الأساسية أن العراق، رغم امتلاكه موارد نفطية كبيرة واحتياطيات أجنبية مهمة، ما زال يعاني ضعفاً واضحاً في الوساطة المالية.
فجزء ضخم من السيولة يبقى خارج الجهاز المصرفي. وهذا يحرم الاقتصاد من تحويل المدخرات إلى ائتمان واستثمار وتمويل للمشروعات.
وتشير بيانات البنك المركزي العراقي إلى أن العملة المتداولة خارج المصارف بلغت في نهاية عام 2024 نحو 93% من إجمالي العملة المصدرة.
وهي نسبة مرتفعة للغاية. كما تعكس استمرار الطابع النقدي للاقتصاد، وضعف قدرة المؤسسات المصرفية على جذب مدخرات الأفراد.
العملة المصدرة والودائع والاحتياطيات
في الربع الأول من عام 2025، بلغ حجم العملة المصدرة نحو 99.9 تريليون دينار.
بينما بلغت الودائع الادخارية والثابتة نحو 25.3 تريليون دينار فقط.
وفي الوقت نفسه، بلغ صافي الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 127.5 تريليون دينار.
ويعادل هذا الرقم نحو 128% من قيمة العملة المصدرة. كما يوفر تغطية تقارب 14 شهراً من الاستيرادات.
وهذا يعني أن العراق يمتلك قاعدة احتياطية مهمة. لكن المشكلة تكمن في ضعف تدوير السيولة المحلية داخل النظام المالي.
السيولة المكتنزة خارج النظام المصرفي
من هنا، فإن الحديث عن عشرات المليارات من الدولارات المحتفظ بها خارج النظام المصرفي ليس بعيداً عن الواقع.
ومع ذلك، فإن من الأدق التعامل مع تقدير الـ60 مليار دولار باعتباره رقماً تقريبياً يحتاج إلى تحديث دوري استناداً إلى بيانات البنك المركزي.
فالمشكلة ليست في وجود هذه الأموال بحد ذاته. بل في كون جزء كبير منها سيولة مكتنزة لا تمر عبر القنوات المصرفية.
كما أنها لا تسهم بما يكفي في تمويل الاستثمار والإنتاج. وبذلك تبقى أموالاً معطلة داخل الاقتصاد، بدل أن تتحول إلى قوة تمويلية منتجة.
ضغوط الموازنة العامة
تزداد أهمية هذه القضية مع تصاعد الضغوط على الموازنة العامة. فقد قدّر صندوق النقد الدولي العجز المالي للعراق في عام 2025 بنحو 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي الوقت نفسه، تمثل الأجور ومعاشات التقاعد قرابة 24% من الناتج. كما يتوقع الصندوق أن تبقى الإيرادات النفطية عند أكثر من 90% من إجمالي الإيرادات الحكومية خلال السنوات المقبلة.
وهذا يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتحركات أسعار النفط. فكل انخفاض كبير في أسعار النفط ينعكس سريعاً على قدرة الدولة على التمويل.
والأكثر دلالة أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة العراقية ارتفع من نحو 54 دولاراً للبرميل في عام 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في عام 2024.
وقد جاء هذا الارتفاع نتيجة اتساع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية. وهذا يعني أن أي تراجع كبير ومستمر في أسعار النفط يمكن أن يتحول سريعاً من مشكلة في الإيرادات إلى أزمة سيولة مالية وتمويل.
سندات الاحتياط الذهبي
أمام هذا الواقع، يمكن التفكير في أداة مالية تستهدف تعبئة جزء من السيولة المكتنزة في المنازل.
ويكون ذلك عبر تحويل هذه السيولة إلى تمويل منظم للخزينة العامة، من خلال إصدار سندات سيادية مرتبطة بقيمة الذهب.
ويمكن تسمية هذه الأداة «سندات الاحتياط الذهبي». أو، بدقة مالية أكبر، «السندات الحكومية المرتبطة بمؤشر الذهب».
وتقوم الفكرة على إصدار وزارة المالية سندات مقومة بالدينار العراقي لمدة سنة أو أكثر.
وترتبط قيمة الاستحقاق بسعر كمية محددة من الذهب في تاريخ السداد. لكن من دون أن يكون لحامل السند حق المطالبة باستلام الذهب فعلياً.
أي إن الالتزام يكون نقدياً بالدينار. وتكون قيمته مرجعية مرتبطة بالذهب، لا تسليماً عينياً للمعدن.
تصميم العائد وجاذبية الأداة
يمكن تصميم هذه السندات بعائد ثابت محدود. كما يمكن تصميمها بعائد يجمع بين فائدة معتدلة ونسبة محددة من التغير في سعر الذهب.
وهذا يجعلها أكثر جاذبية للمواطن من الاحتفاظ بالنقد في المنزل. كما يمنحه في الوقت نفسه أداة ادخارية أكثر ارتباطاً بأصل يُنظر إليه تقليدياً باعتباره ملاذاً آمناً.
وتستند جاذبية هذه الأداة إلى موقع الذهب في إدارة الاحتياطيات والتحوط من المخاطر.
وقد عزز البنك المركزي العراقي حيازاته من الذهب خلال السنوات الأخيرة. إذ بلغت الحيازات الرسمية في نهاية عام 2023 نحو 142.6 طناً.
وجاء ذلك بعد عمليات شراء هدفت إلى زيادة قدرة الاحتياطيات على مواجهة التقلبات الاقتصادية والمالية الدولية.
تصحيح فني مهم
لكن من الضروري هنا تصحيح نقطة فنية مهمة. فإذا ارتفع سعر الذهب، فإن ارتفاع القيمة السوقية لاحتياطي البنك المركزي لا يعني تلقائياً أن الخزينة لن تتحمل كلفة إضافية.
فالسبب أن قيمة الالتزام المستحق لحامل السند سترتفع هي الأخرى. كما أن أرباح إعادة تقييم الذهب تظل، في جانب منها، أرباحاً دفترية.
ولا تتحول هذه الأرباح بالضرورة إلى سيولة يمكن للخزينة استخدامها فوراً. ولذلك ينبغي أن يكون تصميم السند دقيقاً من ناحية إدارة المخاطر.
ويمكن أن يوضع سقف للعائد المرتبط بارتفاع الذهب. كما يمكن اعتماد نطاق سعري محدد، أو منح المستثمر فائدة ثابتة مع نسبة محدودة من ارتفاع سعر الذهب.
وبهذه الطريقة يمكن الجمع بين جاذبية الأداة للمواطن وحماية المالية العامة من تقلبات حادة في أسعار المعدن.
الفصل بين احتياطيات البنك المركزي وتمويل الموازنة
من الناحية القانونية والمؤسسية، ينبغي كذلك الفصل بوضوح بين احتياطيات البنك المركزي واحتياجات تمويل الموازنة العامة.
فالبنك المركزي يتولى حفظ وإدارة الاحتياطيات الأجنبية والذهب. وهذه أصول تؤدي وظائف أساسية في دعم الاستقرار النقدي والثقة بالدينار.
كما تدعم قدرة الدولة على مواجهة الالتزامات الخارجية. ومن ثم، لا ينبغي تحويل الذهب إلى مصدر مفتوح لتمويل الإنفاق الحكومي.
كما لا ينبغي رهنه بصورة قد تضعف استقلال السياسة النقدية. فاستقلال البنك المركزي عنصر أساسي في حماية الاستقرار المالي والنقدي.
ولهذا سيكون من الأفضل أن تتولى وزارة المالية إصدار السندات. بينما يقوم البنك المركزي بالدور التنظيمي والفني المتعلق بالتسوية والرقابة وتنظيم السوق.
ويجب أن يحدث ذلك من دون أن تتحول الأداة إلى تمويل نقدي مباشر للعجز.
وقد حذر صندوق النقد الدولي نفسه من أن التمويل النقدي للعجز قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية.
كما قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات الأجنبية وإضعاف الميزانية العمومية للبنك المركزي.
تنفيذ البرنامج على مراحل
يمكن تنفيذ البرنامج على مراحل. ففي المرحلة الأولى، يُطرح إصدار تجريبي محدود بعدة تريليونات من الدنانير لقياس استجابة السوق.
ويجب إتاحة الاكتتاب من خلال المصارف الحكومية والخاصة والمحافظ الإلكترونية ومنصات الدفع.
كما ينبغي إصدار السندات بفئات صغيرة ومتوسطة. وذلك حتى لا تبقى الأداة حكراً على كبار المستثمرين.
ويمكن أيضاً منح حوافز محدودة للمكتتبين. ومن هذه الحوافز إعفاء جزء من عوائد السندات من بعض الرسوم.
كما يمكن إتاحة إمكانية تداولها في سوق ثانوية. ويمكن كذلك استخدامها كضمان للحصول على تسهيلات مصرفية.
ومن شأن وجود سوق ثانوية أن يرفع درجة السيولة. كما يطمئن المواطن إلى أنه لن يضطر إلى انتظار تاريخ الاستحقاق إذا احتاج إلى أمواله.
السندات ليست بديلاً عن إصلاح القطاع المصرفي
من المهم أيضاً ألا تصبح هذه المبادرة بديلاً عن إصلاح القطاع المصرفي.
فبيانات البنك المركزي تشير إلى أن متوسط العائد الحقيقي على الودائع بالدينار خلال النصف الثاني من عام 2024 كان أقل من 1% تقريباً.
وهذه نسبة لا توفر حافزاً قوياً لنقل المدخرات من النقد أو الذهب أو العقار إلى المصارف.
ولذلك ينبغي أن يتزامن إصدار هذه السندات مع تعزيز الثقة بالمصارف. كما ينبغي تطوير نظام ضمان الودائع، وتوسيع المدفوعات الإلكترونية.
ويجب أيضاً رفع مستوى الحوكمة المصرفية. كما ينبغي تسهيل وصول القطاع الخاص إلى الائتمان.
فوائد تحويل السيولة المكتنزة إلى سندات حكومية
إن تحويل جزء من السيولة المكتنزة إلى سندات حكومية يمكن أن يحقق عدة فوائد في وقت واحد.
فهو يخفف الضغط على الخزينة. كما يقلل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، ويحد من مخاطر التمويل النقدي للعجز.
ويساعد أيضاً على توسيع سوق الدين المحلي. كما يُدخل شريحة أكبر من المواطنين إلى النظام المالي الرسمي.
وإذا استطاعت الدولة جذب 10% فقط من السيولة الموجودة خارج المصارف، فإنها تستطيع تعبئة عدة تريليونات من الدنانير محلياً.
ويحدث ذلك من دون استنزاف مباشر للاحتياطيات الأجنبية. وهذا يجعل الأداة مفيدة إذا أُديرت ضمن إطار دقيق ومنضبط.
حدود الأداة وشروط نجاحها
مع ذلك، ينبغي التأكيد أن هذه الأداة ليست حلاً دائماً للعجز المالي. فالسندات تؤجل الالتزام ولا تلغيه.
وكل دين يصدر اليوم سيتحول إلى استحقاق في المستقبل. ومن ثم يجب أن تستخدم حصيلة هذه السندات أساساً لمعالجة اختناقات السيولة وإعادة ترتيب الالتزامات.
ويجب أن يحدث ذلك بالتوازي مع تنمية الإيرادات غير النفطية. كما ينبغي ضبط نمو النفقات الجارية، وتنشيط القطاع الخاص، وإصلاح النظام المصرفي.
ويجب أيضاً توجيه نسبة أكبر من الإنفاق العام نحو الاستثمار المنتج. فالحل لا يقوم على أداة مالية واحدة، بل على منظومة إصلاح متكاملة.
إدارة الموارد وتدوير السيولة
إن العراق لا يعاني نقصاً مطلقاً في الموارد. بل يعاني، في جانب مهم من أزمته، ضعفاً في إدارة الموارد وتدوير السيولة داخل الاقتصاد.
ومن هنا يمكن أن تمثل السندات المرتبطة بالذهب أداة مالية مبتكرة. لكن ذلك مشروط بأن تُصمم ضمن إطار قانوني ومؤسسي محكم.
كما يجب أن تُحدد مخاطرها بدقة. ويجب أن تُربط بإصلاح مصرفي ومالي حقيقي.
فالمطلوب ليس فقط البحث عن مصادر جديدة للمال. بل بناء آليات تجعل الأموال الموجودة بالفعل داخل الاقتصاد تعمل لصالح الاستثمار والإنتاج والاستقرار المالي.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «التدبير نصف المعيشة».
وفي إدارة الدولة، كما في إدارة حياة الأفراد، يصبح حسن التدبير في أوقات الأزمات شرطاً أساسياً لحماية الموارد.
كما يصبح شرطاً لتحويلها من أموال معطلة إلى قوة اقتصادية منتجة.


