التسويق للمنتج الإعلامي أهم من صناعته

التسويق للمنتج الإعلامي أهم من صناعته
تتحدد فاعلية الإعلام بقدرته على فهم الجمهور واستهدافه، لا بجودة المحتوى وحدها؛ فمعركة السرديات تُحسم في المساحات الرمادية عبر تحليل الدوافع والمصالح، وصياغة رسائل موثوقة، واختيار اللغة والقناة والتوقيت القادر على تحويل المعرفة إلى تأثير...

مع أنني عملت في مجال الإعلام، فإن تخصصي في علم الاقتصاد السياسي، واهتمامي بدراسة «الحرب الإدراكية» مدة من الزمن، دفعاني إلى ترجمة ثمانٍ وعشرين دراسة تناولت هذا الموضوع. ومن خلال هذه القراءة وجدت أن جانباً مهماً من أدوات التأثير الإدراكي الحديثة يتقاطع مع مفاهيم معروفة في علم الاقتصاد، ولا سيما التسويق الرقمي: تحديد الجمهور، وفهم حاجاته ودوافعه، واختيار الرسالة المناسبة له، ثم إيصالها عبر القناة والتوقيت والصيغة الأكثر قدرة على الوصول والتأثير.

وهنا تظهر مشكلة كثير مما يمكن تسميته «إعلام الحقيقة». فقد يمتلك هذا الإعلام مادة جيدة، وحجة قوية، وصورة عالية الجودة، لكنه يفترض أن جودة المنتج تكفي وحدها لكي يصل ويؤثر. والحقيقة أن المحتوى الذي لا يصل إلى جمهوره المناسب، أو يصل إليه بلغة لا تعنيه، يشبه منتجاً ممتازاً موضوعاً على رف لا يراه الزبون.

لهذا أرى أن المشكلة تتركز في عنصرين أساسيين: الجمهور المستهدف وأدوات الاستهداف.

في الاقتصاد، لا يبدأ التسويق الناجح من السؤال: ماذا أريد أن أبيع؟ فقط، بل من سؤال موازٍ: لمن أبيعه؟ وما الذي يدفع هذا الجمهور إلى الاهتمام به؟ وفي الإعلام السياسي والفكري يصبح السؤال أكثر حساسية، لأننا لا نتعامل مع مستهلك يختار سلعة فحسب، بل مع إنسان له هوية مسبقة، وانتماءات ومخاوف ومصالح وذاكرة وتجارب تحدد الطريقة التي يستقبل بها الرسالة.

وهذا ما يفسر لماذا أصبحت دراسة الجمهور جزءاً أساسياً من الاتصال الاستراتيجي الحديث. فالعقائد المعاصرة في هذا المجال لا تتعامل مع الجمهور بوصفه كتلة واحدة، وإنما تعمل على تقسيمه وتحليل مواقفه ودوافعه، لأن الرسالة نفسها قد تقنع شريحة وتفشل تماماً مع أخرى. وحتى في التسويق الرقمي التجاري تؤكد الدراسات أن قابلية الاستجابة للإعلان، وأهمية المعلومة، ومدى الإحساس بارتباط الرسالة باهتمامات الشخص تختلف بين شرائح الجمهور.

ولتبسيط الفكرة، يمكن النظر إلى جمهور «حرب السرديات» عبر ثلاث دوائر. هناك «الطبقة البيضاء»، وهي جمهورك المقتنع أصلاً بفكرتك والمنحاز إليها. وهناك «الطبقة السوداء»، أي الجمهور الذي حسم موقفه لصالح السردية المقابلة. وبين الاثنين تقف «الطبقة الرمادية»: المترددون، والمحايدون، وغير المهتمين سياسياً بالدرجة نفسها، ومن لم تتحول قناعاتهم بعد إلى موقف ثابت.

هذه الطبقة الرمادية هي، في كثير من المعارك الإعلامية، المساحة الحقيقية للتنافس.

والمشكلة أن جزءاً من الإعلام يستهلك جهده في مخاطبة جمهوره الأبيض. يرفع له الشعارات التي يعرفها، ويعيد عليه الحجج التي يوافق عليها، ثم يقيس نجاحه بعدد الإعجابات والتعليقات المؤيدة. لكنه بذلك قد يكون قد نجح في تعبئة أنصاره، لا في توسيع دائرة التأثير.

هناك فرق كبير بين التعبئة والتأثير. التعبئة تعني أن تجعل المقتنع أكثر حماسة، أما التأثير فيعني أن تصل إلى من لم يحسم موقفه بعد، أو أن تنقل شخصاً خطوة واحدة في اتجاه فكرتك. وهنا يصبح فهم «الطبقة الرمادية» أكثر أهمية من رفع صوت الخطاب.

والسردية نفسها ليست مجرد خبر صحيح أو معلومة منفردة. السردية هي الإطار الذي يعطي مجموعة من الوقائع معنى مترابطاً، ويجيب في ذهن الجمهور عن أسئلة من نوع: ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ ومن المسؤول؟ وأين تقف مصلحتي؟ ولهذا تعطي مؤسسات الاتصال الاستراتيجي الحديثة أهمية كبيرة للاتساق بين الرسائل والصور والأفعال، لأن التناقض بينها يضعف السردية مهما كانت قوة الآلة الإعلامية.

ومن هنا أيضاً نفهم لماذا أصبح المجال الإدراكي مهماً في الصراعات المعاصرة. فدراسات الناتو نفسها تصف العقل البشري بأنه ساحة للتنافس الإدراكي، وتشير إلى تداخل الأدوات المعلوماتية والنفسية والرقمية والهندسة الاجتماعية، وإلى قدرة وسائل التواصل على توجيه الرسائل بصورة انتقائية إلى أفراد ومجموعات محددة.

وأذكر هنا قصة أحد الشيوخ المصلحين الذي ذهب إلى بلدة في شمال إيران كان الفكر الشيوعي قد انتشر بين شبابها. لم يدخل عليهم بالزي الديني، ولم يبدأ العلاقة معهم بإعلان هويته وموقعه. ارتدى ملابس اعتيادية، وجلس مع الشباب في المقاهي، وشاركهم ألعاب الدومينو والطاولة، واستمع إليهم قبل أن يحدثهم.

وكان يمرر فكرته في ثنايا الحديث، لا في صورة محاضرة تلقى عليهم من الخارج. أحبوه وألفوا وجوده بينهم، ثم أعلن هويته لاحقاً، وأصبح إماماً للمسجد، وصار كثير منهم يصلون خلفه.

كان فيهم، لكنه لم يكن منهم.

وهذه القصة، بغض النظر عن ظرفها التاريخي، تختصر فكرة مهمة في التسويق الإعلامي: لا تضع بينك وبين جمهورك حاجز الهوية قبل أن تفتح قناة التواصل معه. فالإنسان عندما يصنف المتحدث منذ اللحظة الأولى ضمن «المعسكر المقابل» قد يبدأ برفض الرسالة قبل أن يسمع مضمونها. لذلك لا تستخدم خطاب «هويتك البيضاء» وأنت تريد التأثير في «الطبقة الرمادية».

وهذا لا يعني إخفاء الحقيقة أو التخلي عن الهوية، وإنما يعني فهم المدخل المناسب إلى عقل المتلقي. تحدّث عن مشكلته قبل أن تحدثه عن شعارك، وعن مصلحته قبل أن تطالبه بتبني موقفك، وقدّم الدليل قبل أن تطلب منه التصديق.

أما أدوات الاستهداف فتتغير بسرعة. تبدأ من اختيار المنصة التي يوجد فيها الجمهور، وتمر بشكل المحتوى وطوله ولغته، وتصل إلى توقيت النشر وطريقة التفاعل والظهور الإعلامي. وحتى هنا لا يكفي الاستهداف الأكثر ضيقاً دائماً؛ فبحوث التسويق الرقمي تشير إلى أن تضييق الشريحة من دون بيانات جيدة أو فهم حقيقي لها قد يجعل الحملة أقل كفاءة، لا أكثر.

ولهذا أصبح تحليل الجمهور نفسه صناعة. وفي عام 2026، على سبيل المثال، واصلت مؤسسات الناتو تطوير برامج متخصصة في بحوث الجمهور وبيئة المعلومات، بما يشمل التحليل الكمي والنوعي وفهم السلوك والدوافع لتحسين فاعلية الاتصال الاستراتيجي. وهذا يكشف أن القوى الكبرى لا تنظر إلى الإعلام باعتباره مجرد إنتاج أخبار وصور، بل بوصفه منظومة تبدأ بفهم الجمهور قبل صناعة الرسالة.

والغرب، مثل غيره من القوى الدولية، أدرك مبكراً أهمية هذا النوع من التأثير، وطوّر مؤسسات وأدوات متخصصة في الاتصال الاستراتيجي وتحليل البيئة المعلوماتية. لذلك فإن مواجهة هذا النوع من القوة لا تكون بإنتاج محتوى أكثر فقط، وإنما ببناء قدرة موازية على فهم الجمهور، وقياس أثر الرسالة، واختيار السردية القادرة على الوصول إليه.

حروب اليوم لا تخاض بالسلاح وحده. هناك حرب على تفسير الحدث قبل الحرب على الحدث نفسه، وحرب على الصورة والانطباع والثقة، وعلى من يستطيع أن يجعل روايته أقرب إلى عقل الجمهور ومصلحته وشعوره.

وقد تربح معركة عسكرية ثم تخسر تفسيرها في وعي الناس، كما قد تستطيع بالسردية المؤثرة أن تكسب مساحة من التأييد كان الحصول عليها بالقوة أكثر كلفة.

لذلك، إذا أردت النجاح في الإعلام، ادرس جمهور الطبقة الرمادية. اعرف ماذا يقرأ، وما الذي يخشاه، وما الذي يبحث عنه، وما الذي يجعله يثق أو يشك. سوّق فكرتك داخل دائرة اهتمامه، لا داخل دائرة اهتمامك أنت. خاطب مشاعره من دون أن تستغفل عقله، وتحدث عن مصالحه، واعتمد الدليل، وقلل الشعارات؛ لأن الشعار غالباً ما يحمّس من اقتنع بك مسبقاً، أما الدليل واللغة المناسبة فقد يفتحان لك باب من لم يقتنع بعد.

فالمنتج الإعلامي الجيد شرط، لكنه ليس نهاية المهمة. قد تنتج أفضل رسالة، لكن الرسالة التي لا تعرف طريقها إلى الجمهور تظل محدودة الأثر.

ولهذا أقول: في معركة السرديات، صناعة المحتوى نصف العمل، أما النصف الآخر فهو أن تعرف لمن تقوله، وكيف تقوله، ومتى تقوله.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن من البيان لسحراً».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *